القاهرة في دائرة الاتهام

القاهرة في دائرة الاتهام

بين دعمها الجيش واتهامات بتدمير المنشآت السودانية.. هل تستعد القاهرة لحصد مليارات إعادة الإعمار؟

✍️ بقلم – محمد الهادي

أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب حوّلت السودان إلى بلد مثقل بالدمار. جسور مدمرة، مصانع متوقفة، ومحطات كهرباء ومياه وطرق ومطارات خرجت من الخدمة. ومع كل يوم تستمر فيه الحرب، تكبر فاتورة إعادة الإعمار.

لكن وسط هذا الخراب، تحركت مصر مبكراً.

القاهرة دعمت الجيش السوداني، وحافظت على علاقة وثيقة بقيادته، وفي الوقت نفسه بدأت في تأمين موقع لشركاتها في سودان ما بعد الحرب.

وفي ديسمبر 2025، اتفقت مصر والسودان على منح الشركات المصرية أولوية في مشروعات إعادة الإعمار، بينما كانت الحرب لا تزال مشتعلة.

هل كانت القاهرة تحمي مصالحها الأمنية والإقليمية فقط، أم أن الحرب فتحت أمامها فرصة لإعادة بسط نفوذها الاقتصادي في السودان؟

من الدعم أثناء الحرب إلى عقود الإعمار بعدها، تتتبع هذه القصة الخيط الذي يربط بينهما.

الطيران المصري في دائرة الاتهام

منذ الأشهر الأولى للحرب، ظهرت اتهامات متكررة للدور المصري في دعم القوات المسلحة السودانية. والقاهرة نفت مشاركتها المباشرة في العمليات القتالية، لكن الأدلة التي ظهرت خلال السنوات التالية كشفت عن مستوى متزايد من التعاون العسكري والأمني بين مصر والجيش السوداني.

وفي فبراير 2026، كشفت صور أقمار صناعية عن وجود طائرات مسيّرة تركية من طراز Bayraktar Akinci في قاعدة شرق العوينات المصرية، على مسافة قريبة من الحدود السودانية. واعتبر خبراء أن هذه الطائرات يمكن أن تمنح مصر قدرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى داخل العمق السوداني، خصوصاً مع اتساع الحرب ودخول الطائرات المسيّرة إلى قلب العمليات العسكرية.

ومع تطور الحرب، ظهرت اتهامات أكثر خطورة تتحدث عن مشاركة الطيران المصري في تنفيذ ضربات داخل السودان استهدفت منشآت حيوية، بينها جسور ومصانع ومرافق صحية ومحطات للمياه. وتذهب هذه الاتهامات إلى أن بعض الضربات طالت بنية تحتية يعتمد عليها المدنيون والاقتصاد السوداني، وليس فقط مواقع المواجهات العسكرية.

القاهرة نفت مشاركتها المباشرة في القتال، لكن وجود هذه الاتهامات، إلى جانب القدرات الجوية والمسيّرة المصرية القريبة من الحدود، يطرح سؤالاً آخر: هل اقتصر الدعم المصري للجيش السوداني على السلاح والمعلومات والغطاء السياسي، أم امتد إلى قدرة عملياتية استخدمت داخل السودان؟

ثم جاء تقرير بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026 ليكشف مدى اعتماد طرفي الحرب على الدعم الخارجي، ودور الأسلحة والطائرات المسيّرة المتطورة في توسيع قدرتهما على ضرب أهداف بعيدة عن خطوط المواجهة. وقال التقرير إن هجمات الطائرات المسيّرة أصابت مستشفيات ومدارس وأسواقاً ومواقع للنازحين ومنشآت مدنية.

هذه المعطيات لا تثبت وحدها أن الطيران المصري نفذ الضربات التي دمرت تلك المنشآت، لكنها تجعل السؤال أكثر إلحاحاً: إلى أي مدى تحولت المساعدة المصرية للجيش إلى قدرة عسكرية استخدمت داخل السودان، ومن يتحمل مسؤولية الضربات التي أصابت البنية التحتية التي سيحتاج السودان لاحقاً إلى مليارات الدولارات لإعادة بنائها؟

خريطة الدمار

الإجابة تبدأ من الأرض.

في أغسطس 2023، تعرض جسر شمبات، أحد أهم الروابط بين الخرطوم بحري وأم درمان، للقصف خلال المعارك. ومع اتساع القتال، تحولت الخرطوم الكبرى إلى ساحة واسعة لتدمير البنية التحتية والمنشآت الاقتصادية.

وفي الخرطوم بحري تحديداً، كانت المنطقة الصناعية واحدة من أكثر المناطق تضرراً. دراسة ميدانية رصدت 401 حادثة في المناطق الصناعية الرئيسية بالخرطوم بين أبريل 2023 ويناير 2024، ووصفت المنطقة الصناعية في بحري، التي تضم مصانع ومخازن ومنشآت للطاقة، بأنها من أكثر المناطق التي تعرضت للضرر.

وطالت الحرب المصانع والمنشآت التي كانت تشكل عصب الاقتصاد السوداني. مصنع كوكاكولا في بحري، ومصانع ومخازن أخرى في المنطقة الصناعية، تعرضت لأضرار واسعة نتيجة القصف المدفعي والغارات الجوية، فيما تعرضت منشآت أخرى للحريق والنهب.

وفي أكتوبر 2025، وثقت رويترز مصانع في بحري وهي تحاول إعادة تشغيل خطوط إنتاجها بعد تدمير أو نهب المباني والأنظمة الكهربائية والمعدات الحيوية.

ولم يقتصر الدمار على الصناعة. محطة مياه بحري تعرضت لأضرار منذ اليوم الأول للحرب، ما أدى إلى انقطاع المياه عن مناطق واسعة. وأظهرت صور الأقمار الصناعية أضراراً في مبنى المحطة وآثار حريق داخل المنشأة.

وفي الخرطوم وأم درمان وبحري، تضررت محطات الكهرباء والمياه والمستشفيات والطرق والجسور ومخازن الوقود. ووثقت منظمات حقوقية استخدام القوات المسلحة السودانية والدعم السريع للأسلحة الثقيلة والغارات الجوية في مناطق مكتظة بالسكان، ما ألحق أضراراً واسعة بالبنية التحتية والمنشآت المدنية.

ومع امتداد الحرب إلى مناطق أخرى، اتسعت خريطة الدمار لتشمل منشآت الطاقة والنقل والمياه والصحة. وبحلول 2025، كانت السلطات السودانية تقدر تكلفة إعادة إعمار البلاد بنحو تريليون دولار، منها نحو 300 مليار دولار للخرطوم وحدها.

أما القطاع الصناعي وحده، فقدرت خسائره بنحو 50 مليار دولار، وفق اتحاد رجال الأعمال السودانيين. مصانع أغلقت، خطوط إنتاج توقفت، معدات نهبت أو دمرت، وشبكات الكهرباء والمياه التي تحتاجها الصناعة خرجت من الخدمة.

هذه الأرقام تكشف أن الحديث عن “إعادة الإعمار” لا يتعلق بإصلاح جسر أو إعادة تشغيل مصنع واحد. نحن أمام اقتصاد وبنية تحتية يحتاجان إلى إعادة بناء واسعة، ما يعني سوقاً ضخمة للشركات التي ستتولى إعادة تشغيل المصانع، وبناء محطات الكهرباء والمياه، وإصلاح الطرق والجسور والمطارات والمرافق الصحية.

وهكذا أصبحت مسألة إعادة الإعمار حاجة مستقبلية، وواحدة من أكبر الفواتير الاقتصادية التي ستخلفها الحرب.

فاتورة إعادة الإعمار

كلما طال أمد الحرب، ارتفعت تكلفة إعادة إعمار السودان.

تقديرات نقلتها رويترز في 2025 تحدثت عن أن تكلفة إعادة إعمار السودان قد تصل إلى نحو تريليون دولار، مع تقديرات تقارب 300 مليار دولار لإعادة إعمار الخرطوم وحدها.

رقم بهذا الحجم يعني أن الحرب لم تنتج كارثة إنسانية وسياسية فقط، وإنما خلقت أيضاً أكبر سوق محتملة لإعادة الإعمار في تاريخ السودان.

الجسور تحتاج إلى شركات مقاولات، ومحطات الكهرباء إلى شركات طاقة، وشبكات المياه إلى شركات هندسية، بينما تتطلب المطارات والطرق والموانئ مليارات الدولارات لإعادة بنائها، وتحتاج المصانع إلى إعادة تأهيل، والمدن إلى شبكات جديدة للنقل والاتصالات والخدمات.

ولكن من سيدفع فاتورة إعادة الإعمار. والأهم من ذلك من سيحصل على هذه الأموال؟

القاهرة تتحرك قبل انتهاء الحرب

في 29 ديسمبر 2025، اتخذت مصر والسودان خطوة شديدة الأهمية.

اللجنة التجارية والصناعية المصرية السودانية المشتركة اتفقت على إعطاء الشركات المصرية أولوية في مشروعات إعادة إعمار السودان، مع تعهد مصر بتقديم دعم فني لإعادة تشغيل المصانع السودانية التي تضررت خلال الحرب.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الاتفاق، ففي يناير 2026، زار وزراء سودانيون “هيئة مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، وقال رئيس الهيئة إن المؤسسة تدرس تنفيذ مشروعات في السودان، وتعد خطة شاملة للمشروعات المقترحة وتجري دراسات للسوق وورش عمل مشتركة.

بمعنى آخر، بينما الحرب لا تزال متقدة، كانت القاهرة قد بدأت عملياً في إعداد نفسها لسودان ما بعد الحرب.

الاتفاق لا ينص على إن الشركات المصرية ستحصل على كل العقود. لكنه يمنحها أفضلية رسمية في عملية إعادة إعمار قد تصل تكلفتها إلى نحو تريليون دولار.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن الوصول المبكر إلى هذا السوق يمكن أن يكون أكثر أهمية من قيمة أي عقد منفرد.

اقتصاد الحرب… بوابة اقتصاد الإعمار

لكن الصورة تصبح معقدة أكثر عند النظر إلى ما كشفه تحقيق “العربي الجديد” في أغسطس 2026.

التحقيق، الذي استند إلى وثائق مسربة، تناول دور “الشركة المصرية السودانية” في تجارة الحرب، وكشف عن ارتباطات الشركة بمؤسسات مصرية حكومية وعسكرية وبمنظومة الصناعات الدفاعية السودانية، وعن نشاطها في تجارة السلع والذهب والتعامل مع مؤسسات مرتبطة بالقوات المسلحة السودانية.

هذه المعطيات تفتح باباً مهماً للتحقيق، فإذا كانت شركات مرتبطة بالدولة المصرية قد أصبحت لاعباً في التجارة بين مصر والسودان خلال الحرب، وإذا كانت القاهرة في الوقت نفسه تمنح شركاتها أولوية في إعادة إعمار السودان، فإننا أمام امتداد اقتصادي يبدأ من الحرب ولا ينتهي بانتهائها.

فالحرب تخلق احتياجات، والاحتياجات تفتح أبواب التجارة، والتجارة تبني شبكات ومصالح، ثم يأتي الإعمار ليحوّل كل ذلك إلى سوق كبير بمليارات الدولارات.

هل هذه مصادفة جيوسياسية واقتصادية، أم أن هناك استراتيجية متكاملة لإعادة ترتيب موقع مصر داخل الاقتصاد السوداني؟

البرهان.. مدخل القاهرة إلى سودان ما بعد الحرب

بينما يقترب السودان من نهاية الحرب، تخوض القاهرة معركة من نوع آخر: من سيحكم السودان عندما تتوقف البنادق؟

الإجابة المصرية تبدو واضحة في موقفها من البرهان. فالقاهرة تتمسك ببقائه لاعباً رئيسياً، وتضغط باتجاه عدم استبعاده من أي ترتيبات سياسية تحدد شكل السلطة بعد الحرب.

وهذا الموقف يكتسب أهمية أكبر عندما نضعه إلى جانب ما تريده مصر اقتصادياً.

فالسودان الخارج من الحرب سيكون بحاجة إلى مليارات الدولارات لإعادة بناء ما دمرته المعارك. والجهة التي ستكون في السلطة ستملك القرار على الاستثمارات والعقود والشركات التي ستدخل هذا السوق.

لذلك، فإن معركة القاهرة على موقع البرهان قد تكون أيضاً معركة على من يملك مفاتيح اقتصاد السودان بعد الحرب.

في نهاية المطاف، يخرج السودان من الحرب مثقلاً بالخراب، بينما تدخل مصر مرحلة ما بعد الحرب وهي في موقع متقدم: حليف للجيش، وعلاقة وثيقة بالبرهان، وأولوية لشركاتها في إعادة الإعمار. لكن قبل أن تفتح القاهرة دفاتر العقود، عليها أن تجيب عن السؤال الأثقل: ماذا كان دورها في الحرب التي دمرت السودان، وماذا عن الاتهامات بمشاركة طيرانها في ضرب الجسور والمصانع ومحطات المياه والمرافق الصحية؟

فبين القنابل التي هدمت البنية التحتية والعقود التي تستعد شركات مصرية للحصول عليها لإعادة بنائها، يبرز السؤال الأكثر قسوة: هل ساهمت القاهرة في صناعة الخراب، ثم تستعد اليوم لجني ثماره من مليارات إعادة الإعمار؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.