عبد الواحد نور بين العرض السعودي والوصاية المصرية ..
عبد الواحد نور بين العرض السعودي والوصاية المصرية ..
٢٩ أغسطس ٢٠٢٦
أحياناً يكون التعليق على الخبر أكثر إثارة للانتباه من الخبر نفسه.
بعد أن كشف رئيس حركة تحرير السودان، عبد الواحد محمد نور، عن تفاصيل زيارته إلى السعودية في يونيو الماضي، وقال إن الرياض عرضت عليه التعاون مع قائد الجيش عبدالفتاح البرهان والقوات المسلحة، جاء تعليق الدكتورة أماني الطويل، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ليضيف بعداً جديداً إلى القصة.
تقول الطويل: “أظن أنه حينما يُعرض على سياسي سوداني عرضاً غير مقبول من جانب أي دولة، إشارة إلى السعودية، أقترح ألا يُفصح عن ذلك”.
هنا تحديداً يبدو الأمر غريباً!.
لماذا الصمت يا دكتورة؟
إذا كان العرض السعودي مجرد مبادرة سياسية طبيعية، فلماذا لا يُكشف عنه؟ وإذا كان عرضاً يستدعي الحرج، فلماذا يُطلب من السياسي السوداني أن يخفيه عن شعبه؟
الأصل في مثل هذه القضايا أن يكون النقاش حول مضمون العرض نفسه، ماذا عُرض على عبد الواحد؟ ولماذا عُرض؟ ومن أراد منه التعاون مع البرهان؟ وما الغرض السياسي من هذا التعاون؟
أما نقل النقاش إلى لوم عبد الواحد لأنه كشف ما جرى، فهو قلب للأولويات.
وهنا يأتي سؤال آخر: من الذي منح الدكتورة أماني الطويل، ومن خلفها مصر، حق الوصاية على السياسيين السودانيين، لتحدد لهم ما ينبغي أن يقولوه وما يجب أن يخفوه؟
وبأي حق تتحول القاهرة إلى مرجعية تحدد للسوداني ما يجوز له كشفه عن الاتصالات والعروض السياسية التي يتلقاها؟
السودان دولة ذات سيادة، وسياسيوه ليسوا موظفين لدى العواصم الإقليمية. ولا يحتاج السياسي السوداني إلى إذن من القاهرة أو الرياض حتى يتحدث إلى شعبه. فإذا كانت هناك عروض سياسية تُقدم للسودانيين في الخفاء، فمن حق الرأي العام أن يعرفها، ومن حق أصحابها أن يرفضوها وأن يكشفوها، خصوصاً عندما تتصل بحرب تهدد مستقبل البلاد.
وهنا يجب التوقف عند عبد الواحد نفسه.
عبد الواحد محمد نور ليس “النور قُبّة”، وليس شخصية سياسية يمكن استدعاؤها إلى عاصمة عربية، ووضعها أمام ترتيب سياسي، ثم مطالبتها بالصمت عندما ترفضه.
وهو بالتأكيد ليس معروضاً في سوق المرتزقة، ينتظر من يشتري موقفه أو يستأجر بندقيته السياسية.
يمكننا كسودانيين انتقاد عبدالواحد، والاختلاف مع مواقفه، ومساءلته عن مشروعه السياسي وقراراته وعلاقته ببقية القوى السودانية. لكن نقده السياسي شيء، والتعامل معه باعتباره ورقة يمكن إدخالها وإخراجها من ترتيبات إقليمية شيء آخر.
وبحسب روايته، فقد رفض عبد الواحد العرض لأنه يرى أن الجيش السوداني لا يزال تحت تأثير الحركة الإسلامية، ولأنه قاتل هذا الجيش لسنوات طويلة. وهذا موقف سياسي يمكن مناقشته ونقده، لكنه موقف معلن، ولا يتحول إلى سر ينبغي على صاحبه أن يخفيه لمجرد أن جهة إقليمية هي التي قدمت العرض.
لكن القضية، في تقديري، أكبر من فكرة عرض قُدم لعبد الواحد.
فمصر والسعودية، مثل غيرهما من القوى الإقليمية، دأبتا على التدخل في الشأن السوداني، كل دولة وفق مصالحها وحساباتها ورؤيتها لمستقبل السودان.
القاهرة ظلت تنظر إلى المؤسسة العسكرية السودانية باعتبارها شريكاً أساسياً في حماية مصالحها السياسية والأمنية، بينما حاولت الرياض خلال الحرب أن تؤدي دوراً في الوساطة والتأثير على أطراف الصراع.
وهنا يجب التمييز بين الوساطة وإعادة ترتيب المشهد السياسي السوداني.
فالوساطة تعني تقريب أطراف النزاع، ووقف القتال، وفتح الطريق أمام تسوية سياسية.
أما أن يُطلب من سياسي سوداني التعاون مع أحد طرفي الحرب، فذلك يفتح باباً مختلفاً تماماً حول طبيعة الدور الإقليمي وأهدافه.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً:
هل تريد الرياض إنهاء الحرب في السودان، أم تريد أن تضمن أن ينتهي الصراع في السودان بالشكل الذي يخدم مصالحها الإقليمية؟
لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال من خلال التصريحات الرسمية وحدها. فالإجابة تحتاج إلى النظر في طبيعة الاتصالات والتحالفات والعروض التي تُقدم للقوى السودانية بعيداً عن المؤتمرات والبيانات الدبلوماسية.
إذا كان عبدالواحد قد تلقى عرضاً سياسياً ورفضه، فمن حقه أن يقول ذلك.
كما أن كشف مثل هذه الاتصالات قد يكون مهماً للرأي العام السوداني، لأن معرفة ما يجري خلف الجدران يساعد في فهم الطريقة التي تُدار بها الحرب والسياسة في السودان.
وإذا كانت رواية عبدالواحد غير دقيقة، فلتكشف الرياض الوقائع.
وإذا كان العرض قد أُسيء فهمه، فلتوضح الرياض ذلك.
أما أن يكون الرد: “إلزم الصمت” فهذه نصيحة يصعب الدفاع عنها في المجال السياسي العام.
فالسياسي السوداني ليس ملزماً بحماية سرية الترتيبات التي تُعرض عليه، خصوصاً إذا كان يرى أنها تمس موقفه من الحرب ومستقبل بلاده.
وقد يختلف السودانيون حول عبدالواحد محمد نور، وهذا أمر طبيعي. لكن موقفه في هذه الواقعة يطرح قضية تتجاوز شخصه: هل يستطيع السياسي السوداني أن يقول “لا” لعاصمة إقليمية دون أن يتم التعامل معه باعتباره عقبة أمام ترتيباتها؟
عبدالواحد قال “لا”.
وهذا في حد ذاته ليس جريمة سياسية.
المشكلة تبدأ عندما يصبح المطلوب من السياسي السوداني أن يقول “نعم” لأن العرض جاء من دولة ذات وزن إقليمي.
السودان، يحتاج إلى علاقات متوازنة مع محيطه العربي والإفريقي، ويحتاج إلى دعم إقليمي ودولي لإنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة. لكنه يحتاج قبل ذلك إلى قرار سوداني مستقل، لا إلى استبدال نفوذ خارجي بنفوذ خارجي آخر.
فمستقبل السودان لا ينبغي أن يُصاغ وفق مصالح العواصم الإقليمية، ثم يُفرض على السودانيين باعتباره أمراً واقعاً.
السودان دولة لها مصالحها، وسياسيوها من حقهم أن يرفضوا ما لا يرونه مناسباً لها.
لذلك، فإن القضية الحقيقية ليست لماذا كشف عبد الواحد العرض السعودي؟ القضية هي:
هل ما زال السودان يمتلك من الاستقلال السياسي ما يكفي ليقول “لا” عندما تتعارض الترتيبات الإقليمية مع رؤيته لمستقبله؟
هذا السؤال لا يخص عبدالواحد وحده.
إنه سؤال يخص السودان كله.