مصر والمنطق الاستعماري: هل تعيد قوة إقليمية إنتاج النموذج الأوروبي في السودان؟
بقلم: خالد كودي
مقدمة
لم يكن الاستعمار الأوروبي لأفريقيا مجرد احتلال عسكري للأرض، بل كان منظومة متكاملة جمعت بين القوة، والاقتصاد، والثقافة، وإنتاج المعرفة، وصناعة صورة دونية للشعوب المستعمَرة. فقد قامت الإمبراطوريات الحديثة، منذ عصر الكشوف الجغرافية، على فرضية خطيرة مفادها أن الدولة الأقوى تملك حقًا ضمنيًا في التوسع، والسيطرة على الموارد، وإعادة تشكيل المجال السياسي والاقتصادي للشعوب الأضعف بما يخدم مصالحها.
لكن انتهاء الاستعمار المباشر في القرن العشرين لم يؤدِ بالضرورة إلى نهاية هذا المنطق. فقد أوضح مفكرون مثل كوامي نكروما، ووالتر رودني، وسمير أمين، وفرانتز فانون، وإدوارد سعيد، أن الاستعمار قد يغادر الأرض، لكنه يترك وراءه بنية فكرية واقتصادية تسمح باستمرار الهيمنة دون احتلال مباشر. فبدل الجيوش والمستعمرات الرسمية، تظهر السيطرة عبر الاقتصاد، والحدود، والأسواق، والنخب المحلية، والخطاب الأمني، وصناعة صورة الآخر باعتباره عاجزًا عن إدارة نفسه وموارده.
ينطلق هذا المقال من سؤال مركزي: هل يمكن لدولة إقليمية حديثة أن تعيد إنتاج المنطق الذي مارسته أوروبا تجاه أفريقيا؟ وبصيغة أكثر تحديدًا: هل يمكن قراءة بعض جوانب العلاقة المصرية–السودانية، تاريخيًا ومعاصرًا، بوصفها محاولة لإعادة إنتاج علاقة مركز بطرف، حيث يُنظر إلى السودان باعتباره حديقة خلفية، ومجالًا حيويًا، ومصدرًا للموارد، وامتدادًا للمصالح الأمنية والاقتصادية المصرية؟
لا يدّعي هذا المقال أن مصر نسخة مطابقة للإمبراطوريات الأوروبية، ولا أن التاريخ يعيد نفسه حرفيًا، ومصر بدورها دولة فقيرة مغلوب علي امرها. لكنه يطرح فرضية تحليلية مفادها أن المنطق الاستعماري ليس حكرًا على أوروبا؛ بل هو نمط في ممارسة القوة يمكن أن يظهر كلما اجتمعت ثلاثة عناصر: تفوق عسكري أو سياسي، تصور للدولة المجاورة باعتبارها مجالًا تابعًا، واعتقاد بأن السيطرة على مواردها أو قرارها يمكن تبريره باسم الأمن أو التاريخ أو الضرورة الاستراتيجية.
أولاً: الحملة التركية–المصرية وبدايات الدولة الاستعمارية في السودان
يرى مؤرخو السودان الحديث، وفي مقدمتهم P. M. Holt وM. W. Daly وRichard Hill أن الحملة التركية–المصرية على السودان عام 1820–1821 لم تكن مجرد حملة لتأمين الحدود الجنوبية لمصر، بل كانت مشروعًا توسعيًا ارتبط ببناء دولة محمد علي العسكرية الحديثة. فقد استهدفت الحملة السيطرة على الذهب، وتأمين موارد مالية جديدة، وتجنيد السودانيين في الجيش، وإحكام السيطرة على طرق التجارة، والاستفادة من تجارة الرقيق التي كانت جزءًا من اقتصاد ذلك العصر.
وبذلك أُدمج السودان في منظومة سياسية واقتصادية جعلت موارده البشرية والطبيعية رافدًا للدولة المركزية في مصر. ورغم أن العلاقات المصرية–السودانية شهدت لاحقًا مراحل من التعاون والتداخل الاجتماعي والثقافي، فإن تلك المرحلة التأسيسية تظل مفتاحًا لفهم أنماط الهيمنة وإدارة الموارد التي طبعت جانبًا مهمًا من العلاقة بين البلدين.
منذ ذلك التاريخ، لم يكن السودان يُرى دائمًا بوصفه شريكًا متكافئًا، بل ظهر في المخيال السياسي للدولة القادمة من الشمال باعتباره عمقًا استراتيجيًا، ومصدرًا للرجال، والثروة، والأرض، والمياه، والمعادن. وهذا هو المدخل التاريخي الضروري لفهم كيف يمكن لمنطق استعماري قديم أن يعيد إنتاج نفسه في صور حديثة.
ثانياً: من الكشوف الجغرافية إلى فلسفة السيطرة
لم تكن الكشوف الجغرافية الأوروبية، منذ أواخر القرن الخامس عشر، مجرد رحلات بحرية لاكتشاف المجهول، كما صورتها السرديات الأوروبية التقليدية. فقد تزامنت مع صعود الرأسمالية التجارية، ونمو الدولة القومية، وتزايد الحاجة إلى السيطرة على طرق التجارة العالمية ومصادر الثروة خارج أوروبا.
يرى فرناند بروديل أن توسع أوروبا لم يكن مدفوعًا بالفضول العلمي وحده، بل كان جزءًا من مشروع اقتصادي عالمي لإعادة تنظيم التجارة الدولية بما يخدم تراكم رأس المال الأوروبي. أما إيمانويل والرشتاين، في نظريته عن النظام العالمي الحديث، فقد أوضح أن الاقتصاد العالمي منذ القرن السادس عشر انقسم إلى مركز يحتكر الصناعة والتكنولوجيا والتمويل، وهامش/أطراف تُختزل وظيفتها في توفير المواد الخام واليد العاملة الرخيصة واستهلاك المنتجات المصنعة.
في هذا التقسيم، لم تُدمج أفريقيا في النظام العالمي الحديث بوصفها شريكًا متكافئًا، بل جرى إلحاقها به بوصفها خزانًا للذهب، والعاج، والقطن، والمطاط، والمعادن، والعمالة المستعبدة. ومن هنا تأسست علاقة بنيوية غير عادلة تقوم على انتقال الثروة والقيمة المضافة من الأطراف إلى المركز، بينما تُترك المجتمعات الأفريقية في موقع المنتج للمواد الخام والمستهلك للسلع المصنعة.
وتندرج العلاقة المصرية–السودانية، في جانبها المتعلق بالموارد والنفوذ والمجال الاستراتيجي، ضمن هذا المنطق نفسه؛ إذ ظل السودان يُعامل، تاريخيًا ومعاصرًا، لا بوصفه شريكًا كامل السيادة، بل بوصفه مجالًا حيويًا ومصدرًا للثروة والموارد التي تسعى الدولة الأقوى- مصر- إلى توظيفها لخدمة مصالحها الأمنية والاقتصادية.
ثالثاً: الاقتصاد السياسي للاستعمار
لا يمكن فهم الاستعمار الأوروبي بمعزل عن التحولات الكبرى التي شهدها الاقتصاد العالمي منذ القرن السادس عشر. فمع اتساع الكشوف الجغرافية الأوروبية، ثم تسارع الثورة الصناعية بين أواخر القرن الثامن عشر ومنتصف القرن التاسع عشر، أصبحت أوروبا بحاجة متزايدة إلى رأس المال، والمواد الخام، والأسواق الخارجية، واليد العاملة الرخيصة. وقد أدى هذا التحول إلى إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي وفق تقسيم دولي للعمل، أصبحت فيه المستعمرات تؤدي وظائف محددة تخدم نمو الرأسمالية الصناعية الأوروبية.
ولم تعد المستعمرات مجرد أراضٍ خاضعة للسيطرة السياسية، بل تحولت إلى أربعة أعمدة رئيسية للاقتصاد الإمبراطوري: أولًا، مصدر للمواد الخام كالذهب، والقطن، والعاج، والمطاط، والمعادن، والمنتجات الزراعية؛ ثانيًا، مصدر للعمالة القسرية عبر تجارة الرقيق التي مثلت أحد أكبر عمليات نقل البشر في التاريخ؛ ثالثًا، أسواق مفتوحة لتصريف السلع المصنعة في المصانع الأوروبية؛ ورابعًا، فضاءات للاستثمار والتوسع الاستراتيجي والسيطرة على طرق التجارة العالمية. وقد تُوِّج هذا المشروع سياسيًا خلال مؤتمر برلين حين اقتسمت القوى الأوروبية معظم أفريقيا لضمان استمرار تدفق الموارد والثروة نحو المراكز الصناعية.
ولم تكن تجارة الرقيق مجرد ممارسة إنسانية مأساوية، بل كانت جزءًا أساسيًا من النظام الاقتصادي العالمي الناشئ. فمنذ القرن السادس عشر وحتى القرن التاسع عشر، اقتُلع ملايين الأفارقة بمن فيهم السودانيين من مجتمعاتهم، ونُقلوا قسرًا عبر Erick Williams المحيط الأطلسي للعمل في مزارع السكر والقطن والتبغ والبن في الأميركتين والكاريبي. وقد بين
في كتابه الرأسمالية والعبودية أن الأرباح الهائلة الناتجة عن تجارة الرقيق والاقتصاد القائم عليها أسهمت بصورة مباشرة في تمويل الثورة الصناعية البريطانية، بينما أوضح Walter Rodney و Joseph Inikori أن استنزاف أفريقيا من ملايين الشباب المنتجين أدى إلى إضعاف اقتصاداتها وتعطيل تطورها الديموغرافي والاجتماعي والاقتصادي لقرون. مهم الإشارة الي ان الملايين من المسترقين السودانيين قد نقلوا الي مصر او الي الجزيرة العربية.
وصف كارل ماكس هذه العملية بأنها جزء من التراكم الأولي لرأس المال، حيث تحولت الغزوات، ونهب الأراضي، والعبودية، والاستيلاء على الموارد، إلى أدوات لتأسيس الرأسمالية الأوروبية. أما فلاديمير لينين فقد راي في الامبريالية
أعلى مراحل الرأسمالية، حين تجاوزت الدول الصناعية حدودها بحثًا عن المواد الخام، والأسواق، ومجالات الاستثمار، والنفوذ السياسي والعسكري.
ولم يكن هذا النظام مجرد تبادل تجاري غير متكافئ، بل إعادةً هيكلية للاقتصاد العالمي احتكرت فيها أوروبا الصناعة، والتكنولوجيا، والتمويل، والقيمة المضافة، بينما اختُزلت أفريقيا في دور المورد الدائم للذهب، والقطن، والمعادن، والمنتجات الزراعية، والعمالة المستعبدة. فكانت المواد الخام تُستخرج من أفريقيا، وتُنقل إلى المراكز الصناعية الأوروبية، ثم تعود إلى الأسواق الأفريقية في صورة منتجات مصنعة مرتفعة القيمة، بينما تتراكم الثروة والمعرفة الصناعية ورأس المال في المركز، ويظل الطرف الأفريقي أسير اقتصادٍ استخراجي تابع.
ويرى هذا المقال أن هذا المنطق الاستعماري لم ينتهِ بانسحاب القوى الأوروبية من أفريقيا، بل أعادت بعض القوى الإقليمية إنتاجه بأدوات مختلفة. وفي هذا السياق، يجادل المقال بأن مصر تحاول ان تؤدي اليوم، في علاقتها بالسودان، دورًا يماثل في بنيته الاقتصادية والسياسية الدور الذي أدته القوى الاستعمارية الأوروبية تجاه أفريقيا؛ إذ يُنظر إلى السودان بوصفه مصدرًا للذهب، والمنتجات الزراعية، والثروة الحيوانية، والموارد الطبيعية، وعمقًا جيوسياسيًا يخدم المصالح المصرية، بينما لا تتجه العلاقة نحو بناء قاعدة صناعية سودانية مستقلة أو شراكة تنموية متكافئة. ووفق هذه القراءة، فإن السودان يُدفع إلى البقاء في موقع المنتج للمواد الخام، في حين تتركز عمليات التصنيع، والقيمة المضافة، والعوائد الاقتصادية خارج حدوده، وهو ما يعيد إنتاج البنية نفسها التي قام عليها الاقتصاد الاستعماري الأوروبي، وإن اختلفت السياقات التاريخية والوسائل المستخدمة.
وفي كتابه كيف خلفت أوروبا أفريقيا، يقدم والتر رودني أحد أكثر التفسيرات عمقًا لهذه العملية، مؤكدًا أن أوروبا لم تجد أفريقيا قارة متخلفة، بل ساهمت بصورة منهجية في إنتاج هذا التخلف. فقد أدى الاستعمار إلى تفكيك الاقتصادات المحلية، وتعطيل الصناعات والحرف الوطنية، واستنزاف الموارد البشرية عبر تجارة الرقيق، وربط الاقتصادات الأفريقية قسرًا بالنظام الرأسمالي العالمي بوصفها اقتصادات استخراجية تعتمد على تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات المصنعة. ومن ثم، فإن التخلف، في نظر رودني، لم يكن نتيجة لعجز داخلي، بل ثمرة علاقة تاريخية غير متكافئة بين مركز راكم الثروة الصناعية، وأطراف حُرمت من شروط تطورها الذاتي.
وتشكل هذه البنية الاقتصادية، القائمة على استخراج الثروة والموارد البشرية والطبيعية من الأطراف وإعادة تركيزها في المركز، الأساس النظري لفهم استمرار أنماط الهيمنة بعد نهاية الاستعمار التقليدي. فما تغير في كثير من الحالات لم يكن المنطق، بل أدواته؛ إذ حلت التبعية الاقتصادية، والسيطرة على الموارد، والنفوذ السياسي محل الاحتلال العسكري المباشر، بينما بقي الهدف الأساسي هو نفسه: ضمان تدفق الثروة من الأطراف إلى المركز
رابعاً: الاستعمار الجديد
بعد الاستقلال السياسي، لم تختفِ الهيمنة، بل تغيرت أدواتها. وقد كان كوامي نكروما من أوائل من صاغوا مفهوم الاستعمار الجديد، موضحًا أن الدولة قد تكون مستقلة قانونيًا، لكنها تظل خاضعة اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا لقوى خارجية تتحكم في مواردها وقرارها. ويتقاطع هذا التحليل مع سمير أمين، الذي رأى أن النظام الرأسمالي العالمي يقوم على تبادل غير متكافئ بين مركز يحتكر التكنولوجيا والتصنيع ورأس المال، وأطراف تُجبر على تصدير المواد الخام واستيراد السلع المصنعة. أما أندريه غوندر فرانك وفرناندو كاردوسو، فقد أوضحا في نظرية التبعية أن التخلف ليس مرحلة تسبق التنمية، بل نتيجة مباشرة لعلاقة غير متكافئة مع المركز.
ومن هذا المنظور، لا يُعرَّف الاستعمار الجديد بوجود جندي أجنبي داخل الحدود، بل بوجود منظومة تسيطر على الموارد، وتفرض التبعية، وتدعم نخبًا محلية موالية، وتستخدم خطاب الأمن القومي والاستقرار الإقليمي لتبرير النفوذ. والسؤال هنا ليس: هل توجد قوات احتلال؟ بل: من يملك القرار؟ من يستخرج الموارد؟ من يصنع؟ من يربح؟ ومن يملك حق تعريف الأمن والمصلحة؟