الحارث.. أردنا حياته فاراد قتلنا
الحارث.. أردنا حياته فاراد قتلنا
أحمد عثمان جبريل
❝أريد حياته ويريد قتلي❞..
ولم تكن هذه العبارة يوم اطقلها أبي الحسنين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، يومها وصفاً لرجلٍ فحسب،
حين وقف وهو ينظر إلى عبد الرحمن بن ملجم يقف أمامه، وإنما كانت اختصاراً لمفارقة موجعة: أن تمد يدك لمن ترجوه أن يحيا، فإذا به يرفع يده عليك.
ولعل في تلك العبارة ما يفتح لنا اليوم باباً إلى حكاية أخرى.. حكاية رجلٍ أعادته دولة مدنية إلى موقعه بعد أن أخرجه نظام البشير، فإذا به يقف في مجلس الأمن، لا ليحرس الحقيقة التي جاءت به إلى ذلك المقعد، وإنما ليقدم رواية تصطدم بالتاريخ الذي تحفظه المؤسسة نفسها التي يجلس تحت قبتها.
لم تولد الدبلوماسية السودانية كبيرة بالمال ولا بالقوة.. ولدت كبيرة بالرجال..
فمنذ أن بدأت نواتها المؤسسية قبل الاستقلال، ثم قامت وزارة الخارجية السودانية مع الاستقلال، حمل رجالها إلى العالم دولة حديثة الميلاد، قليلة الإمكانات، كثيرة الثقة والاعتداد بنفسها.. ففي 1956 أعلن السودان انضمامه إلى الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، ثم كان من الدول الأفريقية التي شاركت في تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية عام 1963، وأسهم دبلوماسيوه في صياغة ميثاقها.
ولم يتوقف العطاء عند حدود المحافل.. فقد خرج من تلك المدرسة رجال شاركوا في بناء العمل الدبلوماسي العربي والأفريقي، بل تذكر مصادر سودانية أن خبرات سودانية أسهمت في تأسيس أجهزة خارجية في دول عربية وأخرى أفريقية.
( 1)
نعم.. كان سفيرنا المخضرم، عمر عديل واحداً من أولئك الرجال.. أول مندوب دائم للسودان لدى الأمم المتحدة، ثم انتُخب بالإجماع رئيساً للجنة السياسية في الجمعية العامة عام 1962.. لم يكن السودان يومها يملك ما تملكه الدول الكبرى من نفوذ، لكنه كان يملك رجلاً بمواصفات استثنائية يستطيع أن يجعل صوت السودان مسموعاً في المكان الذي تتقاطع فيه أصوات العالم.
وهكذا.. استطاعت الدبلوماسية السودانية أن تصنع سمعتها.. بالعلم، والمهنية، والصدق، وحسن التفاوض، والقدرة على الوقوف في المسافة التي تحفظ للدولة كرامتها وللحقيقة مقامها.
(2)
كان الدبلوماسي السوداني، في تلك المدرسة، يحمل السودان لا السلطة.. ويحمل الدولة لا الحاكم.. ويعرف أن الحكومة تتغير، لكن اسم الوطن يبقى.
ولهذا كان من الممكن أن يختلف السفراء والوزراء في السياسة، دون أن يختلفوا في حقيقة الواقعة.
ذلك الإرث لم يكن ملكاً لحزب.. ولا للرئيس.. ولا لوزير الخارجية.
كان ملكاً للسودان.. السودان وحدة لا سواه
(3)
ثم جاء عهد الإنقاذ، فتعرضت الخارجية لما تعرضت له مؤسسات الدولة فامتدت يد الخراب للخدمة المدنية (راسمال الحضارة التي تقم عليها الدول الناجحة، فعاث فيها الكيزان الخراب والاقصاء بإسم التمكين.. وفُصل دبلوماسيون مهنيون، وضُربت تقاليد ظلت تتراكم منذ الاستقلال في مقتل، والمفارقة أن (الحارث إدريس) كان من الذين طالتهم تلك السياسة، قبل أن تأتي المرحلة الانتقالية المدنية فتفتح الباب لإعادة المفصولين إلى الخدمة. وقد وثقت كتابات عن الدبلوماسية السودانية نفسها حجم الضرر الذي أصاب السلك المهني في عهد الإنقاذ.
وهنا تبدأ الحكاية التي تجعل وجعها أكبر..
(4)
لقد أعادته دولة مدنية إلى الطريق الذي قطعه عنه نظام البشير..
ثم دار الزمان دورته..
ففي 24 أغسطس 2026، جلس الحارث في مجلس الأمن، ذلك المكان الذي تحسب فيها الأنفاس حتى، لذلك لا تضيع فيه الكلمات؛ لأن الكلمة هناك لا تموت بانتهاء الجلسة، وإنما تدخل السجل وبأكثر من لغة.
(قال أيه).. إن القوات المسلحة لم تصل إلى السلطة بانقلاب في أكتوبر 2021، وإن الحكومة المدنية استقالت طوعاً، وإن الجيش وجد فراغاً كان عليه أن يملأه.
وهنا لا نحتاج إلى رفع الصوت..
يكفي أن نرفع التاريخ..
(5)
يا أيها الحارث.. في 25 أكتوبر 2021 كان حمدوك رئيساً للوزراء.. ثم وقع ما وقع..
أما استقالته فجاءت في 2 يناير 2022.
أي أن الرجل الذي استقال، بحسب روايتك الجديدة، ترك فراغاً لم يكن الجيش إلا مضطراً إلى ملئه.. استقال بعد أن وقع الانقلاب بأكثر من شهرين!
ما هذا الذي تقوله يا دبلوماسينا..
أي زمن هذا الذي تريد منا و(العالم معنا بأثره) أن نصدقه؟
هل يستطيع التاريخ أن يسير إلى الوراء حتى تصبح الاستقالة سبباً لما سبقها؟
(6)
والأقسى من الرواية أنها قيلت في المكان الخطأ..
في مجلس الأمن..
ذلك المجلس الذي حفظ في سجلاته مواقف العالم من السودان، والذي كانت كلماته ووثائقه جزءاً من الذاكرة الدولية للمرحلة.
هنا لا يواجه الحارث صحفياً يمكن أن ينسى، ولا جمهوراً يمكن أن يصفق، وإنما يواجه أرشيفاً لا يصفق ولا ينسى.
ولذلك فإن ما حدث لا يجرح الحارث وحده.. إنه يجرح إرث الدبلوماسية السودانية التي صنعها رجال كانوا يعرفون أن الكلمة أمانة، وأن الوطن لا يحتاج إلى سفير يجمّل الحقيقة، وإنما إلى سفير يستطيع حملها على اكتافه ولو كانت بثقل الجبال الراسيات.
(7)
يا حارث..
نحن لا نطلب منك أن تخالف البرهان، ولا أن تتخلى عن الدفاع عن الجيش، ولا أن تتبنى رواية خصومه.
نطلب شيئاً أبسط وأصعب..
ألا تُقتل الحقيقة كي تحيا الرواية.
لقد أردنا حياتك حين أعادتك الدولة المدنية إلى الخدمة بعد أن أخرجك نظام البشير.
وأردنا حياة الدبلوماسية السودانية حين حفظنا تاريخ رجالها.
وأردنا حياة الحقيقة حين رأينا السودان يخرج من ليل الإنقاذ إلى أمل الدولة المدنية.
فإذا بك من داخل مجلس الأمن تجعل الحقيقة تدفع ثمن الرواية..
وهنا تعود عبارة علي بن أبي طالب لتطرق الباب من جديد:
❝أريد حياته ويريد قتلي❞..
لسنا أمام حارثٍ وحده..
نحن أمام اسم السودان في المكان الذي تُحفظ فيه أسماء الدول، وأمام مدرسة دبلوماسية صنعت رجالاً وصل صوتهم إلى الجامعة العربية، والأمم المتحدة، ومنظمة الوحدة الأفريقية، وأسهموا في العمل الدولي، وتركوا للسودان مكاناً بين الأمم.
تلك الكرامة لا يجوز أن تُركل من داخل مجلس الأمن نفسه..
هناك، حيث تُحفظ الكلمات..
وحيث لا يستطيع أحد أن يمحو ما قيل..
وحيث يصبح التاريخ شاهداً على صاحبه قبل أن يكون شاهداً على خصومه.
ومضة أفق الحرف
قد يستطيع السفير أن يغيّر الرواية..
وقد يستطيع السياسي أن يغيّر الاسم..
لكن لا أحد يستطيع أن يغيّر ترتيب الأيام.
25 أكتوبر جاء أولاً..
و2 يناير جاء بعده.
وحين يعجز الكلام عن إقناع التاريخ.. يبدأ التاريخ في محاكمة الكلام.
توقيع أفق الحرف
أفقٌ يترفق حتى يتسع للحقيقة مهما أثقلت مداه.. فالحرف الذي لا يترك للتاريخ شاهداً عليه، ليس حرفاً يكتب.. وإنما أثرٌ عابر.
إنا لله ياخ.. الله غالب.