معادلة السودان الجديد..
كيف تلتقي تحذيرات (هافيستو) مع طموحات القوى المدنية في (نيروبي)؟
معادلة السودان الجديد..
كيف تلتقي تحذيرات (هافيستو) مع طموحات القوى المدنية في (نيروبي)؟
✍🏼بقلم: أحمد عثمان محمد المبارك
تأتي التصريحات الأخيرة للمبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، لتلقي حجراً ثقيلاً في مياه الأزمة السودانية الراكدة، كاشفة عن ملامح وتفاصيل بالغة الأهمية تدور خلف الكواليس الدولية والإقليمية، وتتزامن في توقيت حساس مع زخم مدني وسياسي واسع النطاق شهدته العاصمة الكينية نيروبي الاسبوع الماضي، بمشاركة طيف عريض من القوى المدنية السودانية. ويقود الربط التحليلي بين هذه التحركات الدبلوماسية الأممية من جهة، والتحشيد المدني المتصاعد في نيروبي من جهة أخرى، إلى نتيجة مفادها أن قطار الحل السياسي بدأ يتحرك نحو مسار أكثر وضوحاً، يهدف بالأساس إلى إنهاء الحرب، وإطلاق الإغاثة الإنسانية، وتدشين عملية سياسية تقصي مسببي الأزمة وتؤسس لحكم مدني مستدام.
وعند تدقيق النظر في إفادة بيكا هافيستو، نجد أن القضية الجوهرية التي حظيت بإجماع الأطراف هي ضرورة إنهاء الحكم العسكري والانتقال إلى سلطة مدنية، وهو موقف أممي يتقاطع تماماً وبصورة حيوية مع مخرجات وتوصيات لقاء نيروبي المدني، حيث التقت القوى السياسية هناك لتؤكد على ذات المبدأ بأنه لا مخرج للسودان من نفق الحرب المظلم إلا عبر التوافق على جبهة مدنية عريضة تقود المرحلة الانتقالية بعيداً عن هيمنة السلاح. وتتكامل جهود الأمم المتحدة التي ذكرها هافيستو في لقاءات برلين وغيرها من العواصم مع حراك نيروبي لبناء قاعدة مدنية أكثر قوة وتأثيراً، مما يشير إلى أن المجتمع الدولي لم يعد يبحث فقط عن وقف إطلاق نار مؤقت بين جنرالات الحرب، بل يبحث عن البديل المدني الجاهز لتسلم السلطة، وهو ما عمل لقاء نيروبي على بلورته وهيكلته.
ولعل المفاجأة الأبرز في تصريحات المبعوث الأممي هي الكشف عن وجود خطوط حمراء وضعتها دول فاعلة لاستبعاد جماعة الإخوان المسلمين والحركة الإسلامية من أي ترتيبات انتقالية مستقبلية، وهو ما يمثل في تقديري اعترافاً دولياً وإقليمياً بأن الواجهات التابعة للنظام البائد تشكل العقبة الأساسية أمام استقرار السودان، وأنها كانت وقوداً لاستمرار الحرب الراهنة. هذا الاستبعاد المطروح على طاولة التفاوض يمنح القوى المدنية التي اجتمعت في نيروبي دفعة قوية، حيث طالما حذرت هذه القوى من محاولات النظام القديم العودة إلى المشهد عبر بوابة الحرب، مما يعني أن غلق الباب أمام التيار الإسلامي المتشدد سياسياً سيمهد الطريق لعملية سياسية أكثر سلاسة، ويقطع الطريق أمام أي محاولات لعرقلة التحول الديمقراطي مستقبلاً.
وفي المقابل، أقر هافيستو بوجود تحديات أمنية معقدة ترتبط بالضمانات وآليات المراقبة لما بعد وقف إطلاق النار، وهنا يأتي دور المقترح الخاص بتوسيع المجموعة الرباعية لتقديم ضمانات دولية وإقليمية حازمة بمشاركة السعودية، الإمارات، مصر، والولايات المتحدة عبر مبعوثها مسعد بولس، وهو طرح دبلوماسي يرتبط مباشرة بالملف الإنساني، حيث أفرزت الحرب كارثة مجاعة غير مسبوقة، وجعلت القوى المدنية في نيروبي من ملف الإغاثة وفتح الممرات الإنسانية أولويتها القصوى، مما يعني أن التنازلات التي طالب بها هافيستو قيادات الجيش وقوات الدعم السريع ليست خياراً رفاهياً، بل هي شرط أساسي لتدفق المساعدات، ولن يقبل المجتمع الدولي باستمرار تكتيك تجويع الشعب كوسيلة للضغط العسكري.
ومن وجهة نظري الشخصية وتوقعاتي لمستقبل الأزمة، أرى أننا أمام مشهد يتشكل وفق معادلة جديدة تقوم أولاً على انحسار شرعية السلاح، حيث إن تصريحات هافيستو حول التراجع الضمني لهيمنة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان على السلطة، تؤكد أن المجتمع الدولي بات يرى في الوجود العسكري المباشر في السلطة جزءاً من الماضي، وتشير التوقعات إلى أن الضغوط الدولية القادمة ستجبر طرفي النزاع على القبول بصيغة جيش مهني موحد خاضع لسلطة مدنية، مع توفير خروج آمن أو ضمانات معينة للقيادات الحالية مقابل وقف الحرب.
كما أتوقع ثانياً أن تنجح القوى المدنية السودانية، مستفيدة من زخم لقاء نيروبي والدعم الأممي المعروض، في تشكيل هيئة قيادية موحدة أو جسم مدني عريض يكون هو الشريك الشرعي المعترف به دولياً لإدارة الموارد والإشراف على تدفق الإغاثة الإنسانية فور التوصل لهدنة، تليها خطوة ثالثة متمثلة في صياغة مستقبل العملية السياسية، فبالرغم من التعنت الذي قد يظهره بعض أطراف النزاع، إلا أن التنسيق الدولي عالي المستوى بين الرباعية والخماسية والتواصل المستمر مع الرياض وأبوظبي والقاهرة وواشنطن يوضح أن هناك رؤية موحدة للقوى الخارجية الأساسية لن تسمح بانتصار عسكري مطلق لأي طرف، بل ستدفع باتجاه تسوية فرضية تبدأ بوقف إطلاق نار ومراقبة دولية، يليه مباشرة إطلاق عملية سياسية مدنية شاملة تستثني دعاة الحرب والنظام القديم.
وخلاصة القول، إن تصريحات المبعوث الأممي بيكا هافيستو لم تكن مجرد تقييم دبلوماسي عابر، بل هي خارطة طريق مكملة ومساندة لما جرى التوافق عليه في نيروبي، وتؤكد أن السودان يسير، وإن كان بخطوات مثقلة بالجراح والآلام، نحو إنهاء حقبة الحكم العسكري والديكتاتورية العقائدية، لتبدأ قريباً مرحلة الإنقاذ الإنساني التي تؤسس، عبر عملية سياسية شاقة، لدولة مدنية ديمقراطية طالما دفع الشعب السوداني ثمنها من دماء أبنائه واستقراره.