“إعلان بانجول” يحرج الخرطوم

إدانة لممارسات الجيش السوداني من قلب القارة الأفريقية.

بانجول (غامبيا) – لم يكن “إعلان بانجول” الصادر عن اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب مجرد وثيقة حقوقية تضاف إلى أرشيف المنظمة القارية، بل جاء بمثابة صدمة سياسية وقانونية أعادت ترتيب أوراق الصراع السوداني في المحافل الإقليمية، واضعةً السلطة في الخرطوم أمام استحقاقات بالغة التعقيد.

واتسم الإعلان بلغة صارمة وغير مسبوقة، حيث لم يكتفِ بتوصيف الانتهاكات في السودان، بل ذهب نحو محاصرة الشرعية الإجرائية التي تستند إليها سلطة الأمر الواقع التي يقودها الجيش في تعاملها مع المعضلة الحقوقية، مما يخلق حالة من الحرج الدبلوماسي.

وأعلن وفد السودان المشارك في أعمال مفوضية حقوق الإنسان والشعوب التابعة للاتحاد الأفريقي، الثلاثاء، رفضه تبني “إعلان بانجول”، تحت ذريعة افتقاره إلى السند القانوني.

وخلال الدورة العادية السابعة والثمانين للجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب (اللجنة)، المنعقدة في الفترة من 24 أبريل إلى 20 مايو الجاري في بانجول، من جمهورية غامبيا؛ أصدر المشاركون إعلانا بوقف الهجمات ضد المدنيين والأعيان المدنية في السودان، واتخاذ خطوات فورية نحو وقف الأعمال العدائية وإقرار وقف مستدام لإطلاق النار، مدعوما بترتيبات فعالة للرصد وتدابير لبناء الثقة.

ودعا الإعلان إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى جميع السكان المتضررين، مع الامتناع عن مهاجمة العاملين في المجال الإنساني.

وحث الإعلان على ضرورة إخضاع الانتهاكات والتجاوزات الجسيمة، بما في ذلك جرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وغيرها من جرائم الفظائع المرتكبة من قبل طرفي الصراع وحلفائهما، وكذلك الأفعال التي ترتكبها الدول والكيانات التي تساعد أو تحرض على ارتكاب الانتهاكات والتجاوزات الجسيمة من قبل أطراف النزاع، لتحقيقات سريعة ومستقلة ومحايدة وفعالة، بهدف ضمان العدالة والحقيقة وجبر الضرر وضمانات عدم التكرار.

وانتقد الوفد السوداني، تقريرا كان أعده الفريق الأفريقي المكلف بالتحقيق في الانتهاكات، قائلاً إنه اكتفى بزيارة مخيمات اللاجئين بالخارج وإجراء بعض المقابلات افتراضيا.

ودعا الوفد، في الخطاب الذي قدمه مندوب السودان الزين إبراهيم، إلى ضرورة مقابلة الفريق الأفريقي للآليات الوطنية المختصة بالتحقيق في انتهاكات القانون الإنساني الدولي والوطني داخل البلاد، قبل الدخول في مثل هذا الالتزام مع جهات دولية يرفض السودان التعامل معها، في إشارة إلى البعثة الأممية لتقصي الحقائق.

وتكمن قوة إعلان بانجول في كونه يصدر عن آلية إقليمية يمتلك السودان عضوية أصيلة فيها، وهو ما يسقط ذريعة “التدخل الخارجي” التي طالما استخدمتها الخرطوم للالتفاف على التقارير الدولية، فحين تأتي الإدانة من قلب القارة الأفريقية، ومن مؤسسة معنية بحماية حقوق الشعوب، فإن الحجة السياسية لسلطة الأمر الواقع تضعف، وتصبح محاصرة بمواثيق الاتحاد الأفريقي التي وقعت عليها طواعية.

ويرى مراقبون أن الحرج هنا ليس أخلاقيا فحسب، بل هو حرج قانوني يفتح الباب أمام ملاحقات دولية وتضييق للخناق في ملفات المساعدات والاعتراف السياسي، خاصة وأن الإعلان ركز على آليات المحاسبة وغياب العدالة الانتقالية في ظل استمرار الصراع.

ويقول المراقبون إن الإعلان يعد تحولا جذريا في الموقف الأفريقي تجاه الأزمة السودانية، فبعد فترة من الصمت أو “الحياد الحذر”، بدأت المؤسسات الأفريقية تتبنى نبرة أكثر التصاقاً بالواقع الميداني، وهو ما تعتبره سلطة الأمر الواقع في السودان انحيازا يهدد سيادتها، بينما يراه المجتمع الدولي تصحيحا لمسار التعامل مع الملف السوداني.

ويضع الإعلان هذه السلطة في مواجهة مباشرة مع التزاماتها تجاه الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان، مشددا على أن حالة الطوارئ أو النزاع المسلح لا تعفي الدولة من مسؤوليتها الأساسية في حماية المدنيين وصون كرامتهم. هذا التوصيف القانوني الدقيق يجرّد السلطة من قدرتها على المناورة داخل أروقة الاتحاد الأفريقي، ويجعل من استمرار النهج الحالي مقامرة بمقعد السودان ومكانته في القارة.

وما يزيد من حدة الحرج هو توقيت صدور الإعلان، الذي تزامن مع تحركات دولية حثيثة لزيادة الضغط على طرفي النزاع من أجل وقف الحرب في السدان، مما يجعل من “بانجول” منصة انطلاق لضغوط دولية جديدة.

ويظهر رفض الخرطوم لمخرجات الإعلان السودان كدولة مارقة على منظومتها الإقليمية، وهو أمر لا تحتمله الموازنات السياسية الراهنة. ومن هنا، يجد الجيش السوداني نفسه بين مطرقة الالتزام بالمعايير الأفريقية الصارمة التي يفرضها الإعلان، وسندان الواقع العسكري والسياسي.

وعتبر المراقبون أن إعلان بانجول يمثل مرآة عاكسة لإخفاقات متراكمة في إدارة ملف حقوق الإنسان خلال الأزمة، وهو يثبت أن الهروب إلى الأمام لم يعد خياراً متاحاً. فالخرطوم اليوم مطالبة ليس فقط بالرد القانوني على البنود الواردة، بل بتقديم خطوات ملموسة تثبت جديتها في وقف الانتهاكات، وإلا فإن العزلة الأفريقية ستكون هي الثمن المقبل.

ويقول المراقبون إن الحرج الذي أحدثه الإعلان ليس عابراً، بل هو مؤشر على أن الفضاء الأفريقي بدأ يضيق بالتبريرات، وأن لغة المصالح السياسية بدأت تفسح المجال للغة المبادئ الحقوقية، مما يضع الخرطوم في اختبار عسير لإعادة بناء ثقة مفقودة مع جيرانها وإقليمها، بعيداً عن لغة السلاح والتصعيد.

وبحسب المراقبين، فإن إعلان بانجول هو وثيقة تاريخية ستؤثر بلا شك على مستقبل الشرعية في السودان وعلى شكل العلاقات السودانية الأفريقية في المرحلة المقبلة، مما يجعله تحدياً لا يمكن الالتفاف عليه بوسائل الدبلوماسية القديمة

العرب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.