الدفاتر القديمة: لماذا يرفض السودانيون الحركة الإسلامية

 

 الدفاتر القديمة: لماذا يرفض السودانيون الحركة الإسلامية

السماني شكر الله

ثمة لحظات في تاريخ الأمم تتحول فيها الذاكرة إلى محكمة، لا تُرفع جلساتها بالتقادم، ولا تُشطب وقائعها ببيانات الإنكار والتبرير. والحركة الإسلامية السودانية تقف اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات الفاصلة؛ إذ تتساءل بعض قياداتها وعضويتها عن أسباب الرفض الشعبي الواسع الذي يواجهها، وكأن السودانيين استيقظوا ذات صباح فقرروا فجأة معاداتها دون سبب. غير أن الإجابة لا تكمن في خصومات السياسة، ولا في مؤامرات الخارج، بل في دفاتر تجربة حكم امتدت لخمسة وثلاثين عاماً، تركت وراءها دولة منهكة ومجتمعاً مثقلاً بالجراح.
لقد جاءت الحركة الإسلامية إلى السلطة وهي تعد السودانيين بمشروع حضاري يحقق النهضة والعدالة والاستقرار، لكنها انتهت إلى بناء منظومة حكم جعلت التنظيم فوق الدولة، والولاء فوق الكفاءة، والمصلحة الحزبية فوق المصلحة الوطنية. ولم يكن الخطأ مجرد سوء إدارة أو تقدير سياسي عابر، بل تمثل في إعادة تشكيل الدولة نفسها لتصبح أداة في خدمة التنظيم ومراكزه النافذة.
ومن أكبر الخطايا التي ما تزال تلقي بظلالها الثقيلة على المشهد السوداني تحويل موارد البلاد وثرواتها إلى ما يشبه الملكية الخاصة لشبكات التمكين والتنظيم. فخلال سنوات الحكم الطويلة، نشأت طبقة من المنتفعين احتكرت فرص الاستثمار والتجارة والعطاءات العامة، بينما تراجعت معايير المنافسة والشفافية. وتحولت مؤسسات اقتصادية يفترض أن تكون ملكاً للشعب إلى أدوات لتعزيز النفوذ السياسي والاقتصادي لفئات محددة، الأمر الذي أضعف الاقتصاد الوطني ورسخ شعوراً عاماً بالظلم والتهميش.
ولم تقف الكارثة عند حدود الاقتصاد. فالحركة التي رفعت شعارات بناء الدولة الحديثة ساهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إضعاف مؤسساتها الاستراتيجية. ففي قطاع التعليم، تراجعت جودة المناهج وتدهورت البيئة المدرسية والجامعية، وتعرض النظام التعليمي لتجارب أيديولوجية وإدارية متعاقبة أفقدته كثيراً من تماسكه التاريخي. أما القطاع الصحي، الذي كان يوماً من مفاخر السودان، فقد أنهكته سياسات الإهمال وضعف التمويل وهجرة الكفاءات، حتى أصبح الحصول على العلاج الكريم حلماً بعيد المنال لكثير من المواطنين.
لكن الخطيئة الأكبر والأكثر مأساوية تتجسد في ظاهرة المليشيات والجيوش الموازية التي نمت خارج الإطار الطبيعي للدولة. فحين تُضعف المؤسسات العسكرية النظامية لصالح تشكيلات ذات ولاءات خاصة، فإن الدولة تزرع بذور أزمتها القادمة بيدها. ولهذا يرى كثير من السودانيين أن المأساة الحالية ليست حدثاً معزولاً عن الماضي، بل امتداد لسلسلة من الخيارات والسياسات التي فتحت الباب أمام تضخم مراكز القوة خارج بنية الدولة التقليدية.
ومن المفارقات القاسية أن بعض القوى التي أصبحت لاحقاً تهديداً وجودياً للدولة السودانية نشأت أو تمددت في ظل ترتيبات سياسية وأمنية ارتبطت بسنوات حكم الحركة الإسلامية. واليوم، بينما تخوض البلاد واحدة من أكثر حروبها تدميراً، يجد السودانيون أنفسهم أمام مشهد عبثي تتصارع فيه قوى كان كثير من جذورها قد نما داخل التربة السياسية ذاتها التي أنتجتها مرحلة التمكين الطويلة.
لهذا فإن سؤال: “لماذا يرفضنا السودانيون؟” لا يحتاج إلى حملات إعلامية للإجابة عنه، بل يحتاج إلى مراجعة أمينة لتجربة الحكم نفسها. يحتاج إلى مساءلة القادة الذين أداروا الدولة لعقود، وسؤالهم عن مصير مشروعهم، وعن أسباب انهيار المؤسسات، وعن الثروات التي تبددت، وعن التعليم الذي تراجع، وعن الصحة التي انهارت، وعن الأزمات التي تراكمت حتى انتهت إلى حرب تهدد وجود السودان ذاته.
إن الأزمة الحقيقية للحركة الإسلامية ليست في خصومها، بل في عجزها عن مواجهة تاريخها السياسي بصدق. فالنقد الذاتي ليس ترفاً فكرياً ولا مناورة علاقات عامة، بل شرط أساسي لأي مصالحة مع المجتمع. يبدأ ذلك بالاعتراف بمسؤولية انقلاب 1989 عن كسر المسار الديمقراطي، وبالإقرار بأن سياسات التمكين أضعفت الدولة، وأن تحويل الموارد العامة إلى شبكات مصالح خاصة أضر بالوطن، وأن صناعة مراكز القوة الموازية أسهمت في إنتاج الكارثة الراهنة.
فالشعوب قد تتسامح مع الأخطاء، لكنها لا تتسامح مع الإصرار على إنكارها. ولهذا لا تزال الدفاتر القديمة مفتوحة، لا لأن السودانيين أسرى للماضي، بل لأن جراح ذلك الماضي ما تزال تنزف في حاضرهم. وما لم تمتلك الحركة الإسلامية شجاعة قراءة تلك الدفاتر قراءة نقدية صادقة، فإنها ستظل تدور في دائرة العزلة نفسها، باحثة عن إجابة لسؤال يعرف الجميع موضعها، إلا من يرفضون النظر في المرآة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.