هل تحول الجيش السوداني من “قوة دفاع” استعمارية إلى “طائفة” حاكمة؟
هل تحول الجيش السوداني من “قوة دفاع” استعمارية إلى “طائفة” حاكمة؟
عبدالباقي مختار (بقة)
أسئلة مشروعة و مشرعة تبحث عن إجابة
هل تمت صناعة الجيش على مقاس الاستعمار؟
من اللواء الأبيض إلى الإنقاذ: كيف أنتج الإرث العرقي جيشاً منغلقاً وسياسة انقلابات؟
هل كانت انقلابات المؤسسة العسكرية السودانية: “زواج مصلحة” مع المدنيين وانقلابات على الشركاء؟
لماذ صار الجيش دولة داخل الدولة؟
“الحرب أخطر من أن تُترك للجنرالات وحدهم”
جورج كليمنصو
بسقوط المهدية و صعود الحكم الانجليزي المصري صارت أدوات الحكم والتسلط في ومن المركز تحت حماية جيش يتكون من الانجليز والمصريين وبعض السودانيين الذين رافقوا حملة كتشنر أثناء مسيرتها ومعاركها علي طول نهر النيل، اذ حدث انضمام وتجنيد واستيعاب مجموعات من السودانيين في تشكيلات مقاتلة لمواصلة بسط السيطرة على دارفور -التي كانت مستقلة عن الحكم الانجليزي المصري حتى العام ١٩١٦- و ساعدت الانجليز على بسط السيطرة والتمدد في بقية ما سيبدو عليه السودان بحدوده التي سيتركها الانجليز في العام ١٩٥٦ و حتى العام ٢٠١١ .
شاركت تلك التشكيلات المقاتلة ذات التكوين الحديث انذاك في الحرب العالمية الاولي في شمال أفريقيا و أيضا شرقها، ومن ضمن تلك التكوينات المقاتلة برزت مجموعة ضباط شاركوا في حركة اللواء الابيض و قادوا اول ثورة مسلحة ضد حكم المستعمر من داخل العاصمة”المركز” في العام 1924 والتي كان من قادتها العسكريين (علي عبداللطيف ،عبدالفضيل الماظ) فظلت تلك الحركة من أبرز المحطات التاريخية التي جسدت وحدة الهدف بين العسكريين والمدنيين السودانيين كشئ إيجابي ، الا انها كانت جرس انذار مبكر للاستعمار البريطاني ونقطة تحول في خططه في كيفية بناء جيش سوداني يدين له بمطلق الولاء ،مما سيؤثر في مستقبل السودان السياسي وتطوره ………………….
في العام ١٩٢٥ و بعد هزيمة حركة اللواء الابيض و استشهاد مجموعة كبيرة من ضباطها ونفي بعض قادتها داخل البلاد و الزج بهم في السجون ،قام المستعمر بفصل هذه الوحدات والتشكيلات العسكرية التي كانت تتشكل من وحدات مصرية – سودانية رسمياً ليتم تشكيل “قوة دفاع السودان
تحت قيادة ضباط بريطانيين كمهمة رسمية لتصبح النواة الأولى للجيش الرسمي والنظامي الذي سترثه الدولة السودانية فيما بعد من الاستعمار ، الا ان تلك النواة لم تكن تشبه تجاربها التي انتهجتها في تكوينات جيوشها المنتشرة في انحاء المعمورة ، اذا انها -إدارة المستعمر- و بعد تحليل عميق لما قام به ضباط و عساكر ثورة ١٩٢٤وتحليل اخر لحوادث سابقة لقيام الثورة المهدية و اغتيال غردون باشا وفهما لشخصية النخب من الشمال النيلي، خرجت الإدارة الاستعمارية البريطانية بنظام معين ودقيق لكيفية تكوين واختيار أفراد “قوة دفاع السودان”، من القاعدة الي الهرم الذي تجلس عليه مرورا بالقيادات الوسيطة ،فخضع الاختيار على مبادي”العرق ،الجهة” للمحاربين وكذلك علي الفروقات الاجتماعية/ الثقافية المستندة على شكل النمط الاقتصادي رعوي/زراعي ،اذ لم يكن الهدف هو إنشاء جيش وطني بل كان بناء قوة تخدم مصالح الاستعمار البريطاني وبسط سيطرته بتكلفة منخفضة و ولاء مطلق .
وقد اتبعت الادارة الاستعمارية ومن بعدها قادة الجيش بعد الاستقلال (مع تغيرات طفيفة ) على آلية للاختيار من “المجند” المستجد إلى “العسكري المحترف “والتي ما زالت متبعة تقريبا -اذا ان السودنة التي شملت كل قطاعات الخدمة المدنية واهمها مناهج التعليم و تمت من قبل السودانين بمراجعة ممنهجة لما يخدم الاستقلال الحقيقي ، الا ان ما في الجيش ترك للجيش ،وحتى الآن ولا اظن ان هناك من يعلم – من غير العسكريين- ماذا يدرس طالب الكلية الحربية، مما جعلها اقرب للطائفة (cult)، عموما اتبع ضباط وقادة الجبش منذ الاستعمار وما بعده عدة مبادئ لاختيار الجنود واستبعاد التكوينات غير السودانية :
اولا : وهو الأهم والذي سيؤثر بشكل كبير وسلبي علي مسيرة تكوين الجيش إلى يومنا هذا بل وعلى وحدة الوطن ونسيجه الاجتماعي ، كان تفضيل الإدارة الاستعمارية – وسار عليه وعلى نفس المنوال تقريبا قادة الجيش بعد الاستقلال مع تغيرات خجولة هنا و هناك- كانت الأولوية لقبائل الشمال النيلي مثل الجعليين ، الشايقية و بعض قاطني المناطق الحضرية في المركز …الخ مع بعض الاستثناءات في المناصب القيادية، وكان التركيز في البداية على أبناء النخب المتعلمة من الشمال النيلي لشغل المناصب القيادية، و لضمان توافق مصالحهم مع الاستعمار .
ثانيا : صُمتت بعض الوحدات لتعكس الولاءات المحلية ، وهو ما عزز الروح الجهوية وعمق الانقسامات الإقليمية ومنع تكوين هوية وطنية واحدة ستفضي لاحقا إلى نمط بناء المليشيات الجهوية والقبلية خاصة من العناصر المحاربة في غرب السودان و اطرافه الاخرى، وقد استخدمت فيها الادارة الاستعمارية نظرة اثنية تم استدعاؤها من تاريخ حملة محمد علي باشا ومن تجربة المهدي حين قاد ثورته ضد الحكم التركي من الغرب السوداني إلى الخرطوم ،نظرة ترى أن سكان غرب السودان ،مثل النوبة ، قبائل الرحل و الرعاة هي القبائل المحاربة بطبعها وتكوينها ، فكان الاستقطاب بينهم بإعداد ضخمة كجنود ، مع استبعادهم من الرتب الوسيطة والعليا ، و بالطبع ظلت القيادة العليا و الرتب الرفيعة حكرا على البريطانيين في البدء و من ثم آلت إلى ابناء تلك النخب بعد ان تدرجوا في الرتب وفي خدمة المستعمر مقابل بعض الامتيازات .
في نفس عام إنشاء قوة دفاع السودان تم إعادة النظر الكلية الحربية في العام 1925 ، واعتمد الاختيار لها على أسس تعليمية -لاحقا وحتى الآن صارت المرحلة الثانوية- مع الخضوع لامتحانات تنافسية، (مما ساهم في التبرير لاحقا لعدم الحاق أبناء المناطق المهمشة بها) .
وضعت الإدارة البريطانية مناهج تدريبية -كما اسلفت- درست فيها تاريخ السودان الحديث بالاخص تجربة ضباط حركة 1924 فوفرت كل المعينات التي تحول دون تكرارها ،فكان الاجتهاد في خلق شخصية عسكرية تدين بالولاء للإدارة الاستعمارية او بالاحرى لأي شئ او اي جهة الا محيطها الاجتماعي وعزلها عنه تماما منعا لتكرار تجربة اللواء الابيض.
وركزت على مناهج التدريب النفسي والاجتماعي بالإضافة للتدريب الذي ينزع الفردانية ويخضعها للجماعة للتراتبية العسكرية -والتي هي مفهومة ومتبعة في معظم تدريبات وتثقيف الجيوش حول العالم- ،الا انها في جيش السودان تمت اضافة احتقار واضطهاد كل ما هو مدني او من خارج المؤسسة العسكرية ،مما اسهم في رفد السودان ومنذ بدء إنشاء قوة دفاع السودان بمجموعات تتسم بـ الانغلاق الفكري والاجتماعي، حيث تؤمن بامتلاكها الحقيقة المطلقة والامتيازات الحصرية. مجموعة تعمل على عزل أعضائها عن المؤثرات الخارجية ومحيطها الاجتماعي عبر قوانين صارمة أو ضوابط عسكرية موحدة، وتفرض ولاء مطلقا للمؤسسة العسكرية (التي كان ولاءها للامبراطورية البريطانية )او جهة غير السودان و السودانيين انذاك وحتى الآن ،اما تجاه الآخرين(المدنيين) السودانيين، تتبنى سياسات إقصاء واضطهاد تشمل رفض التعايش تحت او حتى مع قيادة مدنية ، وتجريم الرافضين للحكم العسكري و حرمانهم من الحقوق الأساسية وغالبا ما تبرر سلوكها هذا بمخاوف وهمية تخلقها على شاكلة “الخيانة ،العمالة للخارج” اما العسكريين الذين انحازوا للمجموعات التي تطالب بالتغيير كانت تُلحق بهم تهمة التلوث بسلوك المدنيين .
على أي حال كل ذلك ساهم في صناعة الانظمة الشمولية للعسكر و جعلت لهم اليد العليا في إدارة شؤون البلاد ، إدارة كان فيها استبعاد و وصف المدني بالغباء ، الخيانة و عدم الولاء للوطن حاضرا في كل صراعات المؤسسة العسكرية ضد محاولات الشعب السوداني او حتى محاولات بعض التنظيمات السياسية المتحالفة معها لإضافة مسحة مدنية بسيطة علي شكل الحكم و إدارة البلاد حتى وإن كان ليس ديمقراطيا كما حدث في فترة الإنقاذ( و الزج بمفكرها وعرابها الترابي في السجن عدة مرات ) …
خرج الانجليز من السودان طوعا دون مقاومة عنيفة تاركين مؤسسة منغلقة ولا تعلم انها منغلقة،فصارت الانقلابات على الحكم المدني هي السائدة.
وبالعودة لاطول تجربتي حكم عسكري في السودان ( مايو 1969، والانقاذ في ٣٠يونيو 1989 ) يظهر دور المؤسسة العسكرية كمجموعة منغلقة اكثر قربا للطائفة(cult )منها لمؤسسة تعمل على حماية وطن زمن الحروب و الكوارث و خدمة شعبه .
تجربة حكم مايو (جعفر نميري )التي قام بها الضباط الاحرار (تحالف بين ضباط من المؤسسة العسكرية مع أحزاب من اليسار السوداني) ،تحالف يبدو انه كان تكتيكيا للعسكر قصير الأمد تحول في اقل من عامين الي مواجهة عنيفة و دامية انتهت بإعدام عدد من ضباط الجيش وعدد من قادة الحزب الشيوعي السوداني إلى جانب سجن وتشريد ومطاردة اخرين ،كما تركت بصمات واضحة و آثار سلبية لم يتعافى منها الحزب الشيوعي حتى يومنا هذا .
تاثير انقلاب مايو علي البلاد ظل عميقا ،اذ انه كان العلامة الفارقة والواضحة في تمهيد الطريق للعنف في عمليات التغير الحديثة مع استثناء حركة الانيانيا في جنوب السودان ،صار التسابق لخطب ود الجيش او استقطاب ضباط من داخل المؤسسة العسكرية هو اقصر الطرق للوصول إلى كراسي السلطة او البقاء فيها، وكان هذا هو الثابت و المسعى غير الخفي داخل اروقة السياسة تتبارى فيها الاحزاب و التنظيمات، وكان العمل علي التغيير السلمي هو المتغير ” المؤقت”، ولكن ظلت المؤسسة العسكرية هي مطبخ لانقلابات كثيرة الا ان اطولها بقاءا في سدة الحكم هو انقلاب الإنقاذ حيث تحالفت فيه المؤسسة العسكرية السودانية مع الحركة الإسلامية وقامت بانقلاب 30 يونيو 1989، الذي كان في قيادته العميد عمر حسن احمد البشير.
بدأ هذا التحالف كترتيب و تمرين عملي بين الجيش والمدنيين الاسلاميين واستمر لعقد كامل من الزمان بين العام 1989 و حتى العام 1999 قبل أن يتفكك في صراع على السلطة لا سيما بعد ان نجحت المؤسسة العسكرية في غرس مخالبها داخل تنظيم الحركة الإسلامية و استغلال صراعات اعضائها الداخلية واستقطاب كوادر التنظيم الي صفها.
وكانت فكرة انقلاب الإنقاذ والتخطيط له من تنظيم الاخوان المسلمين قد بدأ منذ العام 1977 ما عرف بالمصالحة الوطنية الشهيرة مع نظام مايو وبدخول بعض الإسلاميين للمؤسسة العسكرية كمجندين للكلية الحربية او استقطاب عدد من الضباط من القيادات الوسيطة والاستثمار فيهم فكريا عبر ابتعاثهم للدراسات في جامعات و معاهد عليا في ظاهرها ودورات استقطاب حزبي في جوهرها.
وبنجاح الانقلاب يونيو 1989 بسطت الجبهة الإسلامية سيطرتها على كل مفاتيح السلطة منابر ومقاعد ادارتها في فترة وجيزة جدا ،استبعدت فيها في البدء -ليس المناوئون للتنظيم الإسلامي داخل اروقة الخدمة المدنية و العسكرية فقط- بل ضد كل من هم ليسوا أعضاء التنظيم ،فشهدت بدابة التسعينيات من القرن الماضي اكبر عملية تشريد في تاريخ السودان الحديث لشاغلي المناصب العليا ،الوسيطة وحتى الدنيا وشملت مجموعات كبيرة من ضباط و صف ضباط من المؤسسة العسكرية تحت شعار الصالح العام، واستمرت حملة التنظيم الاسلامي لاستلام زمام الامور من داخل المؤسسة العسكرية عبر كوادره العسكرية الذين تدربوا داخل اقسام و اجنحة المؤسسة العسكرية التي استوعبتهم تحت مسمى التمكين.
بدأ التوتر يظهر على سطح التحالف في أواخر التسعينيات عندما سعى أنصار الترابي -المدنيون -إلى تقليص صلاحيات البشير وإخضاع المؤسسة العسكرية للسيطرة الكاملة للحزب الحاكم (المؤتمر الوطني) الذي كان الترابي أميناً عاماً له إلا انه في العام 1999، ولكن أقدمت المؤسسة العسكرية تحت قيادة البشير على خطوة استباقية سريعة في شكل انقلاب داخل حكومة الإنقاذ نفسها، حيث تم حل البرلمان وأعلان حالة الطوارئ وأقالة الترابي من موقعه كأمين عام للحزب الحاكم و تشريد اتباعه من مواقعهم .
بعد هذه الخطوة، دانت السيطرة على السلطة كاملة للمؤسسة العسكرية بضباطها الإسلاميين بقيادة البشير وصار المؤتمر الوطني تنظيم يتبع للمؤسسة العسكرية، وتدريجياً تم وضع مشروع الترابي الأيديولوجي في ادراج مناضد التنظيم لصالح مجموعة براغماتية هدفها الاساسي الحفاظ على السلطة ، فصار اكبر تنظيم سياسي حديث في تاريخ السودان ضحية لمغامرة تحالفه مع المؤسسة العسكرية فاضحى التحالف “زواج مصلحة” وفر لمجموعة من الضباط الغطاء السياسي والتنظيمي، بينما خرجت الحركةَ الإسلامية من الحكم مفككة لعدة تظيمات تجمعها المحن و تفرقها السلطة والغنائم !
لقد أسهم الإرث الاستعماري في تشكيل جيش سوداني منغلق، يخدم مصالحه أولا ، ويعادي الاحتكام لكل ما هو مدني، مما جعله اللاعب الأساسي في السياسة السودانية عبر سلسلة من الانقلابات وقادته للتحالف غير المتكافئ مع جهات خارجية ودول جوار جعلت وضع السودان اقرب إلى التابع منه إلى الشريك ،لذا كان وما زال من الضرورة خضوع القوة العسكرية للرقابة المدنية لضمان عدم تحول الجيش إلى دولة داخل الدولة أو لاعب لا يحترف غير السياسية.
** جورج كليمنصو، رئيس وزراء فرنسا في فترة الحرب العالمية الاولي