تصنيف أميركا للحركة الإسلامية في السودان: بين الرمزية السياسية وضرورة الفعل الشعبي
تصنيف الحركة الإسلامية تنظيماً إرهابياً خطوة رمزية متأخرة فالشعب السوداني خبر طبيعتها منذ عقود والمعركة الحقيقية ضدها تبدأ من داخل المجتمع السوداني نفسه.
د. عبد المنعم همت
إعلان الولايات المتحدة تصنيف الحركة الإسلامية في السودان تنظيماً إرهابياً قد يبدو في ظاهره خطوة كبيرة، لكنه في الحقيقة ليس حدثاً جديداً في جوهره، كما أنه لا يشكل تحولاً حاسماً في طبيعة التعامل مع هذا التنظيم. فالحركة الإسلامية في السودان لم تتحول فجأة إلى تنظيم إرهابي حتى يُكتشف أمرها اليوم، لأن تاريخها السياسي والأمني مليء بالممارسات التي جعلت هذا الوصف ملازماً لها منذ عقود. لذلك فإن السؤال الأهم هو لماذا تأخر الاعتراف الدولي بطبيعة هذا التنظيم إلى هذا الحد.
لقد عرف العالم منذ سنوات طويلة أن الحركة الإسلامية في السودان لم تكن مجرد تيار سياسي تقليدي. فقد تشكلت كتنظيم عقائدي مغلق يسعى إلى السيطرة على الدولة والمجتمع عبر أدوات متعددة تبدأ بالتمكين السياسي وتنتهي باستخدام العنف المباشر وغير المباشر. ومنذ انقلاب عام 1989 تحولت الدولة السودانية إلى منصة تنظيمية للحركة الإسلامية، حيث أعيد تشكيل مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والاقتصادية لخدمة مشروع التنظيم أكثر من خدمة المجتمع السوداني.
شبكات الحركة الإسلامية الاقتصادية والتنظيمية في الخارج تمثل مصدر قوتها واستمرارها وكشف هذه الشبكات مع بناء جبهة داخلية موحدة هو السبيل لإنهاء نفوذها
كثير من التصنيفات الدولية تأتي متأخرة وتبقى مرتبطة بحسابات السياسة الدولية أكثر من ارتباطها بحقائق الواقع. لهذا السبب فإن تصنيف الحركة الإسلامية اليوم، رغم أهميته في الخطاب السياسي، لا يمثل تحولاً حقيقياً في موازين الصراع داخل السودان. وتجربة السنوات الماضية تشير إلى أن مثل هذه القرارات قد تتحول أحياناً إلى أدوات دعائية يستخدمها التنظيم لتعزيز خطاب المظلومية واستقطاب الأنصار.
لقد عاشت الحركة الإسلامية السودانية سنوات طويلة تحت أشكال مختلفة من العزلة أو العقوبات الدولية، ومع ذلك لم يؤد ذلك إلى إضعافها جذرياً. فقد استطاع التنظيم في كثير من الأحيان إعادة ترتيب نفسه وتمديد عمره السياسي عبر شبكات اقتصادية وتنظيمية معقدة داخل السودان وخارجه. وهذا ما يفسر لماذا لم تكن الضغوط الخارجية وحدها كافية لإسقاط نفوذ الحركة أو تفكيك بنيتها التنظيمية.
اقتلاع الأنظمة الأيديولوجية المغلقة لا يتم عبر القرارات الدولية وحدها، لأن التحولات الحقيقية تبدأ من داخل المجتمعات. والتجربة التاريخية في العديد من البلدان تؤكد أن المواجهة الفعلية مع التنظيمات المؤدلجة تبدأ من داخل المجتمع الذي نشأت فيه. لذلك فإن المعركة الأساسية مع الحركة الإسلامية في السودان هي معركة وعي وتنظيم داخل المجتمع السوداني نفسه.
الشعب السوداني لا يحتاج إلى شهادة خارجية تثبت طبيعة الحركة الإسلامية، لأن تجربة العقود الماضية كانت كافية لكشف طبيعة هذا المشروع. ما يحتاجه السودان اليوم هو بناء وحدة جماهيرية حقيقية قادرة على إنهاء نفوذ هذا التنظيم سياسياً واجتماعياً. فالتنظيمات الأيديولوجية تفقد قدرتها على الاستمرار عندما تفقد قدرتها على التغلغل داخل المجتمع.
من أخطر ما يجب الانتباه إليه أن الحركة الإسلامية لم تعد تعتمد على حضورها داخل السودان فقط. فقد طورت خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من الأنشطة الاقتصادية والتنظيمية في الخارج. هذه الشبكات تعمل غالباً تحت غطاء الشركات والمؤسسات التجارية أو الخيرية وتوفر للتنظيم موارد مالية كبيرة تسمح له بالاستمرار في العمل السياسي والتنظيمي رغم الضغوط.
التاريخ يوضح أن التنظيمات الأيديولوجية قد تطول حياتها عندما تواجه خصوماً متفرقين. غير أن هذه التنظيمات تفقد قدرتها على البقاء عندما تواجه مجتمعاً موحداً يمتلك رؤية واضحة لمستقبله
الذراع الاقتصادي للحركة الإسلامية السودانية أصبح اليوم نشطاً في الخارج بدرجة كبيرة. الأموال تتحرك عبر شركات واستثمارات وعلاقات تجارية في عدد من الدول، بينما تبقى هذه الشبكات بعيدة عن الضوء. كما تتحرك الأرصدة في النظام المالي العالمي بطريقة تسمح للتنظيم بتمويل أنشطته السياسية والتنظيمية، إضافة إلى تمويل أنشطة أخرى ترتبط بالاختراق الأمني والعمل الاستخباراتي غير الرسمي.
تشير معطيات عديدة إلى أن الحركة الإسلامية السودانية تدير أنشطة مختلفة في عدد من الدول، حيث تعمل على استقطاب أفراد وجماعات من السودانيين وغير السودانيين مستفيدة من شبكاتها القديمة التي تشكلت خلال سنوات حكمها الطويلة. هذه الشبكات لا تقتصر على النشاط السياسي، فقد تمتد إلى مجالات التأثير الإعلامي والاقتصادي وأحياناً إلى أنشطة تتعلق بالتجسس أو التخريب السياسي.
لهذا السبب فإن المواجهة مع الحركة الإسلامية تتطلب كشف البنية الكاملة لهذا التنظيم. المطلوب هو فضح ممارسات الحركة داخل السودان وكشف شبكاتها الاقتصادية والتنظيمية في الخارج أيضاً، لأن هذه الشبكات تمثل أحد أهم مصادر قوتها واستمرارها.
محاصرة الحركة الإسلامية تحتاج إلى عمل متكامل على مستويين متلازمين. المستوى الأول يتمثل في بناء جبهة اجتماعية وسياسية واسعة داخل السودان ترفض عودة التنظيم إلى السلطة بأي صيغة. المستوى الثاني يتمثل في كشف شبكاته الاقتصادية والتنظيمية في الخارج، لأن هذه الشبكات توفر له القدرة على الاستمرار والتأثير.
مستقبل السودان لن يتحدد بقرار يصدر في واشنطن أو في أي عاصمة أخرى. المستقبل سيتحدد بقدرة السودانيين أنفسهم على بناء مشروع وطني جديد يتجاوز إرث الحركة الإسلامية وكل الأيديولوجيات التي حولت الدولة إلى أداة للهيمنة السياسية.
التاريخ يوضح أن التنظيمات الأيديولوجية قد تطول حياتها عندما تواجه خصوماً متفرقين. غير أن هذه التنظيمات تفقد قدرتها على البقاء عندما تواجه مجتمعاً موحداً يمتلك رؤية واضحة لمستقبله. والسؤال الذي يواجه السودان اليوم لا يتعلق فقط بتصنيف الحركة الإسلامية، بل يتعلق بكيفية إنهاء دورها في الحياة السياسية السودانية بصورة نهائية.