من الاخر لا تصبروا على البرهان.. أنقذوا أنفسكم
أسماء محمد جمعة
اليوم يمضي على وجود عبد الفتاح البرهان على قمة المشهد السوداني سبع سنوات كاملة، وقد فشل فشلاً ذريعاً في كل شيء، ولم يستفد من امتحان القدر الذي وضع فيه من خلال ثورة ديسمبر التي غدر بها وخان العهد والأمانة.
وظل يعاند الحق ويتجاوز حدود الله في الحكم الذي يصارع من أجله، وكأنه لم يسمع بقول الله: “يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء”، بل لم يتعظ من كل ما يحدث له.
فالرجل غير موفق في كل شيء، ولا يخشى حتى الرسائل التحذيرية التي تأتيه كل يوم، فهو مستمر في تجاهله وغيه، فرحاً بدعم الكيزان وجماعات الموز والباحثين عن المصالح الشخصية والمضللين الذين يتعاطفون معه بلا وعي.
يوم انقلب البرهان على الحكومة الانتقالية وأعاد السودان إلى مستنقع الحكم العسكري الكيزاني، برر الانقلاب بأنه تصحيح لمسار لم يكن خاطئاً بقدر ما كان تجربة طبيعية لحكم مدني واعد.
ومن المعروف أن نجاح الحكم المدني مرهون بمنحه الفرصة والزمن وتكرار التجربة، والتزام الجيش بالمهنية والحياد والحكمة، على عكس الحكم العسكري الذي يظل مصيره الفشل مهما طال الزمن.
وبدلاً من أن يعترف بعجزه وعدم توفيقه ويسجل موقفاً يحمد له وينقذ الشعب من ذلك المستنقع، أخذته العزة بالإثم، وفعل كما يقول المثل السوداني: “إن غلبك سدها وسع قدها”، فلجأ إلى الحرب بتحريض من الجماعات نفسها التي ظلت تزين له الباطل، حتى استقر السودان في قاع العالم بحرب صنفت أسوأ أزمة إنسانية يشهدها العالم الآن.
اليوم توقفت الحياة في كل السودان، وانهارت البلاد اقتصادياً واجتماعياً، وأصبح أغلب الشعب مشرداً بين لاجئ ونازح أو متمسك بالبقاء داخل الوطن يقاوم أزمات حياة لا تنتهي، واستشرى الظلم وغابت العدالة تماماً، وتحولت الدولة إلى غابة، والأسوأ من كل ذلك أن سيادة السودان وحدوده أصبحت منتهكة من بعض دول الجوار الداعمة لعدم الاستقرار في السودان منذ مائة سنة، ووصل الأمر إلى مرحلة احتلت فيها مناطق غنية بالموارد، وتمددت إلى عمق البلاد وقتلت المواطنين في أرضهم، في ظل صمت رسمي يؤكد أن الحكومة لم يعد يهمها المواطن ما دام يقدم قرباناً لبقائها في السلطة.
ورغم هذا المشهد المؤلم، خرج البرهان قبل أيام يقل و يعترف بفشله دون أن يشعر، من خلال مطالبته المواطنين بعدم التضجر من الأزمات الحالية والصبر عليها، والصبر عليه طبعاً، بل ويحاول إقناعهم بتحميل مسؤولية الأزمات لأعداء وهميين لا وجود لهم، كما كان يفعل البشير ثلاثين سنة، حتى أنقذ الشعب نفسه.
ويا ليت لو كانت تلك الأزمات التي يطلب البرها المواطنين بالصبر عليها جديدة أو عابرة، بل هي أزمات مرحلة من نظامه السابق، وقد تطورت وتعقدت في عهده لدرجة أنه اليوم يقف أمامها عاجزاً تماما.
و في الحقيقة هي أزمات قاسية لا يمكن لأي شعب أن يتحملها ويصبر عليها، كما أنه لا يمكن لأي إنسان في قلبه ذرة رحمة وضمير أن يطالب المواطنين بمزيد من الصبر وعدم التضجر من ازمات أصبح الصبر عليها مستحيلاً.
تخيلوا أيها المواطنون أن الأزمات التي يطالبكم البرهان بالصبر عليها هي الأزمات نفسها التي هربت منها أسرته، وكل أسر قادة الجيش والحركة الإسلامية والحركات المسلحة، وحتى قادة المليشيات.
لقد أنقذوا عائلاتهم وأسرهم لتنعم بالأمن والأمان ورغد الحياة خارج السودان، أما بقية المواطنين فيطلب منهم الصبر وعدم التضجر.
وهنا لا بد أن نسأل البرهان: لماذا يطلب من المواطنين الصبر على الأزمات وعدم التضجر؟
أليسوا بشراً من لحم ودم وروح ومشاعر؟
ثم كيف يمكن الصبر على الجوع والعطش والامراض والفقر والموت؟
كيف يمكن الصبر على اليأس وفقدان الأمل والعبودية والاستغلال والظلم؟
كيف يمكن الصبر على العيش في دولة بلا امان وبلا سيادة، لا يأمن فيها المواطن على نفسه أينما ذهب؟
وهل يملك وصفة تساعد المواطنين على الصبر على كل هذه الأزمات؟
وهل لديه زمناً للخروج منها حتى يصبروا على أمل مؤكد؟
هل لديه خطة أو دليل يؤكد أنهم إن صبروا ستنتهي الأزمات؟
أم أنه طلب مبني على إحساس بالتملك والسيطرة فحسب؟
في الحقيقة، البرهان هو أزمة السودان الحقيقية، وكل الأزمات اليوم مرتبطة بوجوده في المشهد السوداني.
فهو مثل البشير ومثل أي عسكري يصل إلى السلطة، ولن تزول الأزمات ولن ينعم الشعب السوداني بالاستقرار والكرامة والسيادة إلا بإزالة البرهان وقفل الطريق إلى السلطة أمام العسكر نهائياً.
ولن نقول للبرهان: اتقي الله و اعترف بفشلك وارحل طوعاً، واختم سنواتك السبع العجاف بقرار شجاع واحد يكون نقطة بيضاء في تاريخك الأسود، لأنه لن يفعل.
ولكن نقول للمواطنين: كفى صبراً على هذا الشقاء والظلم والأزمات اللانهائية، كفى صبراً على الفساد والكذب والخداع، كفى صبراً على سلطة تريدكم سببا لتثبيتها وتقيدكم بالأزمات.
لا تصبروا، على البرهان فهو لن ينقذكم مهما صبرتم، وعليكم إنقاذ أنفسكم وفرض الحل بإرادتكم، فأنتم الشعب صاحب الحق ولا صبر على الحقوق، وما ضاع حق وراءه مطالب.