بين نيران الحروب وأمواج الهروب هكذا يدفع الإسلاميون شباب السودان إلى الهلاك

 

أسماء محمد جمعة

قبل أيام وقعت مأساة جديدة تضاف إلى سجل طويل وحافل من مآسي الهجرة غير الشرعية، حيث غرق قارب انطلق من السواحل الليبية باتجاه جزيرة كريت اليونانية، وكان يحمل 61 شابا سودانيا. ابتلع البحر معظمهم، ولم ينج منهم سوى عشرة. وبين الضحايا تسعة شباب من قرية السديرة بولاية الجزيرة، في مشهد يعيد إلى الأذهان حقيقة مؤلمة، وهي أن الشباب السوداني يفضل المخاطرة بحياته من أجل مستقبل أفضل على المخاطرة بالبقاء في السودان، حيث يقوم النظام بقتل أحلامهم وآمالهم قبل أن تولد.
ولم تعد هذه الحوادث استثناء أو أخبارا عابرة، فقد تكررت مآسي فقدان عشرات الشباب السودانيين دفعة واحدة، وأصبح من المألوف أن تحمل القوارب أحلام قرى وأحياء كاملة، ثم يعيد البحر جثث أصحابها أو لا يعيد منهم شيئا. فقد سبق وأن غرق 29 شابا من أبناء السديرة نفسها، وتسعة من أبناء العسيلات بشرق النيل، و20 شابا من القضارف، و10 من حي الوحدة بالفاشر، وأي قارب غرق في البحر المتوسط يحمل مهاجرين لا بد أن يكون من بينهم مجموعة من الشباب السودانيين من منطقة واحدة أو مناطق مختلفة.بدأت ظاهرة الهجرة غير الشرعية في التسعينيات، بعد وقوع السودان تحت حكم الحركة الإسلامية مباشرة، وتحويل البلاد إلى وطن طارد للشباب. فقد أغلقت سياسات النظام أمام الشباب كل الأبواب المؤدية إلى أحلامهم، واتبعت تجاههم سياسات قاسية جدا، فدفعت بهم إلى حرب الجنوب بالقوة أو عبر الخداع والتضليل، وجندت آخرين لخدمة مشاريعها بعد غسل عقولهم، حتى أصبحوا أداة تستخدم للإضرار بالوطن.
كثير من الأسر خافت على أبنائها من مطحنة الإسلاميين، ففضلت تهريبهم إلى ليبيا، باعتبارها الدولة التي كان يمكن دخولها دون أوراق ثبوتية، رغم أن السفر إليها كان هو الآخر مغامرة محفوفة بالمخاطر، لكنها بدت أقل قسوة من البقاء تحت وطأة نظام لا يرحم.
وبعد انفصال الجنوب والتنازل عنه دون تقدير لكل الأرواح التي أزهقت من أجل بقائه، اكتشف كثير من الشباب أنهم لم يكونوا سوى وقود لطموحات الإسلاميين الذين استخدموا شعارات الدين والوطنية لتضليلهم. وبدأت مغامرات الهجرة غير الشرعية تزداد بعد عام 2011، حتى تحولت إلى حلم لكثير من الشباب من عمر 15 سنة فأعلى، فانتعش سوق الاتجار بالبشر، وأصبح الشباب ضحايا للعصابات في ليبيا والدول المجاورة والمطلة على البحر الأبيض المتوسط.وبعد محاولة الحركة الإسلامية والجيش إجهاض ثورة ديسمبر، ثم الانقلاب على الحكومة الانتقالية، ثم إشعال الحرب ، ازدادت مغامرات هروب الشباب من المحرقة الجديدة بصورة كبيرة، وفاقت كل السنوات السابقة.
وتشير تقارير وبيانات حقوقية منشورة إلى أن عدد من فقدوا أو توفوا في طرق الهجرة غير الشرعية من السودانيين بعد الحرب أكثر من 8421 شابا. كما أن هذه الأرقام لا تشمل كل من لم يتم الإبلاغ عنهم، أو الذين ماتوا على أيدي عصابات الاتجار بالبشر، أو بسبب الظروف القاسية التي عاشوها خلال رحلات الهروب دون أن يعثر لهم على أثر.
والمحزن أن أسر هؤلاء ما زالت تنتظر اتصالا منهم يخبرونهم فيه بالوصول إلى بر الأمان الأوروبي، ويحكون لهم أهوال رحلات استغرقت أعواما، بين الوقوع في أيدي العصابات، والسجون، والهروب والاختباء، ثم ركوب البحر، وانقلاب القوارب، وصراع الأمواج، والنجاة بأعجوبة أقرب إلى المعجزة. ولا تزال كثير من الأمهات ينظرن إلى أبواب الانتظار، لا يدرين هل يأتيهن خبر الوصول، أم خبر الموت، أم لا يأتي أي خبر أبدا، فيبقين معلقات بين الأمل والخوف حتى نهاية العمر.
والأكثر إيلاما أن آلاف الشباب السودانيين الآن، وفي هذه اللحظة، يعيشون ظروفا سيئة في المدن الساحلية التي تنطلق منها قوارب الموت، ينتظرون أحد خيارين: حياة بعيدة عن السودان، أو الموت في مكان لا يترك ذكرى، ولا يسمح حتى للأحباء بزيارة قبورهم يوما.
لقد وصل السودان اليوم إلى مرحلة أصبحت فيها الحركة الإسلامية خطرا على الشباب، فسياساتها الإقصائية وصراعاتها على السلطة تدفع بالمزيد منهم نحو الهلاك، وهذا النزيف الغالي هو ما يضعف المجتمع ويترك وطنا منهكا يسهل التحكم فيه واستغلاله من قبل منظومة لم تعد ترى غير نفسها.
لذلك لن نناشد من تسببوا في هلاك الشباب أن يتوقفوا عن دفع المزيد منهم نحو هذا المصير، فهم يخشون وطنا يمتلك شبابا يحلمون، ويتطلعون، ويناضلون من أجل تحقيق أحلامهم وطموحاتهم.ولن نطلب منهم الرحمة بشعب يحتاج إلى شبابه، لأنهم يمثلون ركائز الدولة وأساس نهضتها، فمَن اختاروا طريق الوصول إلى السلطة عبر تدمير الدولة، وإهلاك الشعب، واغتيال أحلامه، لن يستجيبوا لنداءات الضمير أو صوت الإنسانية.لكننا نقول للشعب السوداني: لقد آن الأوان لوقف هذا النزيف الغالي، والعمل معا من أجل إنقاذ ما تبقى من الوطن، ومواجهة هذه المنظومة التي دفعت البلاد إلى هذا المصير.
فلا تمنحوهم مزيدا من الوقت لهلاك المزيد من الشباب. قفوا ضد الحرب، ومارسوا كل أشكال الضغط من أجل إيقافها، واعملوا على استعادة الحكم المدني، فهو الطريق الوحيد لإنقاذ الشباب السوداني  من هذا المصير المأساوي .

الراكوبة

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.