من بركة ساكن إلى مستر ياي… لا تكن مغفلا نافعا

من بركة ساكن إلى مستر ياي… لا تكن مغفلا نافعا
(خطرفات ذاتية)

بقلم: سايمون دينق

في منتصف عام 2021 كتبت قصة قصيرة بعنوان “إله الرعد”. وقبل نشرها، أرسلتها إلى الروائي الكبير عبد العزيز بركة ساكن طالبا رأيه وملاحظاته. وبعد أن قرأها، اتصل بي ليبدي ملاحظة واحدة فقط، لكنها كانت عميقة.

لفت انتباهي إلى عبارة وردت في القصة: “يا له من يوم أسود”!!

وقال إن من الأفضل ألا نستدعي اللون الأسود دائما بوصفه رمزا للشؤم أو السوء، لأن هذه النظرة ليست بريئة، بل هي جزء من عقلية كلاسيكية ورثناها عن مناهج وثقافة كرست مركزية الإنسان الأبيض، وربطت السواد بكل ما هو سلبي. وأضاف أن للأسود جماله وخصائصه، وليس من العدل أن يظل حبيس هذه الدلالات القديمة.
كانت تلك هي الملاحظة الوحيدة التي أبداها بركة ساكن، وقد اقتنعت بها تماما، وعدلت النص، لأنني وجدت فيها منطقا يصعب الاعتراض عليه.
واليوم أجد نفسي مضطرا لتقديم نصيحة مشابهة للممثل الكوميدي مستر ياي، رغم أنني لست من أهل الاختصاص، ولكن يبدو أنه لا يوجد من ينبهه إلى مثل هذه التفاصيل.

لا أحد يختلف على موهبة مستر ياي، فهو ممثل كوميدي بارع، لكن من الأفضل له أن ينتبه لنفسه وهو في ضيافة كوميديي الكيزان ومجاهدي الحركة الإسلامية، وأن يبتعد عن السياسة في أنشطته العادية غير الكوميدية، لأنها ليست ملعبه.

فقد قال، وهو يروج لما وصفه بحالة الأمن والاستقرار في الخرطوم: “أنا ما مشيت أمريكا ولا دبي، أنا جيت لأهلي وإخوتي هنا في الخرطوم، لأننا شعب واحد في دولتين”. وكان مندمجا في حديثه إلى درجة أنني ظننته سيختتم كلمته بشعار الكيزان الشهير: “أمريكا… روسيا… قد دنا عذابها”.

ليست هذه هي الطريقة التي ترمم بها العلاقة المتدهورة بين الكيزان وشعب جنوب السودان يا مستر ياي.

وإذا كنت لا تعرف تعقيدات السياسة السودانية وخلفياتها، فمن الأفضل أن تبتعد عنها، لأنها ليست مجالك.

بل حتى في أعمالك الكوميدية، أتمنى ألا تضع جنوب السودان دائما في المرتبة الأدنى، كما ظهر في العمل الذي جمعك بالممثل فضيل، حيث بدا فضيل مغرما بفتاة جنوبية هي شقيقة الكوميدي كابتن منيانق.

قد تبدو هذه التفاصيل عابرة، لكنها في الحقيقة امتداد للعقلية الكلاسيكية نفسها التي ظل أعراب السودان يروجون لها منذ نعومة أظافرنا، فالعاشق دائما شمالي عربي مسلم، والعشيقة جنوبية مسيحية وثنية، قاب قوسين أو أدنى من اعتناق الإسلام.

خذ فيلم “يروق الحنين” مثالا، وتأمل صورة فيفيانا الجنوبية التي تغنى بها نور الجيلاني، وستجد عشرات الأمثلة المشابهة في الأغنيات السودانية المألوفة، حيث تبقى الشخصية الجنوبية مجرد موضوع للرغبة أو الإعجاب، بينما يظل الطرف الفاعل دائما هو الشمالي.

ما الذي يمنع، ولو لمرة واحدة، أن تكون الشخصية الجنوبية هي الفاعل لا المفعول به؟ وأن تكون هي التي تختار وتبادر وتقود الحكاية، بدلا من أن تظل حبيسة القالب التقليدي الذي رسخته الثقافة السودانية لعقود؟

ثم إنني لا أعرف حقيقة المهمة التي ذهبت من أجلها إلى الخرطوم. هل ذهبت رسولا للعمل الإنساني وسفيرا للنوايا الحسنة من جنوب السودان؟ أم ذهبت مبشرا الشعب السوداني باستتباب الأوضاع الأمنية في الخرطوم، وحاثا النازحين على العودة إلى ديارهم؟

في الحالتين، أعتقد أن هذه ليست مهمتك، وليست من اختصاصك.

رسالتي لك بسيطة: حافظ على موهبتك، ولا تسمح بأن تستغل في معارك سياسية لا تعرف كل تفاصيلها. فالفنان قد يتحول، من حيث لا يدري، إلى أداة دعائية في يد الآخرين.

وخلاصة حديثي: لا تكن مغفلا نافعا في أيدي الكيزان.

والقاكم.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.