حواراتُ العتْمةِ المريبة: كيف تصبحُ رئيساً للسُّودان؟
بدون زعل
عبد الحفيظ مريود
حواراتُ العتْمةِ المريبة:
كيف تصبحُ رئيساً للسُّودان؟
كان البروفسيور زكريّا بشير إمام أستاذاً للفلسفة فى جامعة الخرطوم، وجامعة الكويت. ومع ذلك كان محدوداً غشيماً. فالرّجلُ إسلاميٌّ قديم. فى تسعينات القرن الماضي، أسّسَ حزباً سياسيّاً وترأسه. ربّما فى إطار خلق حالةٍ من “التوالي السياسيّ” الذى نظّرَ له التُّرابيّ، وعزفتِ الأحزابُ الكبيرة المعارضة عن قبوله، بعد أنْ تمَّ حلُّها ضمن تضييقات مجلس قيادة الإنقاذ. قامتْ صحيفة بإجراء حوار طويلٍ نُشرَ فى صفحة كاملة مع البروفسيور، رئيس الحزب الجديد. اختارت الصحيفةُ عنواناً بارزاً للحوار، فقالت :(زكريا بشير إمام: لا تناقض بيننا وبين المؤتمر الوطنيّ). علّق د. أمين حسن عمر، متهكّماً ” طيب عامل ليك حزب لشنو؟”. ذلك أنَّ الرّجل كُلّفَ بمهمةٍ لم يستوعبها جيّداً.
شايف كيف؟
علّقتْ الصّحفيّة الشّمطاء، المناصرةُ للجيش، والتى وصفها وزير إعلام البُرهان، خالد الإعيسر، بأقذع من هجاء جريرٍ للفرزدق، بأنَّ “الحوار سيقومُ بمن حضر”، تقصدُ الحوار الذى يقودُه العاهاتُ مع قوى سياسيّة، هذه الأيّام، لا تجدُ “تناقضاً بينها وبين المؤتمر الوطنيّ”، على غرار حزب زكريّا بشير إمام. تُريدُ الصحفيّة الكاتبة أنْ تقول إنَّ العازفين عن الحوار ليسوا مهمّين، ولن يتأثّر بغيابهم. وهو مكمنُ الوجع لدى مناصري حوار البرهان والإسلاميين. ذلك أنَّ العبارة تقولُ كما قالتْ المرأةُ التى قِيلَ لها إنَّ زوجها ذهبَ ليعرّس امرأةً أخرى “خلّيهو يعرّس..عيالي فى الزريبة، وغنمي فى المدرسة”، دلالةً على أنَّ الأمر لا يعنيها فى شيئ. ولو كان عزوف القوى السياسيّة الحقيقيّة وغيابها لا يؤثّر، لما اكترث البلابسة به. لما تذكروه من الأساس.
شايف كيف؟
كيف تقيمُ حواراً مع نفسكَ، وتتوقّعُ أنْ تحلَّ مسائل جوهريّة يخالفكَ فيها النّاس؟
الحوار شرطُه الأوّل أنْ يكون هناك آخر. مثله مثل الحرب. لا يمكنَ خوضها ضدَّ لا أحد. تنعقدُ جدوى الحوار وفاعليّته فى الإختلاف. فى التباعد الناهدِ عائقاً عن أنْ نكون واحداً. فكيف يكونُ غيابُ المختلف عنك، غير ضروريّ؟
لكنْ هل يتحدّثُ عرّبو الإنقاذ الجديدة – إنقاذ البُرهان – عن “حوار” حقيقيّ؟
قطعاً لا.
فالحوارُ المنعقد هذه الأيّام مثله مثل حزب زكريّا بشير إمام ذاك. ينبغي أنْ يشكّل إلهاءً مسرحيّاً لشيئٍ قد أُعدَّ سلفاً وانتهى. فالإنقاذُ البرهانيّة تقرأُ من ذات كتابها القديم. وتسيرُ ذات طريقها الأوّل، ولن تعدمَ ممثّلين فاشلين على الخشبة، يؤدّون أدواراً لم يعايشوها جيّداً، نصّاً غير محكم، فقط ليحصلوا على أجورهم، التى عبّر عنها البروفسيور قاسم بدري – عضو لجنة الحوار – بفصاحةٍ منقطعة النّظير بأنَّ (لجنة الحوار هى لجنةٌ مستقلّة، ولم تتلقَ أموالاً من الحكومة).
حسناً..
هى لجنةٌ مستقلّة، لا يتحكّمُ بها أحد، ولا تتلقّى أموالاً برهانيّة..ففيمَ العجلةُ، إذن؟
أليسَ من الحكمة أنْ تصبرَ وتُراجعَ شروط “الآخرين”، صمود مثلاً، ليتحقّق حوارٌ حقيقيّ غايتُه الوصول إلى أرضيّةٍ مشتركة؟
شايف كيف؟
لكنْ ليس غريباً أنْ تجذبَ الإنقاذُ فى نسختها البرهانيّة العاهات. فقد اتسعَ خرقها، فأعجزَ الرّاتقون. فى الوقت الرّاهن : هل تمسحَ أثار انقلاب 25 أكتوبر على الحكومة المدنيّة؟ هل توقف الحرب أمْ تحسمها عسكريّاً؟ هل تصارعُ حبال المشانق الدّوليّة التى تُراكمُ الاتّهامات لها؟ هل تُعيدُ اللاجئين فى دول الجوار قسراً كما فعلتْ مع اللاجئين فى مصر وليبيا؟ هل تلتفتُ إلى معاش النّاس وشظف عيشهم؟ تنجذبُ العاهات إليها كما ينجذبُ الذّبابُ إلى القذارة.
ستظلُّ القوى السياسيّة الحقيقيّة خارجَ قاعة الإنقاذ البرهانيّة. وهذه هى العقدة.
كانَ الأملُ أنْ تستميلَ الإنقاذُ البُرهانيّة “صمود”، على الأقل. ذلك أنَّ القوى السياسيّة فى تيّار “تأسيس” خارج حساباتها، بالضّرورة. جرجرتِ المملكةُ العربيّة السّعوديّة عباءتها، وهى متخمةٌ، يتقدّمُها بطنٌ ممتلئ طيّباتٍ، تُطاردُ قياداتٍ سياسيّة لترضى بحوار البرهان. لكنّها عادتْ خائبةً، تترجرجُ مؤخّرتها العظيمة.
سيتمُّ الممثّلون أدوراهم. سينصّبُ الإسلاميّون البرهان رئيساً. سيشربُ – بتواضعٍ غير مصنوعٍ – عصيراتٍ كثيرة من أيدي “الشعب السُّوداني”. ستغنّى ندى القلعة عشيّة تتويجه. سيصنعُ له نبيل أديب “وثيقةً دستوريّة” جديدة. سيكتبُ له محمّد جلال هاشم كتاباً، وربّما كتابيْن. سيجدُ “بابا قاسم” فتاةً، طالبةً أحفاديّة، ليصفعها، دون أنْ يلومَه أحد، فيما يعتبُ بخطىً متقاربةٍ نحو القبر.
وعثمان ميرغني؟
-مافى داعي يا جماعة.
شايف كيف؟