مصر وقطر والسعودية في استغلال الإنسان السوداني وموارده وذاكرته، من دون شراكة عادلة أو تطوير وطني
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
لا تأسيس ولا تنوير من دون كسر هذه المعادلة.
ليست «الحديقة الخلفية» مجرد استعارة سياسية عابرة، بل هي توصيف دقيق لعلاقة غير متكافئة ظل السودان واقعًا في قلبها لعقود طويلة. ففي هذه المعادلة لا يُنظر إلى السودان بوصفه وطنًا كامل السيادة والندية، بل بوصفه خزانًا مفتوحًا للعمالة، والمواد الخام، والثروة الحيوانية، والأرض الزراعية، والرموز الثقافية، وحتى الذاكرة التاريخية.
المشكلة لم تكن فقط في طمع الخارج، بل أيضًا في هشاشة الداخل السوداني، خاصة في سنوات حكم الإسلاميين الكيزان، حين فُتحت البلاد أمام سماسرة الريع، ووسطاء الأرض، وتهريب الموارد، وتصدير البشر باعتبارهم أهم صادرات السودان. خرج السودانيون معلمين وأطباء ومهندسين وصحافيين ورعاة وعمالًا، وخرجت معهم الماشية والسمسم والكركديه والفول السوداني والصمغ العربي، بينما بقي العائد على السودان نفسه محدودًا: لا شراكة عادلة، ولا مشروع وطني لتوطين القيمة المضافة، ولا بناء مؤسسي يرد بعض الفضل إلى البلد الذي قدّم الإنسان والموارد معًا.
أولًا: مصر — من خطاب التبعية إلى الاستحواذ على القيمة المضافة
لن تكتمل صورة الحديقة الخلفية من دون مصر. فالمسألة هنا ليست مجرد خطاب استعلائي قديم يرى في السودان «امتدادًا» أو «تابعًا»، بل أيضًا بنية اقتصادية وتجارية تجعل السودان في موقع المورّد الأضعف، بينما تُنتَج القيمة الأكبر خارج حدوده. وقد أظهر تقرير لوزارة الزراعة الأمريكية أن مصر استوردت في عام ٢٠٢٢ نحو ١١٠ آلاف رأس من الحيوانات الحية ونحو ١٠ آلاف طن من اللحوم البقرية من السودان، كما ظل السودان من المصادر الرئيسية التي تعتمد عليها مصر في توريد الماشية الحية للذبح الفوري.[١]
هذا يعني أن السودان لم يكن فقط مصدرًا للحيوان أو اللحم الخام، بل جزءًا من سلسلة غذائية تُدار خارج سيطرته. وتتجلى هذه الحقيقة بشكل أوضح في توشكى، حيث تُظهر المصادر الرسمية لشركة جنوب الوادي للتنمية أن الشركة تمتلك مجزرًا آليًا ضمن مشروعاتها الزراعية واللوجستية الحديثة.[٢] وجود هذه البنية يعني عمليًا أن الحيوان قد يكون سودانيًا، لكن الذبح، والتجهيز، والتبريد، والتعبئة، والتصدير، والربح النهائي، تتم جميعها في مصر. وبهذا لا يخسر السودان الحيوان فقط، بل يخسر أيضًا حلقة القيمة المضافة التي كان ينبغي أن تُبنى داخل حدوده عبر مسالخ حديثة، وسلاسل تبريد، وشهادات جودة، ونفاذ منظم إلى الأسواق العالمية.
ولا يقف الأمر عند الثروة الحيوانية. فالسودان معروف بأنه من كبار منتجي ومصدري عدد من السلع الزراعية الأعلى قيمة، مثل السمسم والكركديه والفول السوداني والصمغ العربي، فضلًا عن الثروة الحيوانية نفسها، وتدرج وثائق تعريفية عن الاقتصاد السوداني هذه السلع ضمن أبرز صادراته ومقوماته الزراعية.[٣] كما تؤكد تقارير سوقية أن مصر كانت تعتمد بدرجة كبيرة على السمسم السوداني؛ ففي ٢٠٢٢ جاء معظم السمسم المستورد إلى مصر من السودان، وهو ما يعكس عمق اندماج السلعة السودانية في الصناعة الغذائية المصرية.[٤]
ومن ثم فالمشكلة ليست فقط في أن السودان يصدّر السمسم أو الفول السوداني أو الحيوان، بل في أن هذه السلع تدخل سلاسل تعبئة وتصنيع وتسويق خارج السودان، فتُلتهم القيمة المضافة خارج الحدود. وهذا هو المعنى السياسي والاقتصادي الذي ينبغي التشديد عليه: ليست كل هذه السلع تُباع بالضرورة رسميًا كمنتجات مصرية في كل حالة، لكن المؤكد أنها تخرج من السودان خامًا أو شبه خام، ثم تُعاد صياغتها تجاريًا خارج السودان، فيضيع على البلد جزء معتبر من عائدها، ومن اسم منشئها، ومن حقه في بناء سمعة تصديرية مستقلة.
ويبدو هذا أكثر فجاجة في حالة الصمغ العربي. فالسودان ينتج تقليديًا النسبة الأكبر من الصمغ العربي في العالم، وقد وثقت رويترز في مارس ٢٠٢٥ أن الصمغ السوداني أصبح يُهرّب عبر مصر ودول مجاورة من دون شهادات منشأ موثوقة، وهو ما يعني أن سلعة سودانية استراتيجية تغادر سلسلة القيمة السودانية وتدخل أسواقًا جديدة عبر قنوات غير شفافة.[٥] وهنا لا ينهب الخارج السلعة وحدها، بل ينهب أيضًا حق السودان في المنشأ وحقه في الاسم التجاري وحقه في العائد المنظم.
ثانيًا: قطر — استقطاب الكفاءة، والاستثمار في الأرض، والإمساك بالتمثيل الثقافي
في الحالة القطرية، تتخذ الحديقة الخلفية شكلًا مختلفًا: أقل صخبًا من النموذج المصري، لكنه لا يقل دلالة. فهنا تتداخل الكفاءة السودانية مع الأرض السودانية مع التمثيل الرمزي للتراث السوداني.
أول هذه المستويات هو استقطاب الكفاءات السودانية. فالسوداني في قطر لم يكن مجرد عامل بسيط أو موظف ثانوي، بل كان أيضًا صاحب قلم وخبرة ومساهمة تأسيسية في المشهد الثقافي والإعلامي العربي. ويكفي هنا أن نستحضر اسم الدكتور محمد إبراهيم الشوش، الذي تولّى رئاسة تحرير مجلة الدوحة في مرحلتها العربية البارزة، وتذكره مجلة الدوحة نفسها بوصفه صاحب نقلة نوعية في تاريخها.[٦] كما أن الشوش كان حاضرًا في الحياة الثقافية العربية الأوسع وكتب في العربي الكويتية، وإن لم يكن من مؤسسيها الأوائل. وهذه الواقعة تكفي لإثبات أن السودان لم يرسل إلى الخليج عمالة فقط، بل أرسل أيضًا رأس مال ثقافيًا ومعرفيًا ساهم في بناء منابر عربية كبرى.
لكن هذا العطاء السوداني في الثقافة والإعلام لم يتحول إلى شراكة ثقافية متوازنة مع السودان نفسه. لم تُبنَ مؤسسات مماثلة داخل السودان بعائد هذا الجهد، ولم تُستثمر تلك الخبرة السودانية لإحياء الحياة الثقافية في الداخل بقدر ما استُثمرت في بناء الواجهة الثقافية للآخر.
المستوى الثاني هو الأرض السودانية بوصفها امتدادًا للأمن الغذائي القطري. فقد ذكرت رويترز في أكتوبر ٢٠٠٩ أن شركة حصاد الغذائية، التابعة لجهاز قطر للاستثمار، وقعت صفقة قد تصل قيمتها إلى مليار دولار لتطوير أراضٍ في السودان، في إطار بحث قطر عن تأمين غذائها عبر الاستثمار الزراعي الخارجي.[٧] ثم عادت رويترز في يناير ٢٠١٢ لتشير إلى أن الذراع الزراعية لصندوق الثروة السيادي القطري اشترت أراضي في السودان ضمن استراتيجية أوسع لتأمين الإمدادات الغذائية الخارجية.[٨] هنا لا تظهر السودان دولة تحتاج أولًا إلى سيادتها الغذائية، بل أرضًا يمكن أن تُزرع لخدمة حاجات الطرف الأقوى.
أما المستوى الثالث فهو الأكثر حساسية: الآثار النوبية والتمثيل الثقافي للتراث السوداني. فالمتاح رسميًا أن متاحف قطر تدير مشروعًا معروفًا باسم «مشروع قطر–السودان للآثار»، وتقدمه بوصفه جهدًا لتطوير البحث الأثري وحماية التراث في السودان.[٩] من الناحية الرسمية، هذا تعاون ثقافي وأثري معلن. لكن القراءة السياسية السودانية ترى أن المسألة لم تكن مجرد تمويل لبعثات أو صيانة مواقع، بل كانت أيضًا محاولة للإمساك المؤسسي بملف الذاكرة النوبية: من يموّل؟ من يختار؟ من يروي القصة؟ ومن يعرضها في المتحف العالمي؟ ومن هنا جاء الاعتراض السوداني على أي مسار يجعل التراث النوبي يُمثَّل خارج إرادة أهله وبلدهم، أو يُقدَّم كما لو أنه مادة قابلة للاستحواذ الرمزي والمؤسسي. وقد تعثر هذا المسار سياسيًا بعد الثورة السودانية على حكم الكيزان، التي كسرت جانبًا من شبكات التمكين التي كانت تسهّل مثل هذه الترتيبات.
ثالثًا: السعودية — ابتلاع العمل السوداني من غير شراكة تنموية مع السودان
إذا كانت مصر قد استوعبت السلع ومسارات العبور، وقطر قد استوعبت الكفاءة والرمز والأرض، فإن السعودية هي المثال الأوضح على ابتلاع العمل السوداني نفسه على نطاق واسع.
ففي يناير ٢٠٢٦ نقلت عرب نيوز عن وزير سوداني أن عدد السودانيين العاملين في السعودية تجاوز ٥٠٠ ألف عامل، يتركزون خصوصًا في الزراعة وتربية الحيوان وقطاعات أخرى.[١٠] هذا الرقم لا يتحدث عن حضور هامشي، بل عن كتلة بشرية واسعة أصبحت جزءًا من البنية العملية اليومية للاقتصاد السعودي.
وهنا ينبغي التوقف عند نقطة أساسية: السوداني في السعودية لم يكن فقط عاملًا بسيطًا أو راعيًا أو صاحب مهنة دنيا. لقد كان، عبر عقود، معلمًا وطبيبًا ومهندسًا وإداريًا ومحاسبًا وصاحب خبرة مهنية. كما تُظهر بيانات قطاع الرعاية الصحية السعودي استمرار الاعتماد الكبير على غير السعوديين في أجزاء واسعة من القطاع الصحي، حتى مع سياسات السعودة اللاحقة.[١١] وهذا يوضح البيئة الأوسع التي تحركت داخلها الكفاءات السودانية الطبية والمهنية لعقود طويلة.
لكن المسألة السعودية لا تقف عند استيعاب البشر. فالسعودية، مثل غيرها من القوى الخليجية، اتجهت أيضًا إلى الأرض السودانية بوصفها امتدادًا لأمنها الغذائي. وقد أفادت رويترز في فبراير ٢٠٠٩ أن شركة حائل للتنمية الزراعية شرعت في استثمار زراعي خارجي في السودان لزراعة القمح والذرة والصويا وأعلاف الماشية.[١٢] كما أشارت رويترز في مايو ٢٠٠٩ إلى أن الاستثمارات الزراعية العربية في السودان كانت مدفوعة في جزء كبير منها برغبة الدول العربية في ضمان إمداداتها من السلع الأساسية.[١٣] أي أن السعودية أخذت من السودان شيئَين في الوقت نفسه: اليد التي تعمل، والأرض التي يمكن أن تُطعم.
غير أن بيت القصيد هو الآتي: كل هذا لم يعد على السودان بشراكة حقيقية. لم يتحول اعتماد السعودية على العمل السوداني إلى برنامج مؤسسي لتطوير التعليم السوداني أو الطب السوداني أو الهندسة السودانية داخل الوطن. لم يُبنَ مشروع جاد لتوطين المعرفة أو لإنشاء كليات ومستشفيات ومراكز تدريب وشبكات إنتاج مشتركة تعود بالنفع المتوازن على السودان. استفادت المملكة من السودانيين أفرادًا، ومن السودان خزانًا بشريًا، لكن السودان نفسه بقي يصدّر أفضل عناصره بينما يضعف في الداخل.
الكفاءة السودانية لم تكن هامشًا — لكنها لم تتحول إلى عائد وطني
من المهم أن تبقى هذه الفكرة في قلب المقال: السودانيون لم يُستغلوا فقط كأيدٍ عاملة دنيا، بل أيضًا ككفاءات عليا. من السودان خرج المعلم، والطبيب، والمهندس، والمحاسب، والإداري، والصحافي، ورئيس التحرير، والأكاديمي. وفي قطر يكفي اسم الشوش للدلالة على أن السوداني كان من صناع منبر ثقافي عربي بارز. وفي السعودية يكفي رقم نصف مليون عامل سوداني في ٢٠٢٦ للدلالة على عمق الحضور السوداني في الاقتصاد اليومي. وفي مصر تكفي أرقام الماشية واللحوم والصمغ العربي ومسارات العبور لتبيّن حجم الاندماج السوداني القسري في سلاسل قيمة لا يسيطر عليها السودان.
لكن المهم، وهو لبّ الحجة كلها، أن هذا الحضور السوداني الواسع لم يكن عائده شراكةً مع السودان ولا تطويرًا له. لم تتحول الخبرة السودانية المصدَّرة إلى مشروع نهضة سوداني. لم تُحمَ الزراعة السودانية من التآكل. لم تُصنّع السلع السودانية داخل السودان بالقدر الذي يحفظ لها الاسم والقيمة. لم تُصن الذاكرة السودانية من أن تُروى أحيانًا بلسان المموّل الخارجي. بل الذي حدث، في الغالب، هو العكس: استنزاف منظم لإنسان السودان وموارده، مع ترك الداخل في حالة هشاشة واعتماد وتراجع.
الخاتمة: لا تأسيس ولا تنوير من دون كسر هذه المعادلة
الحديث عن سودان جديد سلمي ديمقراطي مدني علماني لا يكتمل من دون فضح منطق الحديقة الخلفية كله. فالدولة السودانية الجديدة لا ينبغي أن تُبنى فقط ضد الاستبداد الداخلي، بل أيضًا ضد كل بنية إقليمية اعتادت أن ترى السودان خزانًا لها: مصر تأخذ موقعه وسلعه ومسارات عبوره، وقطر تستقطب كفاءاته وتمسك بجزء من تمثيله الثقافي وتستثمر أرضه، والسعودية تبتلع عمله وخبراته وأرضه المحتملة للأمن الغذائي، ثم لا يعود شيء من ذلك إلى السودان إلا قليلًا، وعلى هيئة تبعية لا شراكة.
إن معركة السودان القادم ليست ضد الفقر وحده، ولا ضد الكيزان وحدهم، بل ضد هذه المعادلة كلها: أن يعطي السودان أكثر مما يأخذ، وأن يُستخدم أكثر مما يُحترم، وأن تُنتزع من موارده القيمة المضافة، ومن تراثه سلطة التمثيل، ومن إنسانه عائد الكرامة الوطنية.
سودان التأسيس لا بد أن يكسر هذا المنطق: أن يستبقي أفضل كفاءاته، ويصنع القيمة المضافة داخل حدوده، ويحمي منشأ سلعته، ويصون آثاره بقراره الوطني، ويفرض على الإقليم علاقة احترام متبادل، لا علاقة سيد بحديقة خلفية.
المراجع
١. USDA Foreign Agricultural Service, Sudan Crisis Provides Further Blow to Egyptian Food Prices, Cairo, 10 May 2023.
٢. South Valley Development Company, official website, Toshka projects and automated slaughterhouse references.
٣. Republic of the Sudan / economic profile documents listing gum arabic, sesame, peanuts, hibiscus, and livestock among key exports.
٤. Tridge, market note on Egypt’s reliance on Sudanese sesame imports in 2022.
٥. Reuters, How a key ingredient in Coca-Cola and M&M’s is smuggled from war-torn Sudan, 4 March 2025.
٦. Doha Magazine, محمد إبراهيم الشوش.. في ظل الذاكرة، and related Doha Magazine history references.
٧. Reuters, Qatar SWF food unit eyes PAVA stake, seals Sudan deal, 29 October 2009.
٨. Reuters, Qatar’s next big purchase: a farming sector, 4 January 2012.
٩. Qatar Museums, Archaeology and Heritage, including the Qatar–Sudan Archaeology Project.
١٠. Arab News, Saudi Arabia employs more than 500k Sudanese workers, 28 January 2026.
١١. U.S.-Saudi Business Council, Saudi Healthcare Sector 2025.
١٢. Reuters, Saudi Hail starts farm investment abroad in Sudan, 16 February 2009.
١٣. Reuters, Sudan eyes growth in Arab agri investment, 3 May 2009.
د. أحمد التيجاني سيد أحمد
قيادي مؤسس في تحالف دولة التاسيس
١٣ مارس ٢٠٢٦ — روما، إيطاليا
Sent from my iPhone