البرهان بين «التضليل والخوف».. حظر السلاح يكشف ارتباك بورتسودان
تبدو حكومة بورتسودان عالقة بين خطابين متناقضين بخصوص المقترح الأمريكي بفرض حظر للسلاح على كامل البلاد هما التضليل والاستجداء.
وفي وقت أكد تحالف “تأسيس” السوداني لـ”العين الإخبارية” تأييده حظر السلاح، بما فيه حظر الطيران العسكري، شريطة أن يشمل كل أراضي السوداني، يُظهر الجيش موقفا متصلبا في هذا الصدد، ويرفض وقف تغذية آلة الحرب.
لكن بينما يسعى قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وفق خبراء، إلى تضليل وخداع الشعب السوداني في الداخل عبر التهوين من تداعيات العقوبات وحظر الطيران، لا تجد حكومته بدا من استجداء المجتمع الدولي لرفض المقترح، ما استدعى استنفارا دبلوماسيا واسعا.
تلك المفارقة التي أوجدها مقترح حظر السلاح، بما يشمل الطيران الحربي في عموم أجواء السودان، تضع خطاب الخرطوم أمام سؤال صعب: إذا كانت العقوبات وحظر السلاح مجرد تهويل لا يستحق الالتفات، فلماذا كل هذا القلق في مجلس الأمن؟
تضليل الداخل
وفي خطاب خلال حفل عسكري صباح الإثنين، اختار البرهان مخاطبة السودانيين بلغة تقلل من أثر التطورات الدولية، مؤكدًا أن الحديث عن العقوبات أو حظر الطيران، ما هو “ترويج من الأعداء”، ودعا مواطنيه إلى عدم الالتفات إلى “حديث المغرضين”.
وكان البرهان يشير بذلك إلى المعارضة المدنية الرافضة للحرب في السودان، وأبرزها تحالف “صمود”، التي كانت قد تبنت لتوها وثيقة تضع خريطة طريق إنهاء الحرب، فيما رفضت دعوته للحوار.
وطالما دعا تحالف “صمود” إلى فرض حظر للسلاح على كل السودان لدفع الأطراف المتحاربة على وقف القتال، إلى جانب إنشاء مناطق آمنة ونشر قوات لحماية المدنيين وفتح ممرات إنسانية.
كما أيد تحالف “تأسيس” فرض حظر للسلاح في السودان، شريطة أن يشمل كل السودان.
وقال أحمد تقد لسان المتحدث باسم “تأسيس” لـ”العين الإخبارية”، إن التحالف يؤيد أي مقترح بحظر السلاح شريطة أن يطبق على كامل الأراضي السودانية.
خوف بورتسودان
لكن خلف رسالة البرهان التي تسعى إلى إظهار العقوبات باعتبارها أمرا هامشيا، تتحرك الحكومة في الخارج لمنع إجراء قد يمس أحد أهم عناصر استمرار الحرب: إمداد الجيش بالسلاح اللازم لمواصلة عملياته الجوية والسماح لطائراته بعزل المناطق السودانية عن بعضها البعض، وفق تصريحات الخبير في الشأن السوداني نجيمي عثمان لـ”العين الإخبارية”.
ماذا دار في مجلس الأمن؟
وخلال جلسة لمجلس الأمن، مساء الإثنين، تقدمت واشنطن بمقترح لتوسيع نطاق حظر توريد الأسلحة المفروض على إقليم دارفور السوداني ليشمل كامل البلاد، مشيرة إلى أن الصراع في السودان قد يتوسع إقليمياً.
ومن المقرر أن ينتهي حظر توريد الأسلحة إلى دارفور، والمفروض منذ أكثر من عقدين، في 12 سبتمبر (أيلول) 2026 إذا لم يتم التوصل إلى قرار جديد بشأنه.
ويتطلب توسيع حظر توريد الأسلحة ليشمل السودان بأكمله تصويتاً في مجلس الأمن الدولي.
لكن روسيا، التي تتمتع بحق النقض في مجلس الأمن، حذرت، من فرض قرارات جديدة بالسودان.
وخلال الاجتماع، قال مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس، إن على المجلس أن “يتخذ خطوات للحد من تأجيج الصراع، خصوصاً أن الدعم الخارجي يهدد أيضاً بجر مزيد من الأطراف الإقليمية والدول المجاورة إلى الصراع في السودان”.
وفي مجلس الأمن، لم يتعامل مندوب السودان الحارث إدريس مع المقترح الأمريكي باعتباره أمرا يمكن تجاهله، كما أخبر البرهان شعبه صباحا، بل حذر من نتائجه، معتبرًا أن توسيع حظر الأسلحة ليشمل كامل البلاد قد يؤدي إلى إضعاف الجيش.
لماذا يرفض الجيش؟
وقال المحلل السياسي نجيمي عثمان لـ”العين الإخبارية” إن “هناك قرارا سابقا بحظر السلاح في دارفور، لكن البرهان والجيش، الذي تسيطر عليه الحركة الإسلامية (ذراع الإخوان)، لم يمتثلا له، واستمرا في استخدام الطيران في دارفور وفي مختلف أنحاء السودان”.
وأوضح أن المقترح الأخير “يهدف إلى وقف قتل المدنيين في كل المناطق التي يقصفها الجيش السوداني، وبالتالي من الطبيعي أن يرفضه الجيش، لأن الآلية الوحيدة التي يتفوق فيها والتي يستطيع استخدامها بفاعلية هي القصف الجوي”.
وأضاف: “الجيش من خلال الضربات الجوية، قتل أعدادا كبيرة من الناس وهجّرهم بعدما صنفهم حواضن للدعم السريع”.
وأشار إلى أن أي مكان مدني، سواء كان مستشفى أو تجمعا سكانيا أو سوقا، يمكن أن يعتبره الجيش من حواضن الدعم السريع، ويصبح هدفا للقصف والتهجير.
وأكد أن “هذه الآلية هي التي يتفوق فيها الجيش، في ظل ما يتلقاه من دعم كبير من دول، من بينها إيران، وبالتالي، فإن حظر السلاح يمثل تحجيما لدور الجيش في عملية قتل الشعب السوداني، ومن الطبيعي أن يرفض الجيش هذا القرار”.
وقال إنه “منذ الاستقلال وحتى الآن، استمر الجيش السوداني في استخدام الطيران ضد شعبه، كما أن سجله يتضمن منذ حرب الجنوب وحتى جرائم دارفور التي نظرت فيها المحكمة الجنائية الدولية، اتهامات بارتكاب جرائم ضد المدنيين، ومن بين المطلوبين للمحكمة الجنائية الرئيس السوداني السابق عمر البشير وعدد من المسؤولين المرتبطين به”.
وأكد أن “الجيش السوداني تاريخيا ارتكب جرائم ضد شعبه خاصة في المرحلة التي سيطرت فيها الحركة الإسلامية (الإخوان) على قراره، والتي ما زالت مستمرة إلى الآن، وبالتالي فمن الطبيعي أن يرفض أي قرار من شأنه الحد من استخدام الطيران”.
وشدد على أنه “إذا جرى حظر الطيران والأسلحة فلن يستطيع الجيش الاستمرار بالطريقة نفسها في الميدان، كما أنه لن يستطيع قيادة هدنة أو الدخول في حوار لأن أي حوار من شأنه أن يخرج الحركة الإسلامية، المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة، من العملية السياسية، وهذا ما لا يريده الجيش، لذلك يفضل الاستمرار عسكريا، باعتبار أن السلاح هو الآلية الوحيدة المتاحة أمامه، من وجهة نظره، لإعادة الحركة الإسلامية إلى السلطة”.
البرهان يبيع الوهم
وأوضح أن “البرهان من أكثر الشخصيات التي تمارس الخداع السياسي والنفاق. يقول شيئا ويفعل شيئا آخر”.
وأضاف: “البرهان يتحدث إلى السودانيين بلغة الطمأنة، ويظهر وكأن الأمور تسير بصورة طبيعية، ويتحدث عن فرض هيبة الدولة وكون حكومته هي الشرعية وأن الجيش يمثل الدولة، ليقدم، صورة مغايرة لما يحدث على الأرض، ويبيع الوهم للشعب السوداني.”.
وأضاف: “في الوقت نفسه، فإن البرهان نفسه، عبر مندوبه في الأمم المتحدة، يرفض حظر السلاح وحظر الطيران. هنا يجب التوضيح أن المقصود ليس الطيران المدني الذي ينقل الغذاء والخدمات والمياه والعلاج، وإنما الطيران الحربي والمسيّرات التي تستخدم في قصف المدنيين وإلقاء القنابل عليهم”.
وتساءل: “لا أفهم ما الكارثة التي ستحدث إذا جرى وقف الطيران الحربي في السودان وحظره؟”، مستطرا: “حينها الجيش السوداني لن يستطيع، مواصلة القتال لأنه يعتمد بالأساس على ضرب ما يسميه “الحواضن” وقتل المدنيين وتهجيرهم، ولهذا يواصل البرهان، بيع الوهم للشعب السوداني”.
علكة في مجلس الأمن
وانتقد عثمان مشهد مندوب السودان لدى الأمم المتحدة، وقال: “لم يحترم، حتى منصة مجلس الأمن، وظهر وهو يمضغ العلكة أثناء الجلسة، في مشهد أراه مسيئا إلى صورة السودان ومؤسساته في محفل دولي بهذا الحجم”.
وتمنى أن تستمر الولايات المتحدة في تقديم مشروع حظر الطيران، حتى تتمكن من وقف ولو جزء بسيط من الدماء التي تسيل في السودان، والتي هي “نتيجة مباشرة لممارسات الجيش المسيطر عليه من الإخوان”.
إجبار الجيش
من جانبه، أكد المحلل السياسي السوداني سيبويه يوسف أن المجتمع الدولي مطالب بإجبار الجيش والحركة الإسلامية التي تقوده على وقف الحرب، إذ إن هذا المعسكر يعرقل جهود إنهائها.
وأوضح يوسف لـ”العين الإخبارية” أن الجيش “يستخدم الطيران في قصف المستشفيات والأسواق والمناطق المأهولة”، مؤكدا أن التعامل مع الحرب يبدأ من وقف أدواتها، ومن ثم هناك ضرورة لفرض حظر الطيران العسكري في أجواء السودان، وأيضا حظر تسليح.
العين الاخبارية