واشنطن تغلق دائرة التمكين: نهاية سردية الحركة الإسلامية في تمثيل السودان

واشنطن تغلق دائرة التمكين: نهاية سردية الحركة الإسلامية في تمثيل السودان

 

بقلم: أ . صفاء الزين

 

يتجه المشهد السوداني نحو إعادة تموضع جذري في طريقة قراءة الأزمة، إذ لم يعد الصراع محصوراً في جغرافيا الحرب أو توازنات القوى المسلحة، وانتقل إلى مستوى أعمق يتعلق بشرعية التمثيل السياسي، ومن يمتلك حق التعبير عن السودان في الفضاء الدولي وصياغة صورته أمام العالم.

 

ويعكس إقرار لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي لمشروع قانون «مشاركة الولايات المتحدة في السلام السوداني» تحولاً في المقاربة الأمريكية، من إدارة الأزمة عبر التسويات التقليدية إلى مقاربة تستهدف تفكيك البنية السياسية المنتجة للأزمة، وإعادة تعريف الأطراف التي يمكن منحها صفة الشريك في أي مسار تسوية مستقبلي.

 

ويرتبط هذا التحول بواقع سوداني بالغ التعقيد، انهارت فيه الدولة المركزية، وتعددت مراكز القوة، وتشابكت البنية العسكرية مع شبكات النفوذ الاقتصادي، في مشهد فقدت فيه الدولة أحد أهم مرتكزاتها الحديثة، والمتمثل في وحدة القرار والسيادة الفاعلة على كامل المجال الوطني.

 

وفي قلب هذا المسار برزت الحركة الإسلامية قوةً حاكمة أعادت تشكيل الدولة على أسس الإقصاء السياسي وإعادة إنتاج السلطة داخل دائرة مغلقة، واعتمدت التمكين أداةً لإدارة الحكم، وأنتجت نمطاً سياسياً قائماً على المفاضلة السياسية والاجتماعية، وإعادة هندسة المجال العام لخدمة شبكات ولاء محدودة، الأمر الذي عمّق الانقسام داخل بنية الدولة، وأضعف قدرتها على تمثيل مجتمعها بصورة جامعة ومتوازنة.

 

وأفرز هذا المسار دولةً مشوهة في بنيتها المؤسسية، جرى خلالها إضعاف الخدمة المدنية، وتقويض استقلال المؤسسات العامة، وإعادة تعريف الوظيفة العامة باعتبارها امتداداً للانتماء السياسي أكثر من ارتباطها بالكفاءة والاستحقاق، ما قاد إلى تآكل متدرج في فكرة الدولة المحايدة، وإضعاف ثقة المواطنين في مؤسساتها.

 

وعلى المستوى البنيوي، أسهمت هذه السياسات في إنتاج اختلالات عميقة في الاقتصاد السياسي للدولة، تمثلت في تمدد النزاعات المسلحة في الأطراف، وانكماش القطاعات الإنتاجية، وتزايد الاعتماد على شبكات نفوذ غير رسمية تعمل بمحاذاة الدولة وتستمد قوتها من ضعفها، أكثر مما تستمدها من شرعية المؤسسات.

 

وبلغت هذه التراكمات ذروتها مع انفجار الدولة وانكشاف مركزها أمام صراعات متعددة المستويات، باعتبار أن الأزمة السودانية تمثل حصيلة تراكم تاريخي طويل داخل بنية سياسية واجهت سؤال التمثيل منذ مراحل تشكلها الأولى، وظلت عاجزة عن إنتاج دولة محايدة تستوعب تنوع مكوناتها وتدير تناقضاتها ضمن إطار وطني جامع.

 

وعقب عام 2019م، استمر هذا الإرث داخل مؤسسات الدولة عبر شبكات اقتصادية وأمنية ظلت محتفظة بقدر معتبر من النفوذ والقدرة على التأثير في دوائر القرار، الأمر الذي جعل عملية الانتقال السياسي محكومة بقيود الماضي وأثقاله البنيوية.

 

ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023م تحولت الأزمة إلى لحظة انفجار شامل لتراكمات ممتدة، التقت فيها الدولة المتآكلة مع شبكات النفوذ التاريخية عند نقطة انهيار كبرى، كشفت هشاشة البنية السياسية التي حكمت السودان لعقود طويلة.

 

لذلك يظهر التحرك الأمريكي جزءاً من عملية أوسع لإعادة صياغة قواعد الشرعية السياسية، والانتقال من التعاطي مع الأمر الواقع إلى مساءلة البنية المنتجة له، بما في ذلك الشبكات التي احتكرت تعريف الدولة وتمثيلها داخلياً وخارجياً على امتداد سنوات طويلة.

 

وبذلك يغدو سؤال التمثيل السياسي للسودان اليوم سؤالاً مفتوحاً على كامل تاريخ الدولة السودانية الحديثة، وعلى تجربة سياسية أخفقت في إنتاج دولة محايدة وقادرة على إدارة التنوع الوطني، وصياغة عقد سياسي جامع يحقق المشاركة المتوازنة ويمنح جميع السودانيين شعوراً متساوياً بالانتماء إلى وطن واحد.

 

ختاما: إن أهمية هذا التطور لا تكمن في مضمونه الإجرائي فحسب، وإنما في الدلالة التاريخية التي يحملها بشأن مستقبل الشرعية السياسية في السودان. فالأزمة السودانية في جوهرها أزمة دولة عجزت طويلاً عن الفصل بين الوطن والتنظيم، وبين المؤسسات والمصالح، وبين المجال العام وشبكات النفوذ المغلقة. ومن هنا، فإن أي مسار جاد نحو السلام والاستقرار يقتضي الانتقال من شرعية السيطرة إلى شرعية المشاركة، ومن احتكار التمثيل إلى التعدد الوطني، ومن منطق الغلبة إلى منطق العقد السياسي الجامع. فالسودان الذي يخرج من هذه الحرب لن يكون قابلاً للحكم بالأدوات القديمة، ولن تستقر أوضاعه عبر إعادة تدوير النخب ذاتها أو استنساخ الصيغ التي قادت إلى الانهيار. التحدي الحقيقي يتمثل في بناء دولة تتأسس على المواطنة المتساوية، وتستمد مشروعيتها من رضا مواطنيها، وتستوعب تنوعهم ضمن إطار وطني جامع. وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح السؤال المطروح أمام السودانيين جميعاً أوسع من مصير حركة سياسية أو تيار أيديولوجي؛ إنه سؤال يتعلق بشكل الدولة التي يراد بناؤها بعد الحرب، وبالأساس الأخلاقي والسياسي الذي ستنهض عليه. فإما أن يكون المستقبل فضاءً وطنياً مفتوحاً يتسع للجميع، وإما أن تستمر دوامة إعادة إنتاج الأزمات بأسماء جديدة ووجوه مختلفة، بينما يبقى الوطن أسير الحلقة ذاتها التي استنزفت عمره وموارده وفرص نهوضه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.