بين الاتهام والامتثال… ما وراء بيان واشنطن أمام منظمة حظر الأسلحة الكيميائية؟

يمثّل البيان الذي ألقته الولايات المتحدة أمام الدورة 112 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية وهي الهيئة الدولية الموكلة بالإشراف على تطبيق اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وتعمل من مقرها في لاهاي على ضمان التدمير الكامل والتحقق المستقل من منع انتشار هذا النوع من أسلحة الدمار الشامل.

في إطار البند 6 (هـ) من جدول الأعمال، محطة لافتة في مسار العلاقة بين السودان ومنظومة نزع السلاح الكيميائي الدولية. فالبيان لا يكتفي بتوجيه اتهام سياسي عابر، بل يؤطر موقفه ضمن نصوص قانونية محددة من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية CWC (وهي المعاهدة الدولية الملزمة لنزع السلاح، والتي تحظر بشكل مطلق وتام تطوير، وإنتاج، وتخزين، ونقل، واستخدام الأسلحة الكيميائية، وتفرض على الدول الموقعة تدمير مخزوناتها بالكامل تحت رقابة دولية صارمة، ويربطه بإجراءات عقابية أحادية (عقوبات أمريكية)، ويطرح مطلبًا مؤسسيًا يتعلق بأهلية السودان لعضوية المجلس التنفيذي ذاته.

هذا التقاطع بين البُعد التقني، والبُعد القانوني، والبُعد السياسي يستدعي قراءة متأنية لفهم دلالات النص وتبعاته.

ماذا يعني البيان فعليًا؟

يقوم البيان على ثلاث ركائز أساسية أولها أن الاتهام المبني على “تقييم وطني” لا على تحقيق أممي مستقل الولايات المتحدة تصرّح بوضوح أنها لم “ترسل أفرادًا إلى السودان لإجراء تحقيقات مستقلة”، وأن استنتاجها قائم على “تحليل تقني وطني”.

هذا تمييز جوهري، فالاتهام هنا هو تقدير استخباراتي/تقني أمريكي أحادي الجانب، وليس نتيجة تحقيق ميداني تجريه الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بموجب آلياتها المعتادة (مثل بعثة تقصي الحقائق. هذا الفارق مهم قانونيًا وسياسيًا، لأنه يضع واشنطن في موقع “المُقيّم” وليس “المحقق المحايد”، وهو ما يفتح الباب أمام جدل حول موضوعية الاتهام ومصداقيته أمام أطراف أخرى في المنظمة.

ويكتسب هذا التوقيت (2024-2025) حساسية قصوى بالنظر إلى النزاع المسلح الداخلي المستعر في السودان؛ فالبيان هنا يطعن مباشرة في الشرعية الأخلاقية والقانونية للطرف الحكومي في مواجهة الأطراف غير الحكومية، مما قد يُستغل دولياً لتغيير موازين الضغط السياسي لصالح أطراف الصراع الأخرى.

وثانيا إن رفض الآلية الوطنية السودانية كبديل عن التحقق الدولي البيان يستبعد صراحة أن تكون “اللجنة الفنية الوطنية” التي أنشأها السودان بديلاً عن التحقق المستقل، معتبرًا أن العودة إلى الامتثال تستلزم مسارًا محددًا، ألا وهو تقديم إعلان شامل ودقيق للأمانة الفنية، ثم منح وصول غير مقيّد لتحقق ميداني كامل.

هذا يعني أن أي خطوات داخلية سودانية للتعامل مع الملف، مهما كانت جادة، لن تُعتبر كافية من منظور واشنطن ما لم تفضِ إلى تعاون فعلي ومباشر مع الأمانة الفنية للمنظمة.

وثالثا إن الربط بين الملف التقني والعضوية المؤسسية الفقرة الأخيرة من البيان تتجاوز مسألة الامتثال إلى المطالبة بأن يُستبعد من المجلس التنفيذي أي عضو “استخدم أسلحة كيميائية وفشل في العودة إلى الامتثال”. هذا تحوّل من ملف تقني/قانوني إلى ملف يتعلق مباشرة بالتمثيل السياسي للسودان داخل الهيئات الدولية.

هذا الربط يضع (المجموعة الأفريقية) داخل المنظمة في موقف محرج؛ حيث جرت العادة أن تختار الكتل الإقليمية ممثليها بالتناوب، والضغط الأمريكي لعزل السودان يمثل ضغطاً غير مباشر على الدول الأفريقية لإعادة النظر في دعمها الدبلوماسي للخرطوم تجنباً لتشوية صورة الكتلة بأكملها.

تصعيد في مسار العزلة الدبلوماسية

تكرار الاتهام (عدم الامتثال في 2024 و2025) وربطه بدعوة صريحة لاستبعاد السودان من المجلس التنفيذي يضع سلطة بورتسودان أمام خطر فقدان موقع تفاوضي مهم داخل إحدى أهم منظمات نزع السلاح الدولية، في وقت تمر فيه البلاد أصلًا بأزمة سياسية وإنسانية حادة.

كذلك فإن عبارة “نحث شركاءنا، ولا سيما في المنطقة” تشير إلى مسعى أمريكي لحشد دعم إقليمي (على الأرجح دول الجوار أو الحلفاء العرب/الأفارقة) للضغط على سلطة بورتسودان، وهو ما قد يُترجم إلى مواقف تصويتية داخل المجلس التنفيذي أو إلى ضغوط دبلوماسية ثنائية.

تآكل المصداقية

إن توظيف البيان لحجة “مصداقية المؤسسة” يسلط الضوء مباشرة على الفضيحة الدبلوماسية التي تسببت فيها السلطة في بورتسودان؛ إذ تحول جلوسها في المجلس التنفيذي إلى عبء أخلاقي يهدد النزاهة المؤسسية للمنظمة بأكملها. ولجوء واشنطن إلى “التقييمات الاستخباراتية الوطنية” بدلاً من الآليات التقليدية ليس دليلاً على مظلومية السلطة، بل هو النتيجة الحتمية لسياسة التعتيم والإنكار التي تنتهجها الخرطوم، والتي جعلت من الاختراق الاستخباراتي الخارجي الأداة الوحيدة لتعريتها دولياً بعد أن عطلت السلطة كافة سبل التحقق المستقل.

أما الرهان البائس على معسكر تقوده روسيا والصين لتعطيل المسعى الأمريكي، فلا يمكن قراءته كصك براءة أو طوق نجاة للسلطة، بل هو إدانة صارخة لفشلها الاستراتيجي الذي اختزل الدولة السودانية إلى مجرد دمية أو ورقة مناورة في حرب بالوكالة بين القوى الكبرى. هذا المحور لن يتحرك للدفاع عن السلطة إيماناً بنزاهتها، بل سيوظف خطاياها الكيميائية وعزلتها الدولية كذخيرة سياسية لابتزاز الغرب وتصفية حساباته الخاصة، مما يترك السلطة في نهاية المطاف عارية تماماً، ومجرد بيدق مستهلك في لعبة أمم لا تملك الخرطوم أي قدرة على توجيه مسارها.

التداعيات القانونية

لعل الأساس القانوني المُستشهد به هو أن البيان يستند إلى الفقرة 1(ب) من المادة الأولى من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، التي تُجرّم استخدام الأسلحة الكيميائية بشكل مطلق دون استثناء. من الناحية القانونية، فإن إثبات الانتهاك رسميًا يتطلب عادة تحقيقًا عبر آليات الاتفاقية ذاتها (الأمانة الفنية، بعثات تقصي الحقائق) وليس فقط تقييمًا من دولة عضو واحدة، وهو ما قد يجعل الاتهام في هذه المرحلة “سياسيًا-قانونيًا” أكثر منه “قضائيًا” بالمعنى الدقيق.

العقوبات الأحادية أم الآليات الجماعية الإشارة إلى “جولة ثانية من العقوبات… وفقًا لما يقتضيه القانون الأمريكي” تُبرز أن واشنطن تتحرك عبر تشريعها الداخلي (على الأرجح قوانين مرتبطة بحظر استخدام الأسلحة الكيميائية كقانون CBW Act الأمريكي ” قانون فدرالي أمريكي يُلزم الإدارة الأمريكية بفرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية صارمة على أي دولة أجنبية يثبت استخدامها أو حيازتها للأسلحة الكيميائية أو البيولوجية في انتهاك للقانون الدولي، وليس عبر قرار جماعي ملزم من مجلس الأمن أو من منظمة حظر الأسلحة الكيميائية نفسها.

هذا يعني أن العقوبات ستبقى ذات طابع ثنائي (أمريكي-سوداني) في الأساس ما لم تتبنَّ هيئات دولية أخرى مواقف مماثلة.

هذا التعديل جوهري ويمنح التحليل واقعية سياسية وأمنية أكبر، فالخارطة التي تبدو كـ “مخرج قانوني” في ظاهر النص هي في الحقيقة “مأزق مغلق” للسلطة القائمة.

انغلاق المخرج القانوني

رغم أن البيان يطرح ظاهرياً “خارطة طريق” للعودة إلى الامتثال عبر تقديم إعلان شامل وفتح المجال للتحقق الميداني، إلا أن القراءة القانونية والواقعية تؤكد أن هذا المسار لا يمثل مخرجاً قابلاً للتطبيق أو مفيداً للسلطة في السودان، بل هو أشبه بـ “فخ دبلوماسي” محكم لسببين جوهريين ، أولهما أنه إذا أقدمت السلطة على تقديم إعلان شامل يعترف بوجود أسلحة كيميائية (لإثبات حسن النية)، فإنها تدين نفسها رسمياً وتوفر دليلاً قانونياً ودبلوماسياً على انتهاك المعاهدة واقتراف جرائم حرب، مما يعرضها لعقوبات أشد وفقدان كامل للشرعية الدولية.

وفي المقابل، إذا قدمت إعلاناً ينفي امتلاكها أو استخدامها لتلك الأسلحة، ستصنفه واشنطن فوراً كـ “إعلان خادع وغير دقيق”، مما يمنحها الذريعة لتصعيد الضغط والاتهام بالتضليل. وثانيهما إن مطالبة واشنطن بـ “وصول غير مقيد وشفاف للأمانة الفنية” لإجراء تحقق ميداني كامل، تعني عملياً فتح المنشآت والمواقع العسكرية الحساسة لفرق تفتيش دولية في وسط نزاع مسلح داخلي مستعر ومصيري. هذا الوصول يمثل انكشافاً استخباراتياً ومخاطرة أمنية كارثية لا يمكن لأي سلطة عسكرية قبولها، مما يجعل المخرج القانوني المقترح مستحيلاً عملياً وعسكرياً.

بناءً على ذلك، فإن خارطة الطريق التي يتحدث عنها البيان ليست مساراً لدرء التصعيد، بل هي أداة لحصار السلطة السودانية قانونياً، حيث تؤدي كل الخيارات المتاحة داخلها إلى تعميق الأزمة وعزل السلطة عوضاً عن إنقاذها.

كذلك إن تلميح البيان إلى رفض الآليات المحلية والمطالبة بالوصول غير المقيد قد يكون تمهيداً قانونياً لتفعيل المادة التاسعة (Article IX) من الاتفاقية، والتي تتيح لأي دولة طرف طلب “تفتيش بالتحدي” مفاجئ لأي موقع مشبوه. وفي حال رفض السودان، فإن هذا يمنح واشنطن الذريعة القانونية لنقل الملف تلقائياً إلى مجلس الأمن الدولي.

التداعيات أمام الشعب السوداني

اتهام دولة بحجم السودان باستخدام أسلحة كيميائية يمسّ بشكل مباشر صورتها أمام الرأي العام الداخلي والخارجي، ويضعها في مصاف الدول “الخارجة عن الشرعية الدولية”، بصرف النظر عن موقف الحكومة من صحة الاتهام أو نفيه.

الأثر الاقتصادي والمعيشي المحتمل للعقوبات: العقوبات الأمريكية، خاصة إذا اتسع نطاقها، غالبًا ما تنعكس بشكل غير مباشر على الاقتصاد الوطني (التحويلات المالية، التجارة، الاستثمار)، وهو ما يحمّل المواطن العادي كلفة سياسية لم يكن طرفًا مباشرًا في صنع قرارها.

وهنالك نقطة هامة تتعلق باختبار الشفافية الداخلية، حيث أن مطالبة واشنطن بإعلان شامل وتحقق ميداني تضع الحكومة السودانية أمام استحقاق داخلي أيضًا، فإما الانفتاح الكامل على التحقيق الدولي بما قد يفتح الباب لمساءلة داخلية إذا ثبتت الاتهامات، أو الاستمرار في نهج “اللجنة الوطنية” بما قد يُفسَّر داخليًا وخارجيًا كمحاولة لتجنب المساءلة، وكلا المسارين يحمل كلفة سياسية أمام الشعب السوداني الذي يتطلع أصلًا إلى استقرار ومصداقية مؤسسية بعد سنوات من الأزمات.

يعكس هذا البيان تصعيدًا واضحًا في الموقف الأمريكي تجاه السودان ضمن أروقة منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ينتقل فيه الخطاب من الإطار التقني/القانوني الصرف إلى إطار سياسي-مؤسسي يمسّ موقع السودان في هيئات الحوكمة الدولية، ويفتح البيان بابًا لتصعيد العزلة الدبلوماسية والاقتصادية.

في نهاية المطاف، يضع هذا البيان النقاط فوق الحروف ليعلن نهاية صلاحية المناورات التقليدية التي دأبت عليها السلطة في الخرطوم؛ فالحديث عن لجان وطنية داخلية أمام اتهامات دولية موثقة بتقييمات تقنية لا يعدو كونه ملهاة سياسية بائسة. إن السلطة القائمة، بوضعها في زاوية “الامتثال الانتحاري” أو “الإنكار المجرّم”، تُثبت عجزها الكامل عن إدارة ملفاتها الخارجية، وتكشف عن استعدادها للتضحية بما تبقى من شبكة الأمان الدبلوماسية والاقتصادية للبلاد في سبيل حماية منشآتها ومصالحها الضيقة.

صحيح السودان

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.