لماذا هجروا بلدان المآذن؟
بثينة تروس
منظر تدافع 60 ألف مهاجر من المغرب، ومحاولة الدخول إلى سبتة الإسبانية في غضون ساعات، وموت أكثر من 57 شاباً غرقاً نتيجة التدافع والفوضى، مشهد يفرض التأمل في ظاهرة الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا من قبل شباب الشعوب المسلمة، هؤلاء الذين تلتهمهم الحيتان وتبتلعهم أمواج البحار، يركبون الزوارق المطاطية وهم يعلمون تلك المخاطر، لكي يصلوا إلى شواطئ الغرب. نعم، الغرب! ذلك الغرب الذي لم تفتر خطب أئمة المساجد والمشايخ ومؤسسات رجال الدين، والمهووسين دينياً، وحكوماتنا الفاسدة، عن تأكيد أنه كافر لا يريد الخير للمسلمين ولا للإسلام، وأنه لا توجد فيه مساجد يعلى فيها اسم الله، وأن حرامه يمحق حلاله، وأن الذين يصلون إليه سيكونون لا محالة ضحايا للانحلال والمخدرات والمثلية والمفاتن الدنيوية، وأن المتمسكين بالإسلام، وبالنقاب والحجاب، سيواجهون الإسلاموفوبيا والاضطهاد. بل لم يتأخر بعض المشايخ في إصدار فتاوى بأن هذه الهجرات حرام شرعاً لأنها تعرض النفس التهلكة، ولأن المسلمين فيها يعرضون أنفسهم لامتهان الاسلام على أيدي المسيحيين وأصحاب المعتقدات الأخرى، فيهانون وهم الأعلون.
وبرغم كل ذلك، لم تثنهم الخطب، ولا نداءات المآذن، ولا تلك الفتاوى، عن طلب المعيشة في الغرب. بل إن الواقع العملي أضعف التقارير التي تتحدث عن ارتفاع نسبة التدين بين الشباب العربي في سبع دول من أصل تسع، من بينها المغرب والسودان، بحسب البارمتر العربي والبي بي سي البريطانية 11يوليو 2022 وبالطبع، لم يقدم التقرير شرحا لمعنى (الشاب المتدين) ولا كيفية تصنيفه، هل هو التدين الأخلاقي أم التدين الشكلية؟ وهذا باب واسع، لأن المتدين الحقيقي مشغول بتغيير سلوكه وأخلاقه، أما المهووس فهو المشغول بتغيير الناس. والحقيقة أن رجال الدين لا يجرؤون على مناصحة الحكام خوفاً من فقدان رضاهم، ولا يتحدثون عن السبب الذي يجعل شباباً في بداية حياتهم، وفي زهرة أعمارهم، بقلوب مخضرة ونفوس طامحة للحياة، يفضلون الموت في سبيل الهجرة. فهم لا يستطيعون الجهر بأن حكام معظم البلاد الإسلامية فاسدون، ودكتاتوريون، وأنظمتهم باطشة، وعاجزة عن الاستجابة لمطالب هذا الجيل في التغيير.
وإذا اتخذنا السودان نموذجاً لحكومة إسلامية تدعي أنها تحكم بالشريعة الإسلامية لإصلاح المجتمع، ومحنية بتفعيل الجهاد الإسلامي، (وبالطبع لا يمارس إلا في مواطنيها وداخل حدودها) نجد أن ضحاياها هم الأجيال الشابة من السودانيات والسودانيين، الذين يموتون في سبيل الوصول إلى الغرب لتحسين أوضاعهم الاقتصادية وتحقيق أمانيهم بالعيش الكريم في ظل المدنية والعدالة والحربة والسلام. وهي ذات المطالب التي نادوا بها بالطرق السلمية، فكان نصيبهم الاعتقالات، والموت، والاغتصابات، والقنص بالبنادق، والمذابح الجماعية، حتى في شهر رمضان المعظم، ثم لا يجد الاخوان المسلمون في أفعالهم حرجاً.
وأكبر ما يثير الشفقة أن هؤلاء الذين يحددون من هو المسلم المتدين، ومن هو الفاسق، يتناقلون، كالببغاوات، المقولة المنسوبة للإمام محمد عبده (ذهبت إلى الغرب فوجدت إسلاماً ولم أجد مسلمين، ولما عدت إلى الشرق وجدت مسلمين ولم أجد إسلاماً) لكنهم يرددونها حفظاً لا فهماً، مع أن بلاغتها تقودنا إلى أسباب نجاح الغرب وإخفاق الشرق الإسلامي، حيث التقدم العلمي والتقني والمعرفي، وبناء مؤسسات الدولة، والاجتهاد في تطبيق الدساتير والقوانين، والحرص على سيادة القانون، والمساواة بين جميع المواطنين، وإتاحة الحريات التي ترعى الحياة المدنية، وتضبط السلوك الإنساني القويم، وتعين على ترسيخ الأخلاق، وهي كلها من صميم مقاصد الإسلام، كما في قول النبي صلى الله عليه (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) ومدح الله تعالى لنبيه (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ).
فلو أن الدول الإسلامية التزمت بروح الفهم الديني، بدل الاكتفاء بالعنعنة وعبادة النصوص، لما شهدنا هذا الخراب في النفوس، وهذا التراجع في الأخلاق. لوصلح الناس صلحت حكوماتهم، ولأمكن ردع الفساد، وإيقاف الحروب، وحفظ هؤلاء الشباب الذين هم عمار الأوطان وعماد نهضتها، بدل أن تدفعهم الأوضاع إلى الارتهان للغرب، ومواجهة رحلة قاسية من الهجرة غير الشرعية، بما فيها من مخاطر، وما تفرضه من تحديات، وما تحمله من واقع لا يحترمه قانون الغرب نفسه، ولا يضمن لهم بالضرورة الحياة التي يحلمون بها.
وفي تقديري المأساة الحقيقية ليست في أن هؤلاء الشباب يهاجرون إلى الغرب، وإنما في أن أوطانهم أصبحت تدفعهم إليه دفعا، فالإنسان لا يغامر بحياته عوماً في البحر حباً في الموت، وإنما هرباً من واقعٍ جعل الموت افضل من الحياة، وتصبح قوارب الهجرة المطاطية ابلغ من خطب الجوامع، وكذب الساسة.