“رواندا والسودان: درس في بناء الدولة من الصفر”

 

كتب: المستشار معاوية أبوالريش

في عام 1994، كانت رواندا حرفياً تُدفن.

في مئة يوم فقط، فقدت ما يزيد على ثمانمئة ألف إنسان في إبادة جماعية لم تشهد أفريقيا مثيلها. الشوارع كانت جثثاً، والأسر كانت رماداً، والدولة كانت لا شيء. لم يكن ثمة جهازٌ صحي ولا مؤسسات، وكانت رواندا الأفقر في العالم بأعلى معدل وفيات للأطفال وأدنى متوسط للعمر.

في نفس العام 1994، كان السودان دولةً قائمة، لها جامعات وكوادر بشرية وموارد طبيعية هائلة وتاريخٌ عريق يمتد لآلاف السنين.

اليوم، رواندا دولةٌ تستقطب الاستثمارات وتُصنَّف من أقل دول العالم فساداً، بينما السودان يعيش حرباً تأكل ما تبقى منه.

كيف حدث هذا؟

أولاً: قرار من يحكم ولماذا

حين قادت قوات بول كاغامي النصر وأنهت الإبادة، واجه السؤالَ المصيري: هل يبني دولةً للمنتصرين أم دولةً للجميع؟ اختار الثانية، وكان هذا القرار وحده كافياً لتغيير مسار التاريخ.

أُلغيت الرموز الوطنية التي كانت مرتبطة بالقومية المتطرفة، وأُنشئت محاكم “غاكاكا” الشعبية لمعالجة جراح الماضي دون أن تتحول إلى أداة انتقام. وفي عام 2006 أعاد الجهاز الإداري تنظيم نفسه باستبدال المقاطعات القديمة بخمس مقاطعات متعددة الأعراق تهدف إلى تعزيز تقاسم السلطة وتقليص الصراع العرقي.

في السودان، كانت الهوية دائماً سلاحاً في يد السياسيين. القبيلة والجهة والدين كلها وُظِّفت للتعبئة لا للتوحيد، والنتيجة أن كل أزمة سياسية تتحول إلى شرخ اجتماعي جديد يُضاف إلى ما قبله.

ثانياً: محاربة الفساد كأمن قومي لا كشعار

رواندا اليوم تحتل مراتب متقدمة في مؤشرات الشفافية ومكافحة الفساد، وهو إنجازٌ شبه مستحيل في سياق أفريقي. لكنه لم يأتِ بالصدفة، بل بقرار سياسي واضح: الفساد خيانةٌ عظمى وليس مجرد مخالفة إدارية. حوكم مسؤولون كبار، وأُنشئت منظومة رقابية بصلاحيات حقيقية لا شكلية.

في المقابل، ظل الفساد في السودان يتمتع بحصانة غير مُعلنة. الموظف الذي يرفضه يجد نفسه وحيداً في مواجهة منظومة تحميه وتُعاقب من يكشفه.

ثالثاً: الكفاءة لا القرابة

بنت رواندا جهازها الإداري على معيار واحد: من يستطيع أن يُنجز؟ استُقطبت كفاءات من الشتات الرواندي ووُضعت في مواقع قيادية بصرف النظر عن انتماءاتها، لأن السؤال الوحيد المطروح كان: هل هذا الشخص قادرٌ وأمين؟

السودان يمتلك شتاتاً من الكفاءات يفوق رواندا عدداً وتنوعاً، أطباء وعلماء ومهندسون يُشار إليهم بالتميز في كل العواصم. لكن الدولة لم تبنِ الجسر الذي يُعيد هذه الطاقة إلى وطنها، لأن ذلك يتطلب أن تكون الكفاءة هي معيار الوصول لا المحسوبية.

رابعاً: مشروعٌ وطني يجمع لا يُفرّق

رواندا تسير نحو رؤية وطنية واضحة تُدرَّس في المدارس وتُبنى عليها الميزانيات وتُقاس بها الإنجازات. المواطن الرواندي يعرف إلى أين تسير بلده ويشعر أنه جزءٌ من هذا المسير.

السودان لم يُكمل حتى اليوم نقاشاً حقيقياً حول سؤال بسيط: ما الذي نريد أن يكون عليه السودان بعد عشرين عاماً؟ كل حكومة تبدأ من الصفر، وكل تحول سياسي يمحو ما قبله، ويُعيد الدوران في نفس الحلقة.

السؤال الذي لا مفر منه

إذا استطاعت رواندا أن تنهض من تحت الرماد، فما الذي يمنع السودان وهو الذي لم يصل إلى ما وصلت إليه رواندا من الدمار؟

الجواب المؤلم هو أن رواندا واجهت كارثتها بوضوح تام: رأت الجرح، اعترفت به، وقررت ألا تتركه يتعفن. السودان في المقابل ظل لعقود يتجادل حول طبيعة الجرح بينما هو ينزف.

رواندا لا تُدين السودان، لكنها تطرح عليه سؤالاً لا يحتمل التأجيل:

إذا نهضت دولةٌ من فوق مئات الآلاف من الجثث، فلماذا لا تنهض دولةٌ فوق أرضها الخيرُ والناسُ والتاريخ؟

الجواب ليس في الجغرافيا ولا في الموارد، بل في إرادة بناء دولة حقيقية بمؤسسات راسخة، وقانون لا يُستثنى منه أحد، ومستقبل للجميع لا مغنم للبعض.

رواندا كانت جثةً قررت أن تقوم. السودان كان حياً قرر أن يبقى مكانه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.