سلطة الصندوق.. مالم يقله الدكتور منتصر ابا صالح عن إصلاح الأحزاب..

سلطة الصندوق..

مالم يقله الدكتور منتصر ابا صالح عن إصلاح الأحزاب..

 

✍🏼أحمد عثمان محمد المبارك

 

في مقاله المعنون بـ “تحالفات السياسة السودانية”، وضع الدكتور المنتصر أبا صالح إصبعه على جرح غائر في جسد الممارسة السياسية السودانية، مشخّصاً ببراعة حالة التكلس والأبدية التي تعاني منها التحالفات والأحزاب، ولا يختلف اثنان على صدق هذا التوصيف فيما يخص غياب المؤسسية وهيمنة الشللية وسيطرة الكهنة السياسيين على المشهد، غير أن النظر إلى هذا الواقع المزري من زاوية مختلفة يجعلنا ندرك أن عطب الأحزاب ليس مجرد خلل بنيوي معزول، بل هو نتيجة طبيعية لغياب المختبر الوحيد للصلاحية، وهو نظام مدني مستقر يُدار عبر صندوق الاقتراع.

 

​إن الانتقادات التي وجهها دكتور منتصر للأحزاب هي انعكاس لواقع سياسي مشوه تعيش فيه الاحزاب السودانية في حالة طوارئ دائمة منذ عقود، فمنذ الاستقلال كانت فترات الحكم المدني قصيرة ومتقطعة، مما حرم هذه التنظيمات من ممارسة التمرين الديمقراطي الذي يصقل أدواتها ويجدد دماءها، فالأحزاب في أي نظام سياسي هي كائنات تتشكل وفقاً لقواعد اللعبة السائدة، وعندما تكون اللعبة هي المغالبة أو الانقلاب أو التسويات الفوقية، فإن الحزب يتحول تلقائياً من أداة للبناء الوطني إلى أداة للبقاء الشخصي والتنظيمي، وهنا تبرز جدلية البيئة السياسية؛ إذ لا يمكن للأحزاب أن تمارس ديمقراطية فعلية في بيئة تخلو من تداول السلطة.

 

لذلك فإن ​النقطة الجوهرية هنا هي أن انصلاح حال الأحزاب مرتبطة عضوياً بوجود سلطة يُخشى فقدانها عبر الصناديق أو يُحلم بالوصول إليها عبر نفس الوسيلة، ففي غياب الانتخابات الحرة والنزيهة، لا يجد القيادي الحزبي نفسه مضطراً لاسترضاء قواعده أو تطوير برامجه، لأنه لا يحتاج لأصوات الجماهير للوصول إلى كراسي الوزارات، بل يحتاج فقط إلى براعة المناورة داخل غرف التحالفات المغلقة التي أشار إليها دكتور منتصر، بينما في وجود نظام ديمقراطي حقيقي، يصبح الحزب مجبراً على إصلاح بيته الداخلي وتصعيد وجوه شابة ومقبولة شعبياً، ببساطة لأن الفشل التنظيمي والجمود القيادي سيعنيان حتماً الهزيمة الانتخابية والخروج من دائرة الفعل.

 

​إن التحالفات الإدمانية التي وصفها الكاتب هي في جوهرها وسيلة دفاعية مشوهة للتعويض عن ضعف السند الجماهيري في بيئة تفتقر للأمان السياسي، فالديمقراطية داخل الحزب لا تنمو في فراغ، بل هي ثقافة تنعكس من ديمقراطية الدولة ومؤسساتها، وطالما ظل الوصول للسلطة يتم عبر المحاصصات أو في ظل غياب الرقابة الشعبية، فستظل هذه الأحزاب عبارة عن دكاكين سياسية تدار بعقلية الشللية، ولن يختفي كهنة السياسة إلا إذا فُتح باب التنافس الشريف الذي يفرض على الجميع التنحي أمام القيادات الميدانية القادرة على الإقناع والحشد.

 

​في الختام، إنني إذ اتفق مع الدكتور منتصر في تشخيصه الدقيق للعرض المتمثل في الأحزاب المتكلسة، إلا أنني أرى أن العلاج  يبدأ بانتزاع واقع مدني يفرض صدمة الصندوق على الجميع، تلك الصدمة التي ستجبر الأحزاب إما على التطور والتحول إلى مؤسسات جماهيرية حقيقية تخشى غضبة الناخب، أو الانهيار والذوبان لتترك المجال لقوى جديدة تعبر عن روح العصر، فبدون سلطة تحتكم لإرادة الشعب، ستظل هذه التحالفات تدور في نفس الحلقة المفرغة، ليس حباً في التكلس، بل لغياب النظام الذي يمنح الشرعية لمن يستحقها حقاً عبر اختيار الجماهير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.