المثلث المصري، بحسب دوائر التفكير الاستراتيجي المصرية
بعد جبل عيقاد… هل تتكشف ملامح المجال الحيوي المصري في السودان؟
محمد الهادي
٢٥ يونيو ٢٠٢٦
لفهم التحركات المصرية الأخيرة في شمال السودان، وما رافقها من عمليات عسكرية وتوغلات برية، لا يكفي النظر إليها باعتبارها استجابة آنية لظروف الحرب السودانية وتطوراتها، ولكن ينبغي أن نضعها في سياقها الجيوسياسي الأوسع. فهذه التحركات تحمل سمات متشابهة مع النهج الذي اتبعته القاهرة في مثلث حلايب، حيث بدأ الحضور المصري بخطوات أمنية وعسكرية محدودة، قبل أن يتطور تدريجياً إلى فرض واقع ميداني وإداري رسخ سيطرة الأمر الواقع. ومن هذا المنظور، تبرز الحاجة إلى قراءة ما يجري اليوم باعتباره جزءاً من رؤية استراتيجية أوسع تتجاوز الاعتبارات العسكرية المباشرة، لتشمل الأمن القومي، والأمن المائي، والموارد المعدنية، والإمكانات الزراعية، وحتى البعد التاريخي والحضاري لشمال السودان. وفي هذا السياق، كشف مصدر مطلع على الملفات الجيوسياسية في المنطقة، عن تصور قال إنه ظل حاضراً بقوة في بعض دوائر التفكير الاستراتيجي المصرية، ويمكن أن يفسر جانباً من هذه التحركات المتدرجة.
من حلايب إلى جبل عقيدات:
هل يتكرر السيناريو؟
في أعقاب الغارة الجوية المصرية التي استهدفت المعدنين السودانيين في منطقة جبل عقيدات شمال السودان، توغلت قوات برية مصرية عبر عدة محاور داخل الأراضي السودانية، ووصلت إلى عمق يُقدَّر بنحو 50 كيلومتراً جنوب خط عرض 22 شمالاً، وفقاً لمصادر من المعدنين السودانيين، كما أظهرت مقاطع فيديو موثقة عمليات التوغل.
شكّلت محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995 نقطة تحول في العلاقات السودانية المصرية. فبينما وُجِّهت الاتهامات إلى نظام الإنقاذ بدعم منفذي العملية، وجدت القاهرة في الحادثة فرصة لتعزيز موقفها السياسي والأمني تجاه الخرطوم. وفي هذا السياق، انتقلت مصر من إدارة النزاع حول مثلث حلايب ضمن حالة من الخلاف القانوني والسياسي إلى فرض سيطرة فعلية على المنطقة، مستفيدة من عزلة السودان الدولية آنذاك وتراجع قدرته على المواجهة. ومنذ ذلك الحين، رسّخت القاهرة وجودها الإداري والأمني في المثلث، بما حوّل النزاع من خلاف حدودي قابل للتفاوض إلى واقع ميداني فرضته موازين القوى.
ومنذ ذلك التاريخ، لم يعد السؤال متعلقاً بحلايب وحدها، وإنما بما إذا كان هذا المسلك المصري في إدارة الحدود يمكن أن يتكرر في مناطق أخرى كلما توفرت الظروف السياسية والعسكرية المناسبة.
عسكرياً فرضت القوات المسلحة المصرية سيطرة عسكرية مطلقة على مثلث حلايب منذ عام 1995 من خلال تحركات ميدانية صعدت من الدوريات المشتركة إلى المواجهات المباشرة، وتدشين تحصينات خرسانية ونقاط تفتيش عسكرية، وتطورت هذه الإجراءات إلى إغلاق كامل للمنافذ، وفرض نظام تصاريح أمنية، ونشر زوارق بحرية، مما أدى إلى انسحاب القوات السودانية بالكامل بحلول عام 2000 وتثبيت الواقع الأمني المصري ميدانياً، وفقاً للتطورات العسكرية بين عامي 1995 و2018.
وقد عكست هذه الإجراءات توجهاً مصرياً يقوم على فرض وقائع ميدانية متدرجة، مستفيداً من تراجع الحضور السيادي السوداني في المنطقة. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى التوغل البري الأخير، الذي أعقب استهداف المعدنين السودانيين في جبل عقيدات، باعتباره حلقة جديدة في سياسة توسُعية تتجاوز حدود المثلث المتنازع عليه، وتؤشر إلى محاولة إعادة رسم خطوط السيطرة الفعلية على الأرض عبر فرض أمر واقع جديد كلما أتيحت الظروف السياسية أو الأمنية المناسبة.
المثلث المصري في السودان
وفي خضم البحث عن تفسير للتحركات المصرية المتسارعة داخل الأراضي السودانية مؤخراً، كشف مصدر مطلع على الملفات الجيوسياسية في منطقة شمال إفريقيا والبحر الأحمر والقرن الإفريقي عن تصور قال إنه ظل حاضراً في بعض دوائر التفكير الاستراتيجي المصرية، ويُعرف -بحسب وصفه- بـ”المثلث المصري في السودان”. ووفقاً للمصدر، فإن قاعدة هذا المثلث تمتد على طول خط عرض 22 شمالاً، بينما تتوزع رؤوسه الثلاثة بين حلايب شرقاً، ومدينة شندي جنوباً، وجبل عوينات غرباً. وتبلغ مساحة هذا المثلث نحو 363 ألف كيلو متر تقريبا، أي ما يقارب خمس مساحة السودان الحالية (نحو 19%)، وتعادل (نحو 36%) من مساحة مصر، أي أكثر من ثلث مساحتها.
ويشير المصدر إلى أن هذه الرقعة يُنظر إليها باعتبارها ذات أهمية استثنائية، ليس فقط لاعتبارات الأمن القومي، وإنما أيضاً لما تختزنه من أبعاد اقتصادية وجيوسياسية وتاريخية. وإذا صحت هذه القراءة، فإنها قد تفسر جانباً من التحركات المصرية المتدرجة في شمال السودان، بوصفها حلقات ضمن رؤية استراتيجية أوسع، وليست استجابات ظرفية لتطورات أمنية مؤقتة.
سد مروي والأمن المائي المصري
ويذهب المصدر إلى أن الأهمية الحقيقية لهذا المثلث الجغرافي تنبع من دوره في معادلة الأمن القومي والأمن المائي المصري. فمن الناحية الأمنية، يصفه بأنه يمثل “الحزام الجنوبي” الذي تسعى القاهرة إلى تأمينه باعتباره عمقاً استراتيجياً يحد من أي تهديدات محتملة قد تنطلق من الأراضي السودانية.
أما من الناحية المائية، فيرى المصدر أن سد مروي يحتل موقعاً محورياً في الحسابات المصرية، إلى درجة أنه يصفه بأنه “مشروع مصري بامتياز”، ليس من حيث الملكية، وإنما من حيث القيمة الاستراتيجية التي يمثلها لمصر.
((يقع سد مروي على مجرى نهر النيل في الولاية الشمالية بالسودان، على بعد نحو 350 كيلومتراً شمال العاصمة الخرطوم، بالقرب من منطقة الحامداب. وتبلغ إحداثياته التقريبية 18.674° شمالاً و32.062° شرقاً. ويُعد أكبر مشروع كهرومائي في السودان، كما يحتل موقعاً استراتيجياً في منتصف الممر النيلي بين الخرطوم والحدود المصرية، الأمر الذي يمنحه أهمية تتجاوز إنتاج الكهرباء إلى دوره في تنظيم تدفقات المياه وإدارة الموارد المائية، فضلاً عن موقعه المحوري في معادلات الأمن والتنمية في شمال السودان)).
ويشرح المصدر أن منظومة إدارة مياه النيل تعتمد على تنسيق وثيق بين السد العالي والخزانات السودانية، وعلى رأسها الرصيرص وسنار وجبل أولياء، إذ تُدار جميعها وفق فلسفة تشغيل متكاملة تضمن استقرار تدفقات المياه إلى مصر. وفي حال تعطل هذا التنسيق لأي سبب سياسي أو عسكري، فإن قدرة القاهرة على تشغيل السد العالي بالكفاءة المطلوبة للتحكم في منسوب النيل ستتأثر بصورة مباشرة. ومن هذا المنطلق، يرى المصدر أن سد مروي يمثل “صمام أمان” إضافياً لمنظومة الأمن المائي المصري، وهو ما يفسر، بحسب تقديره، الاهتمام المصري الخاص بمطار مروي وقاعدته الجوية باعتبار أنهما يوفران القدرة على حماية هذا الموقع الاستراتيجي.
ويستدل المصدر على هذه القراءة بأن القاهرة لم تُبدِ اعتراضاً يُذكر على إنشاء سد مروي خلال جميع مراحله، خلافاً للموقف الذي اتخذته تجاه سد النهضة الإثيوبي، حيث عارضت المشروع منذ مراحله الأولى واعتبرته مهدداً مباشراً لأمنها المائي. ويرى أن هذا التباين في الموقف يعكس اختلافاً واضحاً في التقييم الاستراتيجي للمشروعين؛ فبينما اعتُبر سد النهضة تحدياً لمعادلة إدارة مياه النيل بالنسبة لمصر، نظر صانع القرار المصري إلى سد مروي، وفقاً للمصدر، باعتباره عنصراً يمكن توظيفه ضمن منظومة الأمن المائي الإقليمي، وليس تهديداً لها.
الزراعة والأمن الغذائي المصري:
قيمة منعطف النيل العظيم
ويضيف المصدر أن أهمية هذا المثلث لا تقتصر على الاعتبارات الأمنية والمائية، بل تمتد إلى البعد الزراعي والغذائي. فداخل هذه الرقعة ينحني مجرى النيل عند مدينة أبو حمد متجهاً نحو الجنوب، مكوّناً ما يشبه شبه جزيرة واسعة تحيط بها المياه من ثلاث جهات. ويرى المصدر أن هذه الخصائص الجغرافية تمنح المنطقة إمكانات استثنائية لإنشاء مشروعات زراعية مروية على نطاق واسع، عبر تغذيتها بقنوات ري تنطلق من بحيرة سد مروي. ووفقاً لتقديره، فإن تطوير هذه المنطقة يمكن أن يحولها إلى واحدة من أكبر الأحواض الزراعية في وادي النيل، بما يجعلها ذات قيمة استراتيجية لمصر في إطار سعيها طويل الأمد لتعزيز أمنها الغذائي، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على الأراضي الزراعية والموارد المائية داخل الحدود المصرية.
وتنسجم هذه القراءة مع سلسلة من المبادرات التي طُرحت رسمياً خلال الفترة بين عامي 2008 و2013 تحت عنوان التكامل الزراعي بين مصر والسودان. فقد أعلنت وزارة الزراعة المصرية عام 2011 عن خطة لاستصلاح وزراعة نحو 1.25 مليون فدان في خمس ولايات سودانية، مع استيعاب ما يقارب 1.25 مليون مواطن مصري عبر تخصيص خمسة أفدنة لكل أسرة. وفي الفترة نفسها، تداولت وسائل إعلام مصرية وسودانية تصريحات منسوبة للرئيس السوداني الأسبق عمر البشير تضمنت ترحيباً باستقدام أعداد كبيرة من المصريين للعمل والاستقرار الزراعي في السودان، كما طُرحت قبل ذلك مبادرات تتحدث عن استقدام ملايين الفلاحين المصريين إلى مشروع الجزيرة، إلى جانب تخصيص مساحات واسعة من الأراضي الزراعية للاستثمار المصري. ورغم أن معظم هذه المشروعات لم يُنفذ بسبب الاضطرابات السياسية والتحديات التمويلية والبنية التحتية، فإنها تعكس أن فكرة توظيف الأراضي الزراعية السودانية ضمن معادلات الأمن الغذائي المصري تحتل موقعاً هاماً في التفكير الاستراتيجي المصري، وقد ظهرت في أكثر من مبادرة رسمية خلال العقدين الماضيين، وهو ما يضفي بعداً إضافياً على القراءة التي يقدمها المصدر بشأن الأهمية الاستراتيجية لشمال السودان.
التقديرات الجغرافية للانحناءة الكبرى للنيل (من شندي، أبو حمد، الدبة)، وهي المنطقة التي تُعرف أحياناً بمنعطف النيل العظيم (Great Bend of the Nile)، تشير إلى أن مساحتها تقدر بنحو 165 ألف كيلومتر مربع. وهذه المساحة تعادل تقريباً 16% من مساحة مصر، ونحو 9% من مساحة السودان الحالية.
الذهب: البعد الاقتصادي للمثلث
ويعزز البعد الاقتصادي لهذا المثلث ما تختزنه أراضيه من ثروات معدنية هائلة، إذ يضم عدداً من أكبر وأهم مناطق وأسواق التعدين الأهلي والمنظم في السودان، وفي مقدمتها أسواق العبيدية، وأبو حمد، ونوراي، إلى جانب عشرات المناجم ومناطق الامتياز الغنية بالذهب والمعادن المصاحبة. وتنتشر هذه المواقع عبر ولايات نهر النيل، والبحر الأحمر، والشمالية، بما يجعل المنطقة واحدة من أهم أحزمة إنتاج الذهب في السودان، ويضفي عليها قيمة استراتيجية تتجاوز الاعتبارات الأمنية والمائية، لتشمل التحكم في أحد أبرز الموارد الاقتصادية التي يعتمد عليها الاقتصاد السوداني.
وإذا كانت المياه والزراعة تمثلان أحد أبعاد القيمة الاستراتيجية للمثلث، فإن الثروات المعدنية تمثل بعده الاقتصادي الأكثر مباشرة.
أبرز مواقع التعدين الواقعة داخل نطاق المثلث (على سبيل المثال لا الحصر):
الموقع الولاية
سوق العبيدية نهر النيل
سوق أبو حمد نهر النيل
سوق دار مالي نهر النيل
وادي العشار نهر النيل/البحر الأحمر
سوق نوراي البحر الأحمر
جبال النمر البحر الأحمر
الأنصاري البحر الأحمر
أوني البحر الأحمر
النابع البحر الأحمر
جبل عقيدات البحر الأحمر
سوق القعب الشمالية
دلقو المحس الشمالية
ويشير هذا الانتشار الكثيف لمراكز التعدين إلى أن أي قراءة جيواستراتيجية لشمال السودان لا يمكن أن تقتصر على اعتبارات الحدود أو الأمن المائي، وينبغي أن تأخذ في الحسبان أيضاً القيمة الاقتصادية الهائلة للمنطقة، باعتبارها أحد أهم أحواض الذهب في السودان.
البعد الحضاري والتاريخي
ويضيف المصدر أن هذا المثلث يكتسب بعداً استراتيجياً آخر لا يقل أهمية، يتمثل في إرثه الحضاري والثقافي. فالمنطقة تضم عدداً كبيراً من مواقع الحضارات السودانية القديمة، وتزخر بالآثار والشواهد الأركيولوجية التي تعود إلى آلاف السنين. ويشير المصدر إلى أعمال عالم الآثار السويسري شارلي بونيه (Charles Bonnet)، الذي أسهمت اكتشافاته في منطقة كرمة وشمال السودان في إعادة قراءة تاريخ وادي النيل، وأكد أن الحضارة السودانية القديمة كانت من أقدم الحضارات في المنطقة، وأن جذورها تمتد إلى عصور سحيقة، مع وجود شواهد أثرية في شمال السودان يعود بعضها إلى ما يزيد على اثني عشر ألف عام. ويرى المصدر أن هذا العمق التاريخي يمنح المنطقة قيمة تتجاوز بعدها الاقتصادي والعسكري، إذ يضفي عليها بعداً حضارياً ورمزياً يجعلها جزءاً من التنافس على الإرث التاريخي والهوية الحضارية لوادي النيل. وهو ما يجعل الصراع على هذه الرقعة، إذا وُجد، لا يتعلق بالجغرافيا والموارد فقط، بل يمتد أيضاً إلى السردية التاريخية لوادي النيل.
غير أن أي تصور للمجال الحيوي لا تحدده الجغرافيا وحدها، بل تفرض البيئة الإقليمية أيضاً حدوداً لما يمكن تحقيقه على الأرض.
حدود الامتداد المصري على ساحل البحر الأحمر
ويذهب المصدر إلى أن البعد الدولي يفرض، في الوقت الراهن، سقفاً للتحركات المصرية على الساحل الشرقي لشمال السودان. فبحسب تقديره، من غير المرجح أن يتجاوز أي تمدد مصري مدينة حلايب جنوباً على ساحل البحر الأحمر، لأن هذه المنطقة تمثل نقطة التقاء لمصالح إقليمية ودولية شديدة التعقيد. فمنذ تصاعد أهمية البحر الأحمر بوصفه أحد أهم الممرات البحرية العالمية، لم تعد السيطرة على سواحله أو موانئه شأناً ثنائياً بين السودان ومصر، بل أصبحت مرتبطة بحسابات أمن الملاحة الدولية، وسلاسل الإمداد العالمية، ومشروعات الموانئ، والنفوذ الخليجي، لا سيما السعودي والإماراتي، اللذين يمتلكان مصالح استراتيجية في الساحل السوداني والبحر الأحمر.
ويرجح المصدر أن هذا التشابك يجعل أي محاولة لتوسيع النفوذ المصري جنوب حلايب على (ساحل البحر الأحمر) محفوفة بتعقيدات جيوسياسية قد تفضي إلى تقاطع أو تصادم مع مصالح قوى إقليمية ودولية أخرى، وهو ما يفسر، وفقاً لتقديره، أن التركيز المصري ينصب على تأمين المجال الحيوي في شمال السودان دون الانزلاق إلى مناطق تخضع لتوازنات إقليمية أكثر حساسية.
هل نحن أمام استراتيجية طويلة المدى؟
إذا كانت التحركات المصرية الأخيرة في شمال السودان مجرد إجراءات أمنية مؤقتة، فلماذا تتكرر في الاتجاه الجغرافي نفسه الذي شهد من قبل تمدد السيطرة المصرية داخل مثلث حلايب؟ وإذا كانت هذه التحركات تقتصر على حماية مصالح آنية، فما الذي يفسر اقترابها المتزايد من المناطق الغنية بالذهب، ومن محيط سد مروي، ومن الشريط الذي يصفه المصدر بأنه يمثل قلب الحسابات الجيوسياسية المصرية في السودان؟ وهل نحن أمام سلسلة أحداث منفصلة، أم أمام تحركات إستراتيجية طويلة تتقدم بخطوات متدرجة كلما سنحت الظروف؟
يفرض هذا الواقع على السودانيين طرح أسئلة جوهرية قبل فوات الأوان: هل يقتصر النزاع على مثلث حلايب، أم أن حدود الطموح الجيوسياسي يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك؟ وهل تشكل الحرب التي أنهكت الدولة السودانية فرصة مصرية لإعادة رسم خرائط النفوذ في شمال البلاد؟ والأهم من ذلك، هل الدولة السودانية في الوقت الراهن قادرة على حماية سيادتها على هذه الرقعة التي تتقاطع فيها اعتبارات الأمن، والمياه، والغذاء، والثروات المعدنية، والإرث الحضاري، أم أن الوقائع على الأرض ستسبق مرة أخرى المواقف السياسية، كما حدث في حلايب؟.
قد يختلف الباحثون حول هذه القراءة أو يختلفون في تفسير دوافع التحركات المصرية، لكن المؤكد أن الجغرافيا لا تتحرك من تلقاء نفسها، وأن الخرائط تُعاد صياغتها تدريجياً عندما تضعف الدول وتغيب الإرادة السياسية القادرة على حماية السيادة. وبينما ينشغل السودانيون بحربهم الداخلية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل ما يجري في شمال السودان مجرد تداعيات للحرب، أم أن السودان يقف على أعتاب إعادة تشكيل لحدوده ومجالات نفوذه لن يدرك نتائجها إلا بعد أن تصبح أمراً واقعاً؟