بدون زعل
عبد الحفيظ مريود
جيشٌ واحد..صنفٌ واحد:
الفريق هاشم عبد المطّلب والخيانةُ والوطنيّة
كان مدثّر القصير – وهذا لقبُه المعروف – ينشطُ ليخرجَ الضبّاط المعتقلين، بعد ذهابِ الفريق أوّل إبنعوف، وجلوس الفريق أوّل عبد الفتّاح البرهان على رئاسة المجلس العسكريّ الإنتقاليّ، وميدانُ الاعتصام يتأجّجُ قمحاً ووعداً وتمنيً، كما يقول محمّد المكيّ إبراهيم. نجحَ مدثّرُ القصير فى ذلك. كان يرتّبُ لهم لقاءاتٍ نوعيّة مع قيادات الجيش، فالضبّاط المعنيين تمَّ اعتقالُهم لمناصرتهم للثورة، ثورة ديسمبر، بطرقٍ مختلفة. بل أكثر من ذلك، بعضهم خرجَ فى أغلب المواكب، شارك فى اجتماعات “أونلاين” مع تجمّع المهنيين، خطّط، فتحَ ممرّاتٍ للوصول إلى القيادة. كانَ ترتيبُ اللقاءات: لواءً فى الاستخبارات العسكريّة، الفريق منوّر، الفريق هاشم عبد المطّلب – رئيس هيئة الأركان، حينها – ثمَّ ختاماً، الفريق أوّل البُرهان.
كانوا رُتَباً مختلفة..انتماءاتٍ مختلفة..بعضُهم إسلاميّون.
كانَ لواء الاستخبارات مهذّباً. ودوداً، وقليلَ الكلام. الفريق منوّر كان واضحاً فى دعمه للتحوّل، ورجوع الجيش إلى ممارسة مهامه، وترك السياسة للسياسيين. أمّا هاشم عبد المطّلب، رئيس هيئة الأركان فقد كان حادّاً، متغطرساً، وضائقاً صدرُه بما فعلوه. لم يصافح أيّاً منهم، لم يسمحْ يأمرهم بالخروج من “حالة الإنتباه”، وبالتّالي لم يدعُهم إلى الجلوس. وهم فى “حالة الإنتاه” تلك، “صرف فارغة كتيرة حقة جيش”. ثمَّ لمّا أراد أنْ يختم حديثه ويصرفهم، قال جملته التى كان يمكنُ أنْ تقدّمه للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمى، لو أنَّ البلاد كانت غير البلاد، والأوضاع غير الأوضاع.
شايف كيف؟
ثمّة دائماً “فلّاتيٌّ خادعٌ للجميع”.
شايف كيف؟
يمكنُ للفلّاتيّ المتمدّن، المتعلّم، الملامس للدعة والتّرَف، أنْ يخدعَكّ. يمكنكَ أنْ تنسّبه إلى أيّ قبيلةٍ أو جهة، وأنتَ مطمئن. فالفلّاتة قومٌ وسيمون، يندرُ أنْ تبرز فيهم الزّنوجة القحّة. ألوانُهم فاتحة وتقاطيعهم دقيقة. ولأنَّ غالبية أهل الوسط والشمال يخلطون بينهم وبين الهوسا، فإنَّ الصّورة الذّهنيّة للفلّاتيّ عندهم، هى صورة طبق الأصل من الهوساويّ، ذى الملامح الإفريقيّة الواضحة، الخشن، الغليظ الصّوت.
كان بين الضبّاط الواقفين فى حالة الإنتباه تلك، أمام الفريق هاشم عبد المطّلب، فلّاتيٌّ “مندس”، أمردَ. سألنى د. حسن التُّرابيّ ذات ليلةٍ فى صالونه، وهو يحكي، سؤالاً مباغتاً ليشرحَ مسألةً كان يخوضُ فيها: (بتعرف يعني شنو مَرَدوا على النّفاق، الواردة فى الآية؟). قلتُ لا. أجاب :(الغلامُ الأمرد هو الذى لم يبلغ الحلم. لا تستطيع أنْ تميّزه. إذا ألبسته ثياب بنت صار بنتاً، وإذا ألبسته ثياب ولد صار ولداً..الآيةُ تعنى أنَّ نفاقهم مثل الغلام الأمر..لا تستطيع أنْ تتبيّنه). والفلّاتيُّ الأمرَد يمكنُه أنْ ينتمي إلى أيّ قبيلةٍ شاء.
شايف كيف؟
غاضباً بدأ حديثه “شنو يعنى ضبّاط أحرار؟ يعنى نحنا ما أحرار؟ دا مش كلام فارغ منكم؟ مفروض ما نعمل قسم ولاء جديد ولا أيّ حاجة..لكن حظّكم، غايتو”.
والواقع أنَّ نقطة انطلاق هؤلاء الضبّاط كانت تنظيم الضبّاط الأحرار. برتبٍ مختلفة. كانوا يعتقدون أنَّ أوان التغيير قد آن، ولا مفرَّ من ذلك. إنْ لم تستطع بقيّة المؤسّسات أنْ تستجيب له، وتعارض ترشيح البشير نفسه فى انتخابات 2020م، فإنَّ عليهم – كضبّاط أحرار – أنْ يتصرّفوا. وحين بدأ حراكُ ديسمبر، كانوا جزءً منه. بعضهم لحق به بعد وصول المتظاهرين إلى ساحة الإعتصام أمام القيادة.
انتبهت قيادةُ الجيش إلى أنَّ بعضاً من منسوبيها كان – ولا يزال – يعملُ فى صفّ العدوّ. وأيُّ شخص، شيئ، يعارضُ الجيش فهو عدوٌّ، من وجهة نظر الموسّسة النّازلة إلينا من السماء، المبرّأة من كلّ عيب. حينئذٍ قامتْ باعتقال الضبّاط الأحرار.
وهو فى موجات غضبه المتتالية، قال جملته العجيبة. نظر إليهم، تفرّسهم..”كلكم شماليين، أولاد عرب. دا شنو البتعملوا فيهو دا؟ دايرين تخلوا “الغرّابة” يحكموا؟ والله تدوهم فرصة تانىتاني ما تشوفوا حكم بعينكم”.
شايف كيف؟
هل ينبغي أنْ تجرجر جملة الفريق هاشم عبد المطلب إلى المحاكم بتهمة الخيانة العظمى؟
الفريق هاشم ليس بدعةً وسط القادة العسكريين وقادة المؤتمر الوطني، وربّما أغلبية الأحزاب. بعضُ المتظاهرين فى الأسابيع الأولى، حين يتمُّ القبض على بعضهم بواسطة جهاز الأمن والمخابرات، كانوا يسمعون الجملة هذه، من الضبّاط، بصيغٍ مختلفة (إنتو أولاد بلد..بتتظاهروا لشنو؟).
فى واحدةٍ من أشهر لقاءات البرهان مع فعاليات مجتمعيّة فى نهر النّيل، قبل إنقلاب أكتوبر، قالها بوضوح (إنتو أصحاب الحضارة والحكم). محامي عبد الرّحيم محمّد حسين قالها وسمعها الجميع على الهواء، فيما يخصُّ لقمان أحمد، مدير الهئية القوميّة للإذاعة والتلفزيون، حينما خُيّل للقمان قدرته على التصرّف كمسؤول أوّل وصاحب قرار.
شايف؟
لا ينبغي للنّشوة أنْ تسكرَكَ فتظنّ نفسك حاكما..مهما كانت آليات انتخابك، كفاءتك، قدراتك. يجب عليك أنْ تعيَ دورك، ككمبارس فى المشهد الدّقيق هذا. فإنَّ لكَ فى جورج كنقور أرو – نائب الرئيس – فى موسيس مشار، في الحاج آدم يوسف، محمد عثمان كِبِرْ، موسى محمّد أحمد، أسوةٌ حسنة، لمن أراد أنْ يعيش في السّودان، مواطناً صالحاً، يتلمّظُ، كونه مواطناً من الدّرجة الثانية، الثالثة، الرّابعة.
أمّا أنْ تفهم أنّك يجبُ أنْ تملأ المقعد الذى جلست عليه..فأنتَ العدوّ.