شفرة البرهان.. خطاب “المراوغة التكتيكية” وتحالف الظل مع الحركة الإسلامية
شفرة البرهان.. خطاب “المراوغة التكتيكية” وتحالف الظل مع الحركة الإسلامية
د. صلاح عثمان
منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021، لم يكن خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان مجرد تصريحات سياسية عابرة، بل كان أداة هندسة اجتماعية وسياسية تهدف إلى إدارة الأزمة لا حلها.
ويتسم هذا الخطاب بالسيولة والقدرة على التلون تَبَعاً لضغوط الشارع والمجتمع الدولي، مع الحفاظ على خيط رفيع يربطه بطموحات العودة لتيار “الإسلام السياسي”.
بنية الخطاب الازدواجية والرسائل المتناقضة
ويعتمد البرهان إستراتيجية “الخطاب والخطاب المضاد” في ذات الوقت، ويمكن تحليل ذلك من خلال ثلاثة محاور.
ويقول مراقبون إن خطابات البرهان تركز دائماً على أن القوات المسلحة هي “وصية” على أمن البلاد، مستخدماً لغة عاطفية تجاه الجندي والوطن لشرعنة وجوده في السلطة وقطع الطريق أمام القوى المدنية.
في ذات الوقت يقدم البرهان، خطاب تكتيكي مثل إعلانه في يوليو 2022 عن انسحاب الجيش من المفاوضات، وهو خطاب تكتيكي كان يهدف لرمي الكرة في ملعب المدنيين لإظهارهم بمظهر العاجزين عن الاتفاق، بينما تظل مفاصل الدولة الفعلية تحت سيطرته.
كما يشمل خطاب البرهان، خلق أوهام العداء والأعداء، خاصة بعد بعد اندلاع حرب 15 أبريل، تحول الخطاب نحو تجييش العواطف واستخدام مصطلحات الكرامة والوجود، وهي لغة تتقاطع تماماً مع أدبيات الحركة الإسلامية.
يذكر سابقا أن البرهان عند اعلانه حل الحكومة المدنية حذر من حرب اهلية قال إنه منعها بتلك الإجراءات التي تصفها القوى المدنية بالانقلاب.
سيكولوجية المراوغة وإستراتيجية شراء الوقت
بالمراوغة الكثيرة عند البرهان والتي ليست عشوائية، فهي تكتيك استنزاف يهدف إلى تفتيت الكتل المدنية وقوى الثورة، وهو اسلوب خلق عدم الثقة بين المكونات وهو مانجح فيه بشكل مطلق حيث فتت كتلة الحرية والتغيير واستقطب عددا كبيرا من شباب الثورة والمجموعات المختلفة تحت ما يسمى بالمقاومة الشعبية وغيرها.
ويسعى البرهان، لشراء الوقت وامتصاص الضغط الدولي، كما يعمل على القبول المطهري للمبادرات لكنه لا يمضي فيها، وهو ما يؤكده دبلوماسيون غربيون يصفون بالشخص المتغيير.
في المقابل، لا يوجد لدى البرهان “مبدأ” فهو يتحالف هناك وهناك حسب المصلحة وتحقيق الأهداف وهذا ما يشير إلى إدارته بشكل كامل من فرق ومجموعات تعمل على مدار الوقت لتوفير الاستراتيجيات له.
ويثبت ذلك، ارتباطه العضوي بالحركة الإسلامية السودانية، فهو أحد أعضائها رغم عمله على الإيجحاء بأنه كان ضمن ضباط البعث الذين اعدمهم نظام الانقاذ، وتكذيب الشهود والمتابعين لروايته.
وبعد الانقلاب مباشرة، بدأت عملية إعادة كوادر النظام السابق إلى مفاصل الدولة (القضاء، الخارجية، الإعلام، والمالية). هذا التفكيك لقرارات “لجنة إزالة التمكين” كان الثمن الذي دفعه البرهان للحصول على “حاضنة سياسية وإدارية” خبيرة.
وأيضا وفرت الحرب الحالية للحركة الإسلامية غطاءً شرعياً للعودة تحت لافتة “المقاومة الشعبية” ودعم القوات المسلحة. البرهان وجد فيهم القوة الوحيدة المنظمة والمستعدة للقتال والموت من أجل بقاء المنظومة العسكرية التي يحكمها.
وبذلك نجح البرهان، في تحويل الصراع من “مدني ضد عسكري” إلى “صراع وجودي مسلح”، مما جعل الحديث عن الديمقراطية ترفاً في نظر الكثيرين حالياً. في حين، أصبحت الحركة الإسلامية الآن جزءاً أصيلاً من المشهد العسكري والسياسي، ولم تعد مجرد فلول مطاردة.
ومن خلال خطابات الاستنفار، تم تحويل المجتمع إلى مجتمع حربي، مما يسهل قمع أي صوت مدني مستقبلي تحت شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”.
إن البرهان يمارس عملية هروب للأمام مستمرة، فكلما ضاق الخناق السياسي، فتح ثغرة أمنية أو أطلق خطاباً تعبوياً جديداً أو صرف الأنظار عنه بمثل حديثه عن الأطباء وعملهم كجواسيس لمصلحة الجيش.