تفكيك الحركة الإسلامية في السودان: الطريق إلى إنهاء الفوضى
تفكيك الحركة الإسلامية في السودان: الطريق إلى إنهاء الفوضى
د. عبد المنعم همت
محاصرة التنظيم ليست سياسية فقط بل عملية قانونية ومالية معقدة تعتمد على تتبع الأموال وتجميد الأصول وفتح القضايا القضائية ضد المتورطين في الجرائم والانتهاكات
لم تعد قوة الحركة الإسلامية في السودان قائمة على التنظيم السياسي داخل البلاد فقط، فقد بنت خلال عقود طويلة شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والعلاقات المالية خارج السودان. هذه الشبكات تمثل أحد أهم مصادر التمويل التي تسمح للتنظيم بالحفاظ على نشاطه السياسي والتنظيمي حتى بعد فقدان السلطة. لذلك فإن أي استراتيجية جادة لمحاصرة التنظيم تبدأ من تتبع نشاطه الاقتصادي والمالي خارج الحدود.
اعتمدت الحركة لسنوات طويلة على تأسيس شركات واستثمارات في مجالات التجارة والعقارات والخدمات في عدد من الدول. هذه الأنشطة تبدو في ظاهرها أعمالاً اقتصادية طبيعية، غير أنها في كثير من الأحيان تشكل قنوات لتمويل التنظيم وتحويل الأموال إلى الداخل. ولهذا تصبح مراقبة هذه الأنشطة والتحقيق في مصادر تمويلها خطوة أساسية في تفكيك الشبكات المالية المرتبطة بالحركة.
كما يعمل التنظيم في كثير من الدول عبر واجهات اجتماعية ومدنية مثل الجمعيات الخيرية والروابط الثقافية والاتحادات المهنية. هذه المؤسسات تقدم أنشطة اجتماعية أو ثقافية مشروعة في ظاهرها، غير أنها تتحول أحياناً إلى مظلات تنظيمية تسمح ببناء شبكة علاقات واسعة داخل المجتمعات وتسهيل حركة التمويل والتجنيد. لذلك يصبح من الضروري التدقيق في البنية الإدارية والمالية لهذه الكيانات والتأكد من التزامها الكامل بالقوانين المنظمة للعمل الأهلي.
ومن الجوانب المهمة أيضاً تتبع عمليات غسل الأموال المحتملة المرتبطة بهذه الشبكات. التنظيمات العابرة للحدود غالباً ما تعتمد على منظومات مالية معقدة لنقل الأموال عبر شركات وواجهات اقتصادية مختلفة. تطبيق قوانين مكافحة غسل الأموال والتدقيق في التحويلات المالية المشبوهة يمكن أن يكشف جزءاً كبيراً من هذه الشبكات.
في هذا الإطار ظهرت قضايا أثارت اهتمام الجهات الدولية، من بينها الاتهامات التي وجهتها الولايات المتحدة لرجل الأعمال السوداني عبد الباسط حمزة بشأن صلات مالية مرتبطة بحركة حماس. مثل هذه القضايا تعكس طبيعة الشبكات المالية التي يمكن أن تنشأ بين بعض رجال الأعمال المرتبطين بالحركات الأيديولوجية وجماعات مسلحة في مناطق مختلفة.
كما تشير تقارير أمنية إلى تقاطعات في بعض الحالات بين شبكات مالية مرتبطة بالإسلاميين وجماعات مسلحة في مناطق مختلفة مثل الحوثيين في اليمن أو جماعات متشددة مثل داعش وبوكو حرام. مثل هذه العلاقات، سواء كانت مباشرة أو عبر وسطاء، تزيد من أهمية مراقبة حركة الأموال والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بهذه الشبكات.
ولهذا فإن فتح بلاغات قانونية ضد الأشخاص المتورطين في هذه الأنشطة يمثل خطوة مهمة. القوانين المتعلقة بتمويل الإرهاب وغسل الأموال تمنح السلطات القضائية أدوات قوية للتحقيق في الأنشطة المالية المشبوهة وتجميد الأصول المرتبطة بها.
كما ينبغي أن تمتد هذه الإجراءات إلى ملاحقة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت خلال فترة حكم النظام السابق في السودان. فقد شهدت البلاد خلال حكم عمر البشير اتهامات واسعة بانتهاكات سياسية وأمنية. فتح بلاغات قانونية ضد المتورطين في تلك الجرائم، سواء داخل السودان أو خارجه، يمثل جزءاً مهماً من مسار العدالة والمساءلة.
هذه البلاغات لا تقتصر على الجرائم التي ارتكبت خلال فترة الحكم، فهي تشمل أيضاً أي نشاط مالي أو تنظيمي يسهم في تأجيج الصراع بعد الثورة السودانية عام 2019. فإذا ثبت أن شبكات مالية مرتبطة بالحركة الإسلامية تسهم في تمويل الصراع الدائر في البلاد، فإن ذلك يفتح الباب أمام إجراءات قانونية قد تشمل تجميد الأصول وفرض عقوبات على الأفراد والكيانات المرتبطة بهذه الأنشطة.
إن محاصرة التنظيم خارجياً ليست مسألة سياسية فقط، فهي عملية قانونية ومالية معقدة تعتمد على تتبع الأموال ومراقبة الاستثمارات والتدقيق في عمل الجمعيات والروابط التي تعمل كواجهات، وفتح القضايا القضائية ضد المتورطين في الجرائم والانتهاكات. وعندما تضيق المساحات المالية والقانونية أمام التنظيمات المغلقة، تتراجع قدرتها على التأثير في الداخل، لأن المال يظل أحد أهم أدوات استمرار أي تنظيم سياسي عابر للحدود.