من عقلية التفكيك إلى عقلية البناء: أين تكمن أزمتنا السودانية

من عقلية التفكيك إلى عقلية البناء: أين تكمن أزمتنا السودانية

 

بقلم: الزين عبد العزيز يونس

 

يمر السودان اليوم بمنعطف تاريخي هو الأخطر في تاريخه الحديث؛ منعطف يتجاوز حدود الصراع العسكري والسياسي السطحي، ليمسّ عمق البنية الفكرية والاجتماعية للدولة. وفي خضم هذه الأزمة الوجودية، ينشغل الكثيرون بتبادل الاتهامات وإلقاء اللوم على المؤامرات الخارجية، مستعيرين أدوات وشعارات جاهزة، بينما يغفلون عن طرح السؤال الشجاع والأهم: ما الذي أودى بنا نحن إلى هذا المصير؟ وكيف صنعنا بأيدينا البيئة الخصبة لهذا الانهيار؟

إن قراءة الواقع السوداني اليوم بجميع مكوناته بعين فاحصة تتطلب منا تجاوز القشور، والوقوف أمام ثلاث حقائق كبرى لا يمكن العبور بدونها:

المكاشفة الشجاعة: عيوب الداخل قبل شماعة الخارج

إن إشكاليتنا البنيوية في السودان ليست إشكالية حضارة تنهار من فرط قوتها أو ماديّتها، بل هي أزمة واقع يعاني من التشظي والتصدع من فرط هشاشته الداخلية.

الحقيقة المُرّة: إن الاستمرار في تعليق فشلنا السياسي والاقتصادي على “التدخلات الخارجية” و”المؤامرات الدولية” ليس سوى  هروب من الواقع إلى الأمام وتخدير الوعي السوداني العام . إننا بحاجة اليوم إلى شجاعة وطنية غير مسبوقة لمواجهة عيوبنا الذاتية، والاعتراف بالأمراض الهيكلية، والجهوية، والعنصرية التي مزقت نسيجنا الاجتماعي، بدلاً من الاكتفاء بلوم الآخرين.

الخروج من فخ “الهدم” والعدمية السياسية

لقد دفع الشعب السوداني أثماناً باهظة من دمائه، واستقراره، ومستقبل أجياله في دورات متتالية من إسقاط الأنظمة وتفكيك المؤسسات. لكن المعضلة التاريخية الكبرى كانت تكمن دائماً في غياب الرؤية لما بعد السقوط.

لقد برعت النخب والمكونات السياسية في الإجابة عن سؤال: “ماذا نريد أن نهدم ونُسقِط؟”، ولكنها عجزت تماماً وعبر عقود عن تقديم إجابة وطنية موحدة على سؤال: “ماذا نريد أن نبني؟”. إن النقد والهدم بلا بديل وطني جاهز وعقلاني لا يقود إلا إلى الفوضى والعدمية، وإعادة إنتاج الأزمات بذات الوجوه أو بوجوه أسوأ.

البوصلة الحاكمة: “القسط” والرحمة

إن مخرج السودان من هذا النفق المظلم لن يكون باستيراد وصفات سياسية معلبة، ولا عبر سياسات الإقصاء وعقلية “المنتصر والمستسلم” التي أثبتت عقمها. إن المخرج الوحيد يتلخص في صياغة مشروع وطني جامع يرتكز على قيمتين أساسيتين:

القسط: وهو العدالة الحقيقية والناجزة، والنزاهة المطلقة في توزيع السلطة والثروة لإعادة الحقوق والمواطنة بلا تمييز، وتفكيك عقلية التهميش التاريخي.

الرحمة: وتتجلى سياسياً واجتماعياً في إرساء أسس التعايش السلمي، وقبول الآخر، وجبر الضرر، وتضميد جراح الحرب بروح التسامح والبناء لا التشفي والانتصار الذاتي المنتصر الوحيد هو السودان.

العبور نحو المستقبل: الاعتراف أول خطوات البناء

لكي ينهض السودان من وسط هذا الركام، يجب أن ننتقل فوراً وبشكل حاسم من عقلية التفكيك والصراع التي لا ترى في الوطن سوى غنيمة أو ساحة لتصفية الحسابات والمحاصصات، إلى عقلية البناء والتأسيس التي تضع لبنات دولة المؤسسات والقانون والمواطنة.

إن المراجعة النقدية للذات ليست جلداً لها، بل هي أولى خطوات التعافي والسيادة الحقيقية. إن إسقاط واقعنا وتشخيص قصورنا يحتاج منا اليوم إلى اعتراف واضح وشجاع بالخطأ؛ حتى لا نقع فيه مرة أخرى، وليكون ما جرى درساً قاسياً نتعظ منه جميعاً. فالدول لا تبنى بالشعارات الفضفاضة ولا بتبادل الملامة، بل بامتلاك الجرأة لمواجهة الواقع وتسمية الأشياء بمسمياتها، ثم الشروع في البناء على أسس متينة من العدل والرحمة. والعمران

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.