معادلة “البوابة المصرية”: صعود وتآكل النفوذ المصري في السودان

معادلة “البوابة المصرية”:

صعود وتآكل النفوذ المصري في السودان

الحلقة الثانية

دراسة تحليلية في نشأة النفوذ المصري في السودان، وآليات تشكله، والعوامل التي قادت إلى تآكله وإعادة تشكيله في ظل التحولات الإقليمية والحرب السودانية.

محمد الهادي

٣٠ يونيو ٢٠٢٦

تمهيد

في الحلقة الأولى، طرحت الدراسة مفهوم “معادلة البوابة المصرية” بوصفه إطاراً تحليلياً لفهم طبيعة النفوذ المصري في السودان، انطلاقاً من فرضية مفادها أن القاهرة ظلت، لعقود، القناة الأكثر تأثيراً التي أُدير عبرها جانب مهم من التفاعلات الإقليمية والدولية المرتبطة بالسودان. كما تناولت الجذور التاريخية لهذا النفوذ، والعوامل التي أسهمت في تشكله. وفي هذه الحلقة، ننتقل إلى تفسير الأساس الذي استندت إليه هذه المعادلة، من خلال قراءة مكانة السودان في العقيدة الاستراتيجية المصرية، وكيف تُرجمت هذه الرؤية إلى آليات عملية لإدارة النفوذ.

السودان في العقيدة الاستراتيجية المصرية

احتل السودان موقعاً مركزياً في التفكير الاستراتيجي المصري منذ نشأة الدولة المصرية الحديثة، وترسخ هذا الموقع لاحقاً ضمن العقيدة الاستراتيجية المصرية، كأحد أهم دوائر العمق الأمني المباشر، ليس فقط بحكم الجغرافيا وحدود التماس الممتدة لأكثر من ألف كيلومتر، وإنما أيضاً بحكم تشابك عناصر حيوية تتعلق بالمياه، والأمن الحدودي، والامتداد الاجتماعي، والتوازنات الإقليمية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ومن هذا المنظور، ففي التفكير الاستراتيجي المصري لم يُنظر إلى السودان تاريخياً بوصفه دولة مجاورة فقط، وإنما بوصفه جزءاً من نطاق الأمن القومي الممتد جنوباً، حيث تتداخل اعتبارات الاستقرار الداخلي المصري مع طبيعة النظام السياسي في الخرطوم واتجاهاته الخارجية.

غير أن أهمية السودان في هذه العقيدة لا تقتصر على البعد الدفاعي أو الأمني، إذ تمتد إلى بعد جيوسياسي أكثر تعقيداً، يتمثل في كونه أحد أكبر الأحواض الطبيعية للموارد في الإقليم. فالسودان يمتلك واحداً من أكبر المخزونات غير المستغلة من الأراضي الصالحة للزراعة في أفريقيا، إلى جانب وفرة معتبرة في الموارد المائية المتجددة عبر النيل وروافده، فضلاً عن تنوع واسع في الثروة الحيوانية والغابية، واحتياطيات مهمة من المعادن، وفي مقدمتها الذهب والمعادن الصناعية الأخرى. كما يمثل السودان حلقة وصل جغرافية بين شمال إفريقيا ووسطها والقرن الإفريقي، ويطل على البحر الأحمر، الأمر الذي يضاعف من قيمته الجيوسياسية.

هذا التكوين يجعل السودان، إلى جانب كونه مجالاً حيوياً للأمن، فضاءً اقتصادياً مستقبلياً عالي القيمة، ترتبط قدرته على التأثير في معادلات الأمن الغذائي والطاقة والتجارة الإقليمية بمدى انخراطه في شبكات استثمار وتكامل إقليمي. ومن هنا، فإن الحفاظ على موقع مؤثر في إدارة هذا الفائض الجيوسياسي عبر “البوابة المصرية” أو التأثير في أدوات استغلاله ينعكس على الاقتصاد المصري، ويمنح القاهرة وزناً تفاوضياً إضافياً في محيطها العربي والأفريقي والدولي.

وبهذا المعنى، فإن “معادلة البوابة المصرية” لا يمكن اختزالها في كونها أداة نفوذ سياسي تقليدية، فهي تمثل ترجمة عملية لعقيدة استراتيجية، ترى في السودان مجالاً مزدوج الوظيفة: وظيفة أمنية تتعلق بحماية الحدود ومصادر المياه، ووظيفة اقتصادية-جيوسياسية تتعلق بإدارة مورد استراتيجي ضخم في بيئة إقليمية شديدة التنافس.

ومن ثم، فإن مركزية السودان في هذه العقيدة لا تنبع من اعتبارات ظرفية أو تحولات سياسية مؤقتة، ولكن من تصور استراتيجي مستقر داخل دوائر صنع القرار المصري، ربط تاريخياً بين أمن الدولة المصرية واستقرار الجنوب، وبين مكانتها الإقليمية وقدرتها على التأثير في اتجاهات الموارد والاستثمارات العابرة للحدود.

لهذا فالنفوذ المصري في السودان لم يتشكل على أساس علاقات حسن جوار، ولا مجرد انعكاس للروابط التاريخية بين البلدين، وذلك لكونه جزءاً من تصور استراتيجي أوسع لمكانة مصر الإقليمية وأمنها القومي. ومن ثم، فإن أي تحول في طبيعة السلطة السودانية، أو في شبكة علاقاتها الخارجية، أو في موازين النفوذ داخل السودان، لا يُنظر إليه في القاهرة باعتباره شأناً داخلياً سودانياً، ولكن بوصفه متغيراً قد يعيد ترتيب البيئة الاستراتيجية المحيطة بالدولة المصرية وأمنها. ومن هذه الزاوية يمكن فهم سعي القاهرة، عبر مراحل مختلفة، إلى الحفاظ على موقعها بوصفها “البوابة” الرئيسية التي تُدار عبرها العلاقات الإقليمية مع السودان.

وإذا كانت العقيدة الاستراتيجية تفسر لماذا احتل السودان هذه المكانة في التفكير المصري، فإن السؤال التالي هو: كيف تُرجمت هذه العقيدة إلى آلية عملية لإدارة النفوذ؟

“البوابة المصرية”… كيف تشكلت معادلة إدارة السودان إقليمياً؟

لفترة طويلة، سادت في الإقليم معادلة غير معلنة مفادها أن الوصول إلى السودان، خصوصاً فيما يتعلق بالملفات الأمنية والعسكرية والاقتصادية الحساسة، غالباً ما كان يمر عبر البوابة المصرية. وكانت الاستثمارات الكبرى، والتنسيق الأمني، وحتى بعض المبادرات السياسية، تُدار في كثير من الأحيان بتشاور وثيق مع مصر أو عبرها.

وقد انعكس ذلك، على سبيل المثال، في اعتماد العديد من الدول الخليجية على التنسيق مع القاهرة خلال فترات مختلفة من العقود السابقة عند إطلاق مبادرات أو استثمارات تتعلق بالسودان، وفي استمرار قنوات التعاون العسكري بين الخرطوم وشركائها عبر علاقاتها المؤسسية مع المؤسسة العسكرية المصرية. فقد كان العديد من دول الخليج وبعض القوى الإقليمية تنظر إلى القاهرة باعتبارها الطرف الأكثر قدرة على فهم تعقيدات المشهد السوداني، والأقدر على ضمان مصالحها أو التوسط مع السلطة في الخرطوم.

وقد عززت هذه المعادلة عوامل عديدة، أبرزها التشابك الجغرافي، والروابط التاريخية، والدور الذي لعبته المؤسسة العسكرية المصرية في بناء علاقات ممتدة مع نظيرتها السودانية، إلى جانب اعتماد عدد من الأنظمة السودانية المتعاقبة على القاهرة كحليف إقليمي رئيسي.

غير أن هذه المعادلة لم تكن ثابتة، إذ بدأت تتعرض لتغيرات تدريجية مع التحولات التي شهدها السودان والإقليم، وهو ما تتناوله الحلقة القادمة، التي تبحث في آليات عمل “البوابة المصرية” وكيف بدأت عوامل تآكلها في الظهور.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.