الشبكة التي تقودها إيران أخطر من أي وقت مضى

الشبكة التي تقودها إيران أخطر من أي وقت مضى

 

ترجمة عربية غير رسمية لمقال منشور في 5 أغسطس/آب 2026

 

” ملاحظة ومقدمة للنسخة العربية ليست جزءاً من المقال الأصلي”

 

تكتسب هذه المقالة أهمية خاصة بالنسبة للسودان، ليس فقط لأنها تتناول تطور شبكة النفوذ الإيراني في المنطقة، وإنما لأنها تضع السودان بصورة مباشرة داخل النقاش حول تمدد هذه الشبكة وانتقالها من نموذج «الدعم الإيراني للوكلاء» إلى شبكة أكثر تعقيداً، تتبادل فيها الجماعات المسلحة المعرفة والتكنولوجيا ومسارات الإمداد فيما بينها.

 

يشير المقال، استناداً إلى تقرير مرتقب لـ Century International، إلى أن الحوثيين، إلى جانب عناصر من الحرس الثوري الإيراني، قد يكونون يدربون فصائل إسلامية سودانية داخل السودان على تصنيع الطائرات المسيّرة الانتحارية أحادية الاتجاه. كما يشير إلى معلومات باحثين إسرائيليين وليبيين تفيد بأن مواد إيرانية يجري نقلها عبر ليبيا إلى حلفاء لطهران في لبنان والسودان وربما غزة.

 

هذه الإشارات تكتسب معنى أخطر في ظل الحرب السودانية الحالية. فاستمرار الحرب، وانهيار مؤسسات الدولة، وتعدد الجيوش ومراكز القرار، وعودة شبكات الحركة الإسلامية إلى المجال العسكري والأمني، يمكن أن يحول السودان من مجرد دولة لها علاقات سابقة مع إيران إلى ساحة أو عقدة محتملة داخل شبكة إقليمية أوسع مرتبطة بطهران ووكلائها، وخصوصاً في مجال المسيّرات وطرق الإمداد الممتدة بين البحر الأحمر وليبيا والشرق الأوسط.

 

يقدم المقال مؤشرات مهمة على خطر: أن الحرب المفتوحة والفراغ المؤسسي يسمحان لشبكات سودانية مسلحة، وعلى رأسها فصائل إسلامية بحسب ما يورده المقال، بأن تصبح جزءاً من منظومة عابرة للحدود لنقل السلاح والتكنولوجيا والخبرة العسكرية.

 

وهنا تكمن أهمية المسألة للسودانيين وللمجتمع الدولي: الحرب لم تعد خطراً على السودان وحده. استمرارها يمكن أن يعيد تشكيل موقع السودان في البحر الأحمر، وأن يفتح الباب أمام تحوله إلى ساحة جديدة من ساحات الصراع بالوكالة المرتبط بإيران ومحورها الإقليمي.

 

انتهت المقدمة

ويبدأ أدناه النص المترجم للمقال.

 

 

مع استمرار حرب الولايات المتحدة مع إيران، التي دخلت شهرها الخامس، في التطور، جاءت قدرة طهران على مواصلة إلحاق الأذى بالولايات المتحدة وحلفائها مفاجئة لكثير من الاستراتيجيين والمحللين.

 

فعلى مدى أشهر، قصفت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران بصورة متقطعة بضربات جوية، وقتلتا جزءاً كبيراً من قياداتها العليا. ومع ذلك، أظهرت إيران وحلفاؤها الإقليميون قدرة لافتة على الصمود. فما يزال حزب الله يمثل تهديداً رغم الحملة الإسرائيلية العنيفة في جنوب لبنان، وهاجمت ميليشيات عراقية مدعومة من إيران منشآت النفط والغاز في الخليج، بينما استأنف الحوثيون في اليمن حملتهم ضد السفن التجارية في البحر الأحمر.

 

وفي الواقع، فإن قدرة الجمهورية الإسلامية وشركائها على الصمود، رغم سنوات من الانتكاسات الظاهرة، تكشف عن خلل أساسي في التفكير الذي قاد إلى الصراع الحالي.

 

فعندما أطلقت الولايات المتحدة وإسرائيل حملتهما ضد إيران في أواخر فبراير/شباط، استندتا إلى نظرية ظل يروج لها لسنوات دعاة تغيير النظام في الولايات المتحدة واستراتيجيون إسرائيليون: إذا استهدفت واشنطن اقتصاد الجمهورية الإسلامية وقيادتها ومنشآت أسلحتها وخطوط إمدادها الرئيسية بالقوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية، فإنها تستطيع إضعاف النظام الإيراني بصورة قاتلة، وبالتالي توجيه ضربة حاسمة إلى حلفائه.

 

كانت الفكرة، وفق تشبيه شائع، أن قطع رأس الأخطبوط في طهران سيؤدي إلى ذبول أذرعه المتعددة وموتها.

 

قبل عشرين عاماً، ربما كانت حملة عسكرية تستند إلى ما يعرف بـ«عقيدة الأخطبوط» قادرة على النجاح. ففي ذلك الوقت، كانت العلاقة بين إيران وحلفائها أقل تعقيداً، وكانت الأسلحة والتكنولوجيا والخبرات تمر أساساً عبر طهران.

 

لكن المحور لم يعد اليوم منظماً كنظام بسيط له نقاط فشل محددة يسهل استهدافها. لقد أصبح أشبه بشبكة كثيفة من الروابط، قادرة على إعادة إنتاج نفسها، حيث يمكن تجميع المعرفة والموارد وحتى عملية اتخاذ القرار في مواقع متعددة وفي الوقت نفسه.

 

وعندما يُقتل قائد، أو يُقصف مصنع أو مستودع، أو يُقطع طريق إمداد، تتكيف الجماعات المختلفة بسرعة. فتستبدل القائد المقتول، وتسدد النقص في المعرفة الفنية اللازمة لبناء الأسلحة، وتعيد تشكيل خطوط الإمداد عبر مسارات بديلة.

 

وهذه البنية الأكثر مرونة وتعقيداً هي التي سمحت لحلفاء إيران بالتكيف في السنوات التي أعقبت هجمات حماس في السابع من أكتوبر/تشرين الأول.

 

فحتى بعد الدمار الهائل الذي ألحقته إسرائيل بحماس وحزب الله خلال حرب غزة، وانهيار نظام الأسد في سوريا، والحملة الجوية الأميركية-الإسرائيلية الضخمة ضد إيران هذا الربيع، بقي المحور في معظمه قائماً.

 

ونتيجة لذلك، لم يعد بإمكان واشنطن الاعتماد على أدواتها التقليدية القائمة على تصعيد الضغط السياسي والعقوبات والضربات العسكرية.

 

قد يكون تحقيق هزيمة كاملة لإيران وجماعات المحور أمراً بعيد المنال، لكن الحد من التهديد الذي تمثله ما يزال ممكناً.

 

وسيتطلب ذلك من الولايات المتحدة وضع استراتيجية إقليمية أكثر شمولاً، تستهدف الشبكات العسكرية والمالية وشبكات المعرفة الدولية المعقدة التي باتت تدعم القوة الإيرانية.

 

وعلى واشنطن أن تفكر في احتواء إيران وأقوى حلفائها من الفاعلين غير الحكوميين، وربما التوصل إلى صفقات معهم. كما يجب أن تفعل ما يلزم للحد من انتشار التكنولوجيا منخفضة التكلفة المستخدمة في أنظمة الأسلحة الإيرانية وتلك التي تستخدمها جماعات المحور، بما في ذلك الانخراط مع الصين.

 

قد لا يرضي هذا النهج القادة الأميركيين الذين يريدون نصراً حاسماً ومدوياً في الشرق الأوسط، لكنه يملك فرصة أكبر للنجاح من الاستراتيجية الحالية التي تقوم على ضرب إيران مراراً وانتظار انهيار الجمهورية الإسلامية وشبكة حلفائها في النهاية.

 

تطوير قدرات المحور

 

قبل عشرين عاماً، كانت الجماعات التي تعرف اليوم باسم «محور المقاومة» في معظمها حركات تمرد محلية تستخدم تكتيكات وتقنيات حروب العصابات في القرن العشرين.

 

وبدعم من إيران، كان حزب الله قد برز قوةً في السياسة اللبنانية وخصماً قوياً لإسرائيل، وتمكن من صد اجتياحها عام 2006 باستخدام مخزون من الصواريخ قصيرة المدى البدائية نسبياً وطائرات مسيّرة إيرانية الصنع.

 

كما قدم حزب الله وإيران دعماً لحماس، التي لم تكن قد سيطرت على غزة بعد.

 

أما الحوثيون فكانوا آنذاك حركة تمرد صغيرة تختبئ في كهوف شمال اليمن، وما يزال أمامها عدة سنوات قبل أن تتلقى دعماً إيرانياً ذا شأن.

 

وكان عناصر إيرانيون ومن حزب الله قد بدأوا للتو في تدريب جماعات شيعية عراقية تقاتل القوات الأميركية في العراق، وتعليمها كيفية تنظيم الخلايا المتمردة واستخدام الأسلحة الخفيفة مثل بنادق الكلاشنيكوف وقاذفات الصواريخ وصناعة العبوات الناسفة على الطرق.

 

وخلال العقود التالية، طور الحرس الثوري الإسلامي الإيراني استراتيجية لنقل قدرات هذه الجماعات وغيرها إلى القرن الحادي والعشرين.

 

تتلقى الجماعات المرشحة للانضمام إلى المحور أولاً تدريباً أساسياً، سواء في إيران أو، بصورة متزايدة، في الأراضي التي تسيطر عليها جماعات أخرى من المحور.

 

أما الجماعات التي تثبت قدرتها في ساحات القتال، فتحصل على أسلحة أكثر تقدماً، من بينها الطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه، التي قد تكون أقل تطوراً من طائرات «شاهد-136» التي تستخدمها إيران نفسها، لكنها تظل قادرة على ضرب أهداف بعيدة عن قواعد تلك الجماعات.

 

ومنذ عام 2025 على الأقل، على سبيل المثال، زودت طهران جماعات «المقاومة الإسلامية في العراق» بصورة منتظمة بطائرات «شاهد-101» و«شاهد-107»، التي استخدمت خلال الأشهر الستة الماضية لاستهداف القواعد العسكرية الأميركية والبنية التحتية لدول الخليج.

 

ويتم تعليم عدد محدود من الجماعات الموثوقة كيفية تصنيع أسلحتها بنفسها، وخاصة الطائرات المسيّرة، باستخدام مكونات تستوردها بصورة مستقلة.

 

واليوم تستطيع حماس وحزب الله والحوثيون جميعاً تصنيع وتشغيل طائراتهم المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه، وضرب أهداف تبعد عنهم مسافات تصل إلى نحو 1,600 ميل.

 

ومن خلال تطوير القدرات التنظيمية لهذه الجماعات بعناية، حول الحرس الثوري هذه التنظيمات من خلايا تمرد صغيرة إلى مؤسسات ذات قدرات عالية.

 

فقد أنشأت حماس وحزب الله والحوثيون شبكاتهم الخاصة من المهربين ورجال الأعمال والتجار والمهندسين من أجل شراء الأسلحة وتصنيعها.

 

ورغم أن هذه الجماعات قد تبدو للمراقب الخارجي مترابطة بصورة فضفاضة فقط، فإنها أصبحت مع مرور الوقت تؤدي وظائف تشبه القواعد العسكرية الصناعية التي تملكها الدول الغنية والقوية.

 

كما قام الحرس الثوري بتعهيد عمليات التدريب إلى جماعات المحور نفسها.

 

ومن خلال هذه العملية، أقامت هذه الجماعات روابط مباشرة فيما بينها ومع جهات حكومية وغير حكومية قوية أخرى.

 

ففي عام 2010، على سبيل المثال، كانت جميع عمليات تدريب حزب الله الموثقة على الطائرات المسيّرة تتم داخل إيران وعلى أيدي مدربين إيرانيين.

 

لكن بحلول عام 2015، بدأ حزب الله نفسه في استضافة دورات تدريبية لجماعات أخرى، منها حماس والحوثيون وميليشيات عراقية.

 

ووفقاً لتقرير مرتقب صادر عن Century International، كان الحوثيون بحلول عام 2026 يدربون حركة الشباب الصومالية التابعة لتنظيم القاعدة على تشغيل الطائرات المسيّرة الأساسية في مواقع تدريب داخل اليمن. كما يُحتمل أنهم، إلى جانب عناصر من الحرس الثوري الإيراني، يقدمون التدريب لفصائل إسلامية سودانية على كيفية تصنيع طائرات مسيّرة هجومية أحادية الاتجاه في مواقع داخل السودان.

 

وعلى مدى عدة سنوات، بدا أن استراتيجية الحرس الثوري لبناء هذه القدرات تؤتي ثمارها.

 

فبين عامي 2011 و2023، لعب حزب الله دوراً متزايداً في دعم نظام الأسد المتحالف مع إيران خلال الحرب الأهلية السورية، وأقام وجوداً كبيراً في قواعد عسكرية في أنحاء البلاد إلى جانب الحرس الثوري، مستفيداً من تدفق مستمر للأسلحة والمواد الأخرى من إيران.

 

وساعدت الميليشيات المدعومة من إيران في العراق على صد تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في العراق وسوريا، ورسخت وجوداً قوياً داخل أجهزة الأمن العراقية.

 

وسيطر الحوثيون على شمال غرب اليمن، بينما تعززت السيطرة العسكرية والسياسية لحماس على غزة.

 

ثم جاء السابع من أكتوبر.

 

وكان لهجوم حماس على إسرائيل تداعيات هائلة على حلفاء إيران في مختلف أنحاء المنطقة، وعلى إيران نفسها في نهاية المطاف.

 

فقد تعرضت حماس، ومعها أجزاء كبيرة من غزة، لدمار هائل نتيجة الرد الإسرائيلي.

 

وفي سبتمبر/أيلول 2024، شنت إسرائيل ضربات على بيروت أدت إلى مقتل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وجزء كبير من القيادة العليا للتنظيم.

 

وفي وقت لاحق من ذلك العام، ومع تراجع الدعم الإيراني ودعم حزب الله وتركيزهما على البقاء، أدى هجوم للمتمردين إلى انهيار نظام الأسد في سوريا.

 

ثم، خلال حرب الاثني عشر يوماً في يونيو/حزيران 2025، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل موجات من الهجمات على إيران، وقال قادة في البلدين إنها دمرت دفاعات الجمهورية الإسلامية الجوية وقدرتها على شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

 

وبعد أشهر، قتلت ضربة إسرائيلية عدداً من كبار قادة الحوثيين في اليمن، بمن فيهم القائد الأعلى لبرامج الطائرات المسيّرة والصواريخ.

 

وكان مسؤولون إسرائيليون، ومعهم بعض المسؤولين الأميركيين، على ثقة بأن إيران وحلفاءها الإقليميين دخلوا مرحلة انهيار نهائي.

 

لكن بعد أقل من عام، يبدو أنهم تمكنوا من إعادة بناء قدراتهم.

 

فقد أطلقت إيران حملة ضخمة من الضربات بالطائرات المسيّرة والصواريخ ضد البنية التحتية الخليجية والمنشآت العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط، رداً على عملية «Epic Fury».

 

كما شنت الميليشيات العراقية مئات الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ ضد القواعد العسكرية الأميركية في العراق والأردن، إلى جانب موجات من الهجمات على دول الخليج.

 

وأبدى حزب الله مقاومة أقوى مما كان متوقعاً في جنوب لبنان بعد الاجتياح البري الإسرائيلي في مارس/آذار.

 

وبعد عام من موافقة الحوثيين على وقف استهداف السفن التجارية الأميركية، وهي الخطوة التي اعتبرتها إدارة ترامب دليلاً على هزيمتهم، استأنفوا مهاجمة السفن المارة عبر البحر الأحمر، وفرضوا عملياً حصاراً على الموانئ السعودية الواقعة على البحر.

 

كما استهدفوا البنية التحتية للطاقة في السعودية للمرة الأولى منذ الهدنة التي توسطت فيها الأمم المتحدة وأوقفت الحرب الأهلية اليمنية في عام 2022.

 

خط إنتاج ذاتي

 

أخفقت التوقعات الأميركية والإسرائيلية بشأن هزيمة إيران والمحور في إدراك تحول مهم في الطريقة التي ينظم بها الحرس الثوري وحلفاؤه قدراتهم العسكرية والتنظيمية.

 

ففي السابق كانت المعرفة العسكرية والتكنولوجية متركزة أساساً داخل الحرس الثوري، لكنها أصبحت الآن موزعة داخل منظومة أكثر انتشاراً وترابطاً.

 

وحتى في أوائل عام 2025، بعد الانتكاسات في غزة ولبنان وسوريا، وبعد أن صنفت إدارة ترامب الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، تمكنت إيران وجماعات المحور من إعادة بناء نفسها وترساناتها بسرعة عبر الاستفادة من قواعد المعرفة وخطوط الإمداد المتنوعة التي طورتها خلال الخمسة عشر عاماً الماضية.

 

ويظهر أوضح دليل على هذا التحول في الطريقة التي باتت بها عدة جماعات وكيلة لإيران تسلح نفسها.

 

عندما بدأنا في عام 2024 التحقيق في كيفية حصول الحوثيين على أسلحتهم، أخبرنا مسؤولون أميركيون وأوروبيون مراراً بأن المصدر الرئيسي لترسانة الجماعة هو الأسلحة المهربة من إيران إلى اليمن على متن السفن الشراعية الخشبية التقليدية المعروفة بـ«الداو».

 

لكن الحوثيين كانوا بحلول ذلك الوقت قد بدأوا بالفعل في تصنيع أسلحتهم بأنفسهم، مستخدمين سلاسل إمداد لا تقل تعقيداً عن طرق التجارة المحلية والعالمية التي تعبر البحر الأحمر والمحيط الهندي.

 

كما افترض مسؤولون أميركيون وإسرائيليون أن معظم أسلحة حزب الله تأتي من إيران، وأن انهيار نظام الأسد سيقطع أحد أهم طرق إمداده بالسلاح.

 

لكن حزب الله، مثل الحوثيين، كان قد أنشأ خطوط إمداد بديلة.

 

وكان يفترض أن يشكل اعتقال عنصر من حزب الله عام 2024، بعد اكتشاف استخدامه عدداً كبيراً من الشركات الوهمية في إسبانيا وألمانيا لإعادة تصدير قطع الطائرات المسيّرة إلى لبنان، جرس إنذار في واشنطن وإسرائيل بشأن تغير هياكل المشتريات التابعة للجماعة.

 

فقبل أشهر من انهيار نظام الأسد، كان ذلك العنصر يحاول نقل ما يصل إلى ألفي محرك، وهي كمية تكفي لإعادة بناء أسطول حزب الله من الطائرات المسيّرة إلى المستوى الذي كان عليه قبل عام 2023.

 

وتساعد خطوط الإمداد الجديدة هذه، التي تتحرك فيها المكونات بصورة منفصلة عبر العالم ثم يتم تجميعها بالقرب من موقع الاستخدام، أيضاً على تحييد استراتيجية أميركية مهمة أخرى لمواجهة إيران ووكلائها: العقوبات وتصنيفات الإرهاب التي تهدد بعقوبات ضد الأفراد المشتبه في تعاونهم مع الجماعات المصنفة.

 

في مطلع القرن الحالي، كانت هذه الأدوات فعالة في مكافحة انتشار الأسلحة لأن الولايات المتحدة وحلفاءها كانوا يسيطرون على معظم الصادرات وطرق التجارة والشبكات المالية اللازمة لشراء ونقل الأسلحة والسلع المصنعة المتقدمة.

 

وحتى منتصف العقد الثاني من القرن الحالي، تمكنت الولايات المتحدة وحلفاؤها من خنق برنامج الطائرات المسيّرة الإيراني عبر استهداف الأفراد والشركات المشتبه في تزويد طهران بالمكونات.

 

ففي عام 2009، على سبيل المثال، اعتقلت السلطات الألمانية مجموعة من رجال الأعمال الإيرانيين الذين كانوا يحاولون إرسال محركات لطائرات مسيّرة إلى إيران، مدعين أنها محركات لدراجات مائية.

 

لكن المصنعين الصينيين ينتجون اليوم المكونات الوسيطة اللازمة لبناء الطائرات المسيّرة بأعداد متزايدة وتكاليف متراجعة.

 

ولا تقيد الصين بيع كثير من الأجزاء المستخدمة في تصنيع الطائرات المسلحة لأن بكين تقول إنها مصممة للاستخدام المدني.

 

وفي كثير من الحالات ترفض اتخاذ إجراءات عقابية ضد الشركات الصينية التي فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها بسبب بيع هذه المكونات، مستندة إلى السبب ذاته.

 

واليوم تستخدم نسخ صينية وإيرانية من تلك المحركات التي كان يقال إنها مخصصة للدراجات المائية في حملات الطائرات المسيّرة الروسية والإيرانية في أوكرانيا والشرق الأوسط.

 

ومن خلال مواقع التجارة الصينية مثل «علي بابا»، تستطيع إيران وجماعات المحور تصنيع طائرة «أبابيل-T»، التي كانت تاريخياً من أهم طائرات أسطول المحور، من مكونات صينية متاحة تجارياً بتكلفة تقارب 1,500 دولار.

 

وكل ما يحتاجه حزب الله للحصول على طائرات الرؤية من منظور الشخص الأول وتعديلها، وهي الطائرات التي يستخدمها لاستهداف الجيش الإسرائيلي منذ أوائل عام 2026، هو بطاقة ائتمان، وإمكانية الوصول إلى مقاطع تعليمية على يوتيوب، وقدر من الخبرة الصناعية.

 

لقد أصبحت نقاط الاختناق الأساسية التي يمكن من خلالها الحد من انتشار الطائرات المسيّرة خارج نطاق السيطرة الأميركية.

 

كما أن الحجم الهائل للتجارة العالمية يجعل من شبه المستحيل، حتى بالنسبة للدول ذات الموارد الكبيرة، تتبع هذه الشحنات القادمة من الصين.

 

ففي معظم الحالات، تشتري المكونات شركات وهمية مجهولة الهوية، كثيراً ما تكون مسجلة في مناطق تسمح قوانينها بتأسيس الشركات دون الكشف العلني عن أصحابها الحقيقيين.

 

ثم يتم نقل هذه المكونات داخل بعض الملايين من حاويات الشحن التي تعبر البحار يومياً، وتسلم وتجمع في مراكز تجارية تعطي الأولوية لسهولة ممارسة الأعمال على حساب فحص الشحنات أو الالتزام بالعقوبات.

 

وعندما تُفرض عقوبات على شركة وهمية، يغلق أصحابها الشركة ببساطة ويسجلون شركة جديدة.

 

ومع ذلك، ما تزال إيران وحلفاؤها يمارسون التهريب بالطريقة التقليدية أيضاً.

 

فلدى طهران سجل طويل في شحن الأسلحة إلى الجماعات الحليفة عن طريق البحر، سواء باستخدام المهربين في القوارب الصغيرة أو عبر أسطولها من سفن الحاويات.

 

وفي السنوات الأخيرة، تعاونت أيضاً مع شبكة معقدة من رجال الأعمال الدوليين المشبوهين لبناء «أسطول ظل» من السفن يصعب على السلطات الغربية تعقبه.

 

فعلى سبيل المثال، تقوم إحدى شبكات سفن الشحن بإغلاق أنظمة التعريف الآلي الموجودة على متنها بصورة منتظمة في خليج عمان قبل التوجه في رحلات سرية إلى ميناء الشهيد رجائي الإيراني، ثم تعيد تشغيل تلك الأنظمة بعد مغادرة السفن مضيق هرمز.

 

ونقلت كثير من هذه السفن شحنات مجهولة إلى سوريا قبل انهيار نظام الأسد، وما تزال تنقل شحنات إلى الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن.

 

وترتبط السفن، من خلال شركات وهمية، برجل أعمال سوري واحد تعرض مراراً للعقوبات بسبب نقله النفط والأموال لصالح إيران وحزب الله.

 

وفي الوقت نفسه، عادت السفن الإيرانية المملوكة للدولة مؤخراً إلى البحر المتوسط بعد أن كانت تتجنب المنطقة بين عامي 2023 و2025، وأصبحت ترسو بصورة منتظمة في الموانئ الليبية.

 

وخلص باحثون إسرائيليون وليبيون إلى أن مواد إيرانية يجري نقلها الآن من ليبيا إلى حلفاء طهران في لبنان والسودان، وربما غزة.

 

وحتى في ظل الحكومة السورية الجديدة بقيادة الشرع، التي تعهدت بمنع عمليات نقل الأسلحة، ما تزال عمليات التهريب عبر الحدود إلى لبنان تتم من خلال الطرق والموانئ السورية.

 

ومجتمعةً، ساعدت خطوط الإمداد والعلاقات المتغيرة باستمرار هذه على تحويل شبكة حلفاء إيران الإقليميين إلى منظومة معقدة وعالية القدرة على التكيف.

 

التعامل مع الواقع

 

يتطلب الواقع الجديد للمحور استراتيجية جديدة.

 

ويجب أن يبدأ النهج الأكثر وعداً للحد من التهديد الذي تمثله إيران وحلفاؤها بالاعتراف بأن الاعتماد على القوة العسكرية والحرب الاقتصادية وحدهما لن يؤدي إلا إلى دورات متكررة من الصراع قد تجر الولايات المتحدة إلى حرب مفتوحة أخرى وطويلة في الشرق الأوسط.

 

وبدلاً من ذلك، ينبغي لواشنطن إعطاء الأولوية لمزيج من الاستمرار في تعطيل الشبكات التجارية والمالية للمحور، ومحاولة فصل الجماعات التي لم تندمج بالكامل بعد في هذه المنظومة، مثل الجماعات التي يعمل الحوثيون على استقطابها في القرن الأفريقي، والانخراط سياسياً مع الجماعات الأكثر رسوخاً، وخصوصاً مع تحولها إلى ممارسة الحكم في المناطق التي تسيطر عليها.

 

ولا يتعين أن تشبه هذه الصفقات اتفاقات ثنائية مثل الهدنة الأميركية مع الحوثيين.

 

بل ينبغي أن تتخذ شكل اتفاقات منظمة تهدف إلى التوصل إلى تسويات سياسية دائمة على مستوى كل دولة في المنطقة، بالتوازي مع دبلوماسية أميركية-إيرانية.

 

أما البديل، فيتمثل في أن تتخلى واشنطن عن حذرها وتتبع نموذج الحرس الثوري نفسه، فتقيم شبكة خاصة بها من الفاعلين الحكوميين وغير الحكوميين ليقاتلوا المحور نيابة عنها.

 

لكن تدريب الجماعات على تطوير أسلحتها الخاصة واستخدامها سيكون عملية شاقة، وستنطوي على مخاطر خطيرة.

 

وبالنظر إلى السجل غير المستقر للولايات المتحدة في بناء القوات التقليدية للدول الحليفة، وإلى ميلها إلى التخلي عن حلفائها من الدول والجماعات بمجرد انتهاء حاجتها إليهم، فإن محاولة تكرار ذلك قد تكون لها عواقب كارثية.

 

وأياً كان النهج الذي ستتبعه واشنطن في التعامل مع المحور، فإنها ستواجه صعوبة في الحد بمفردها من انتشار الأسلحة المتقدمة التي يمكن تصنيعها من مكونات متاحة تجارياً.

 

فالولايات المتحدة ربما ما تزال الاقتصاد الأكثر تقدماً في العالم، لكن نقاط الاختناق الأساسية في انتشار الطائرات المسيّرة لم تعد تحت سيطرتها.

 

ولا تملك الصين، في الوقت الحالي، حافزاً كبيراً لمساعدة واشنطن على وقف مشتريات الجماعات المسلحة لمكونات الطائرات المسيّرة.

 

لكن بكين قلقة في الوقت نفسه من التهديد الذي قد تمثله الطائرات المسيّرة لأمنها الداخلي.

 

كما أن مراكز تجارية مثل الإمارات العربية المتحدة، التي غضت الطرف طويلاً عن بعض هذه الأنشطة، ربما بدأت تعيد النظر في موقفها بعد تعرض المنطقة لموجات من طائرات «شاهد-136» في وقت سابق من هذا العام.

 

وقد تساعد مبادرة متعددة الأطراف لتحسين تتبع المكونات ذات الاستخدام المزدوج ووضع عقوبات متفق عليها لنقلها إلى الجماعات المسلحة غير الحكومية في تقييد قدرة هذه الجماعات على بناء ترسانات ضخمة من الطائرات المسيّرة مستقبلاً.

 

وينبغي للنهج الصحيح أن يجمع كل هذه الجهود، وأن يتجنب النظريات الشاملة والمبسطة التي فشلت في السابق.

 

أما الشيء الذي لا تستطيع واشنطن فعله فهو إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

 

فالأمل في انهيار إيران وحلفائها في مختلف أنحاء المنطقة لن يكون كافياً لتدمير هذه الشبكة التي ما تزال قوية.

 

هناك حاجة إلى أفكار جديدة.

المصدر

https://www.foreignaffairs.com/iran/how-axis-resistance-recovered?utm_campaign=tw&utm_content=&utm_medium=social&utm_source=twitter

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.