البنتاغون يكسر جرة الشياطين؟

البنتاغون يكسر جرة الشياطين؟

أفرج البنتاغون، أمس الجمعة، عن دفعة أولى من الوثائق والفيديوهات والصور المتعلقة بالظواهر الجوية غير المحددة، المعروفة بـ”الأجسام الطائرة المجهولة”.

ضمت هذه الدفعة 162 ملفاً أُتيحت للجمهور، تشمل تقارير عسكرية، وفيديوهات لمقاتلات، وصوراً لبعثات فضائية، ومشاهدات من مناطق شتى حول العالم.

​جاء هذا الإفراج تنفيذاً لتوجيه مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قال:

​«في سبيل تحقيق شفافية كاملة وقصوى، كان من شرفي أن أوجه إدارتي لتحديد وتقديم الملفات الحكومية المتعلقة بالحياة خارج الأرض والظواهر الجوية غير المحددة.

بينما فشلت الإدارات السابقة في ممارسة الشفافية، فإن هذه الوثائق تسمح للشعب بأن يقرر بنفسه: ما الذي يحدث بحق الجحيم؟»

​فيما ذهب نائبه، جي دي فانس، إلى منحى أكثر جرأة في تفسيره “الروحي” للظاهرة، إذ قال:

​«لا أعتقد أنها كائنات فضائية، بل أراها شياطين.. فعندما أسمع عن ظواهر خارقة للطبيعة، يستحضر ذهني الفهم المسيحي لصراع الخير والشر في العالم.»

​أثار ربط “فانس” للظاهرة بالقوى الروحية الشريرة في سياق “آخر الزمان” جدلاً واسعاً، لا سيما وأن هذا الإفراج يتزامن مع اهتمام متزايد بنبوءات العرافة البلغارية “بابا فانغا”، التي أشارت إلى أن نوفمبر المقبل سيشهد دخول مركبة فضائية ضخمة أو أسطول غريب إلى الغلاف الجوي للأرض، فيما اعتبرته أول اتصال رسمي بين البشرية وحضارة خارجية مجهولة.

​على أية حال، فقد قرر “البطريرك الأكبر” القابع في البيت الأبيض أن يزيح أختاماً أكلها الصدأ لقرن من الزمان؛ فبإشارة واحدة من يده، أطلق في الفضاء أوراقاً وصوراً كانت تسمى في زمن العقل “وثائق”، لكنها تحلق الآن فوق رؤوسنا كأشباح أُطلقت من محبسها، لتعيد تعريف الحقائق والأشياء.

​في وقت، كانت فيه مياه مضيق هرمز تشهد بالتزامن طقساً غريباً من “التناسخ الجيوسياسي”؛ سفن أمريكية وإيرانية تدور حول نفسها وحول بعضها، كعاشقين لُعنا بالوقوف على حافة ضيقة تحول دون العناق.

كانت “إسلام آباد” هي النافذة الوحيدة المفتوحة على بيت نارهما المهجور، ومنها تمر الرسائل المكتوبة بحبر سري، تخبرنا أن “مشروع الحرية” قد فُتح فجأة، ثم أُغلق كجفن ميت، قبل أن يرتد صدى صرخته في أروقة مجلس الأمن.

​هذا التناقض الغريب لم يأتِ مصادفة، فهو “طقس أسطوري” دائري؛ يُغلق فيه البحر لتضطر السفن المحظورة أو المحاصرة، لأن تنبت لها أجنحة، وتفتح السماء ملفاتها ليدرك الملاحون أن الخطر ليس كامناً في لغم بحري، لكن في “كائن” يرقبهم من خلف غيمة لا تمطر.

​هذا الثالوث المسكون بالرؤى من أبطال المشهد، يتحرك وكأنما يسوق خطاه “حمار نوم” إلى تيهٍ لا يعلم كنهه أحد.                                ترامب، بايماءته للجحيم، يشبه أولئك الذين يفتحون توابيت أسلافهم بحثاً عن ذهب مضاع، لا يجدون له أثر.

بينما نائبه “فانس” ووزير دفاعه “هيغسيث” غارقان في رؤى إنجيلية، أحالت الرادار عندهما إلى مجرد أداة لاستدعاء الملائكة أو طرد الشياطين؛ فهما لا يريان في “الأطباق الطائرة” معادن صلبة، بل تجليات لشر قديم استيقظ قبل أوانه.

​هؤلاء الرجال الثلاثة ينسجون اليوم خيوط القدر بإبرة مغموسة في “غموض مقدس”، يحركهم يقين باطني بأن نوفمبر القادم هو الموعد الذي ستتوقف فيه الساعات، وتلتقي فيه “مركبة العرافة فانغا” بأسطول البشرية المذعور.

​كل تلك الرسائل المتناقضة تُلقى اليوم في بريد واحد مجهول العنوان؛ رسائل تخبرنا أن “يد القدرة” قد تجاوزت خرائطنا الصغيرة، وأنها قد تمحو الحدود بـ “كشف كبير”.                              لكن السؤال يبقى: هل فُتحت هذه الملفات لأن الأرض لم تعد تتسع لجنوننا؟ وهل كان لا بد من استحضار عدو غامض من عوالم الملكوت يوحد الضباع والحملان تحت ظلال هذا الرعب؟ وهل لأن الحقائق تقطن دائماً في ممرات ضيقة، يسهل فيها الهمس ويصعب الصراخ؟

​بتنا ننتظر نوفمبر القادم، موعد نبوءة البلغارية العمياء، تماماً كما انتظر أهل “ماكوندو” نبوءات الغجري “ميلكياديس” في روايات “ماركيز”، بيد أن الفرق الوحيد هو أن نبوءاتنا الحالية تُبث عبر “أدوات رقمية”.

و​بينما يفغر العالم فاهه، يلوح في الأفق أن ما نراه ليس مجرد “أجسام طائرة”، بل هو ثقب يزداد اتساعاً على جدار هذا الواقع المريب.             أظن أن مياه الخليج الهائجة وملفات البنتاغون المسربة ليستا إلا طرفي خيط واحد، تمسكه يد عليا تريد إخبارنا بأن المعركة لم تكن يوماً على “مضيق” وإن بدت كذلك، بل هي معركة أوسع نطاقاً تدور حولنا؛ بين حفيف الأجنحة فوق مياه هرمز، وصدى محركات البوارج، وخشخشة أوراق تنسرب بهدوء عبر ثقب إبرة في إسلام آباد.

​هكذا يقف العالم على أعصابه، يرقب حرباً ما هي بحرب، وهدنة ليست بهدنة، وحصاراً يحاصره حصار.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.