انكسار الصبر..
انكسار الصبر..
كيف أعادت الحرب صياغة الوعي السوداني تجاه مصر؟
✍🏼أحمد عثمان محمد المبارك
تتحرك تفاعلات العلاقات السودانية المصرية اليوم في مسار بالغ التعقيد والوجع، حيث يمتزج التاريخ الطويل المشترك بإفرازات واقع دموي ومأساوي يعيشه السودان، ليصيغ في النهاية شعوراً جمعياً سودانياً مثقلاً بمرارة الغبن والتوجس.
لم يعد النقد الموجه للدور المصري حكراً على النخب السياسية أو الصالونات الثقافية، بل تحول إلى وجدان شعبي عام يتغذى يومياً على مشاهدات حية لما يراه السودانيون مجحفاً بحقهم وبحق بلادهم. ويتجلى هذا الغبن بوضوح في التعامل مع مأساة اللاجئين السودانيين في مصر، فبينما كان السودانيون ينظرون إلى مصر باعتبارها العمق الانساني والامتداد الطبيعي الذي يشرع أبوابه بلا شروط في أوقات المحن، اصطدموا بواقع مغاير تماماً تمثل في فرض قيود تأشيرات صارمة، وتدابير إقامة معقدة، وحملات الترحيل والتضييق التي طالت الكثيرين.فضلاً عن خطاب الكراهية والعنصرية في مواقع التواصل الاجتماعي المصرية.
هذا التحول خلّف شعوراً عميقاً بالخذلان، وتولد لدى المواطن السوداني إحساس بأن مصر جاره تتعامل مع مأساته الإنسانية من منظور أمني واقتصادي توسعي، يفتقر إلى روح الإخاء والاتفاقيات التاريخية التي يجب أن تضمن حرية التنقل والإقامة، مما جعل الكثيرين يشعرون بأنهم يُستغلون كورقة ضغط أو عبء غير مرغوب فيه، بدلاً من كونهم أشقاء يمرون بنكبة وجودية.
يمتزج هذا الشعور بالمرارة والغبن ليتجاوز البعد الإنساني المباشر ويمتد نحو قراءة استراتيجية متوجسة للسياسات المصرية تجاه الأرض والسيادة السودانية. يسود في الوجدان الجمعي السوداني اعتقاد يزداد رسوخاً بأن القاهرة تستغل حالة السيولة السياسية الراهنة، وتفكك مؤسسات الدولة، وانهيار الاقتصاد في السودان، لتمرير أجندة سيطرة تدريجية تهدف إلى قضم أجزاء من شمال البلاد وضمان التبعية المطلقة. ويرى الكثير من السودانيين الآن أن مصر لا تسعى لتثبيت استقرار السودان كدولة قوية وندية، بل تفضل نموذجاً هَشّاً يسهل توجيهه والتحكم في قراره السياسي والاقتصادي. ويتجسد هذا التوجس في التمدد الناعم لشبكات الربط والكهرباء والاستثمارات الزراعية الحيوية في الولاية الشمالية ونهر النيل، والتي يُنظر إليها شعبياً كخطوات استباقية لفرض واقع ديموغرافي واقتصادي جديد، يمهد لسيطرة بعيدة المدى على الموارد والأراضي الخصبة لتأمين الأمن الغذائي والمائي المصري على حساب مستقبل السودان وسيادته، وهو ما يفسره الشارع السوداني على أنه احتلال مقنّع يُنفذ بأدوات ناعمة ومرحلية مستغلاً ضعف المركز في الخرطوم.
وبالنظر إلى المستقبل في ضوء هذا الاحتقان النفسي والسياسي، فإن التوقعات تشير إلى أن العلاقات بين البلدين مقبلة على مرحلة من الجفاء الشعبي والاضطراب المكتوم، وحتى لو حافظت المسارات الرسمية على مظهر من مظاهر التنسيق الدبلوماسي، فإن الغبن المتراكم في نفوس السودانيين تجاه طريقة التعامل مع أبنائهم في مصر، وتجاه ما يُفسر بأنه أطماع استراتيجية في شمال البلاد، سيشكل جداراً سميكاً من عدم الثقة يصعب هدمه في المدى المنظور.
ومن المتوقع أن يدفع هذا الشرخ الوجداني
أي حكومة وطنية
سودانية مستقبلية تُعبّر عن الإرادة الشعبية إلى مراجعة شاملة وشديدة الحذر لملفات التعاون مع مصر، ومحاولة تقليص الاعتماد عليها عبر البحث عن تحالفات إقليمية بديلة تحمي السيادة السودانية وتخلق توازناً يمنع التفرد المصري.
وفي حال استمرت القاهرة في نهجها الحالي القائم على النفعية الأمنية والاقتصادية الأحادية، فإن العلاقة قد تنزلق مستقبلاً نحو بؤر توتر صريحة، خصوصاً في مناطق التماس والحدود، حيث سيتحول أي مشروع استثماري أو تحرك مصري هناك إلى شرارة لإشعال الرفض والمقاومة الشعبية، مما يجعل مستقبل وادي النيل رهيناً بمدى قدرة صانع القرار في القاهرة على إدراك خطورة هذا الغبن السائد وتداركه قبل أن يتحول إلى قطيعة وجدانية كاملة تدفع بالبلدين نحو مسارات لا يمكن التنبؤ بعواقبها.