التحريات تكشف عن مراسلات (واتساب) بين وسيطة السلاح الإيرانية الموقوفة وميرغني إدريس

لم تكن زيارة رئيس سلطة الأمر الواقع ببورتسودان عبد الفتاح البرهان إلى سلطنة عمان حدثاً دبلوماسياً عادياً يمكن قراءته من خلال البيانات الرسمية وحدها. وبينما اكتفت الرواية المعلنة بالحديث عن “تعزيز العلاقات الثنائية” و”بحث تطورات الأزمة السودانية”، تكشف قراءة أعمق في ضوء وقائع جنائية دولية وتقارير غربية موثوقة أن هذه الزيارة تقف عند تقاطع ثلاث دوائر شديدة الحساسية “شبكات تسليح مرتبطة بإيران، وإعادة تموضع الإسلاميين داخل السلطة، واستخدام مسقط كمنصة تشغيل خلفية تتقاطع فيها السياسة بالأمن بالاقتصاد غير الرسمي”.

في ظل سيطرة الإسلاميين في السودان المصنفين حديثاً حركة إرهابية، تتحول العاصمة العمانية الهادئة إلى حلقة وصل في صراع إقليمي أوسع، ويؤكد عناصر النظام السابق قيادتهم المشهد في السودان بإمتياز، تحت غطاء “شركات واجهة” وعقود أسلحة بمئات الملايين من الدولارات.

ملف “شركة أطلس” وقضية الأيرانية “شميم مافي

القضية التي لا يمكن تجاهلها، والتي تعيد تشكيل فهم هذه الزيارة بالكامل، هي توقيف وسيطة السلاح الإيرانية “شميم مافي” في الولايات المتحدة، وما كشفته وثائق مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) وحيثيات المحكمة الفيدرالية في كاليفورنيا من تفاصيل عن حجم شبكة تهريب السلاح التي انهارت فجأة، ما دفع قيادة الجيش السوداني والتيار الإسلامي إلى الهرع إلى مسقط في محاولة يائسة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

يوم السبت الماضي أعلن مكتب الادعاء الفيدرالي الأمريكي في لوس أنجلوس القبض على مافي بتهمة انتهاك “قانون الصلاحيات الاقتصادية في حالات الطوارئ الدولية” (IEEPA)، وذلك بتهمة التوسط في بيع أسلحة إيرانية الصنع إلى السودان.

لكن ما لم يكن معروفاً حتى صدور الوثائق القضائية الأخيرة هو الحجم الحقيقي للعمليات التي كانت تديرها هذه المرأة من غرفة معيشتها في أمريكا، وكيف تمكنت من تحصيل عمولات طائلة تجاوزت سبعة ملايين دولار من مندوب منظومة الصناعات الدفاعية السودانية المتواجد بسلطنة عمان عبر حوالات مالية إلى صرافة في دولة خليجية، بينما ذهبت ملايين الدولارات الأخرى إلى صرافة في تركيا.

المراسلات بين الإيرانية “شميم مافي” وميرغني إدريس!

وفقًا للملف الرسمي المعروض أمام القاضي الفيدرالي جويل رتشلين، والذي اطلعت عليه مصادر التحقيق، فإن “مافي” لم تكن مجرد سمسارة عابرة، بل كانت حلقة مركزية في سلسلة توريد الأسلحة الإيرانية إلى السودان.

ففي 24 يوليو 2024، أرسل وسيط أسلحة سوداني “ميرغني إدريس سليمان” إلى مافي عبر تطبيق واتساب نص مسودة “عقد شراء أنظمة طائرات مسيّرة قتالية من طراز M-6″، حيث يشير الحرف M إلى طائرة “قدس مهاجر-6” الإيرانية.

وبحلول 27 يوليو 2024، كان العقد قد اكتمل، حيث نص على أن شركة مافي العُمانية (Atlas Tech LLC، المعروفة أيضًا باسم Atlas International Business LLC وAtlas Global Holding، وتحمل الرقم التسجيل العُماني 1459420) ستمثل طرفًا واحدًا، بينما تمثل وزارة الدفاع السودانية الطرف الآخر.

لكن الرقم المفاجئ ظهر في العقد الموقّع بتاريخ 6 سبتمبر 2024، حيث نصت الاتفاقية على أن شركة Atlas Global Holding ستورّد ست طائرات M-6، وثلاثين وحدة إطلاق قنابل للطائرات، ومحطتي تحكم أرضيتين، و300 قنبلة موجهة، ومعدات أخرى، بقيمة إجمالية بلغت 61,656,000 يورو (أكثر من 66 مليون دولار)، تُسدّد على أربع دفعات، مع منح نظام إضافي كحافز عند السداد الكامل في المواعيد المحددة.

وبحلول 12 نوفمبر 2024، كان قد تم تحديد مهلة سبعة أيام لسفر الممثلين السودانيين إلى إيران لإتمام العقد.
عقودات بين إيران والسودان.

ما يجعل هذه القضية أكثر خطورة هو الكشف عن أن مافي لم تكن تتوسط فقط في صفقة “مهاجر-6″، بل كانت أيضاً وسيطاً لبيع قنابل جوية إيرانية من طراز OJAN-500، وهي قنابل إسقاط جوي شديدة الانفجار.

فوفقًا لشهادة مستخدم نهائي مؤرخة 21 يناير 2025 وموقعة من وزير الدفاع السوداني، تعاقدت وزارة الدفاع الإيرانية (MODAFL) لتوريد 500 قنبلة OJAN-500 لصالح القوات المسلحة السودانية “للاستخدام الحصري في الحروب”، وبحلول 12 مارس 2025، عرضت ” شميم مافي” توريد هذه القنابل بسعر 5,500 يورو للوحدة.

والأكثر إثارة للقلق أن بعض هذه القنابل كان سيُورَّد من الصين في البداية ثم من إيران اعتباراً من منتصف 2025، ما يشير إلى شبكة توريد عالمية معقدة.

وفي تطور يشير إلى حجم الطموح الإيراني في تسليح السودان، كشفت الوثائق في تحقيقات قضية المتهمة “مافي” أنه في أو حوالي 20 مايو 2025، أُرسل عرض لبيع 500 طائرة انتحارية من طراز B4-H من شركة الصناعات الجوية الإيرانية (HESA)، وهي شركة مملوكة للدولة ومدرجة على قائمة العقوبات الأمريكية منذ 17 سبتمبر 2008.

كما ناقشت “مافي” في 18 أبريل 2025 مبلغ 2,000,000 دولار واستعملت الرمز “136”، والذي يُرجّح أنه يشير إلى طائرات “شاهد-136” الإيرانية الانتحارية، وطُلب حذف الرسائل بعد حفظ المعلومات.

أما طائرة “مهاجر-6” فهي منصة قتالية متطورة قادرة على حمل ذخائر موجهة بدقة، ووفقًا لتحليلات صادرة عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، أصبحت هذه الطائرة جزءًا من عقيدة الحروب غير المتكافئة التي تعتمدها طهران.

ضربة لمنظومة التسليح

تقارير صادرة عن وكالة رويترز مؤخراً أكدت أن الطائرات المذكورة سابقاً وصلت بالفعل إلى السودان عبر مسارات شحن غير مباشرة، ولعبت دوراً في تغيير ميزان العمليات، خصوصاً في الخرطوم بالتالي فقد منظومة توريدها الآن يمثل كارثة كبري.

إن انهيار هذه الشبكة بتوقيف “مافي” يمثل ضربة قاصمة لمنظومة التسليح التي اعتمد عليها البرهان والإسلاميون.

فمع توقيف السمسار الرئيسي، وتجميد الحسابات، وكشف طرق التحويل عبر الصرافات في تركيا، أصبح الطريق إلى السلاح الإيراني مسدوداً، أو على الأقل معقداً بشكل لم يعد معه ممكناً استمرار العمليات بالوتيرة نفسها.
الهرع إلى مسقط

وهنا يأتي تفسير الهرع إلى مسقط؛ فالسلطنة التي كانت مقر تسجيل شركة “أطلس”، والتي تمتلك علاقات وثيقة بطهران، تبدو الملاذ الوحيد لإعادة بناء ما تهدم، أو على الأقل لفتح قنوات بديلة تضمن استمرار تدفق الأسلحة إلى ساحات القتال في الخرطوم ودارفور.

لماذا مسقط الآن؟

السؤال المركزي الذي يفرض نفسه لماذا اختارت شبكات التهيئة الإيرانية السودانية تسجيل شركتها في سلطنة عمان تحديداً؟ سلطنة عمان معروفة بدورها كوسيط إقليمي هادئ، لكنها في الوقت ذاته توفر بيئة مرنة للتواصل غير المباشر، خصوصاً في الملفات المرتبطة بإيران. غير أن البعد الأهم في الحالة السودانية يتجاوز هذا الدور التقليدي.

هنا لا يمكن أغفال معلومة جوهرية، كانت مسقط مقر عمل الفريق أول ركن “المتنحي بأمر ثوار ديسمبر” عوض محمد أحمد بن عوف كسفير للسودان، قبل أن يستدعيه المخلوع عمر البشير ليتولى وزارة الدفاع. وابن عوف ليس مجرد وزير دفاع عابر؛ هو الذي ترأس “اللجنة الأمنية” بإدارة انتقال السلطة في 11 أبريل 2019، وبعد تنحي ابن عوف في اليوم التالي (12 أبريل) تحت ضغط الثوار، هو من اختار عبد الفتاح البرهان ليرأس المجلس العسكري الانتقالي خلفًا له. بهذا المعنى، لا تبدو مسقط مجرد محطة خارجية، بل عقدة قديمة داخل شبكة علاقات النظام السابق، فوجود شركة “أطلس” هناك ليس صدفة؛ إنه امتداد لعلاقات سياسية وعسكرية راسخة.

وفد “الإسلاميين” إلى عمان من هم؟

تتعمق هذه القراءة أكثر عند النظر إلى تركيبة الوفد المرافق لقائد الجيش، والتي لا تعكس وفداً دبلوماسياً تقليدياً بقدر ما تعكس فريق إدارة ملفات حساسة جداً.

هذه الأسماء ليست مجرد بيروقراطيين؛ بل هم رموز للتيار الإسلامي الحاكم. فقد ضم الوفد وزير الخارجية محي الدين سالم، وهو إسلامي بارز شغل منصب مدير مكتب وزير الخارجية الأسبق وزعيم التيار الإسلامي المساند للجيش والمصنف حديثاً حركة إرهابية علي كرتي ، وحضوره يؤكد أن الزيارة تحمل أبعاداً تنظيمية.

كما ضم الوفد مدير جهاز المخابرات العامة بسطلة بورتسودان أحمد إبراهيم مفضل، وهو إسلامي عتيق يدير الجهاز الأكثر إثارة للجدل، ووجوده يعني مناقشة ملفات أمنية حساسة للغاية.

ضم الوفد أيضًا العميد أسعد يوسف أو المعروف بين زملائه في الجيش بـ”أسعد المرطب” سكرتير وياور بمكتب البرهان، وهذه الشخصية الأكثر دلالة فهو ضابط منظم بالحركة الإسلامية منذ نعومة أظافره، وبالجيش كان سكرتيراً لعدد من مدراء الاستخبارات العسكرية، ثم سكرتيراً للرئيس المخلوع عمر البشير في القصر الجمهوري، ولا يُعرف له تاريخ عملياتي أو حربي يذكر، وظيفته بالأساس هي التنسيق الإداري واللوجستي رفيع المستوى بين قصور الرئاسة وأجهزة الحركة الإسلاميين.

هذه التركيبة التي تجمع بين القرار السياسي (سالم)، والجهاز الأمني (مفضل)، والامتداد التنظيمي (يوسف) تشير إلى أن الزيارة لم تكن مجرد تحرك دبلوماسي، بل أقرب إلى عقد “لجنة عليا” لتنسيق عمليات التسليح وترتيب المشهد بعد أحداث كشف شبكة التسليح الأخيرة.

ماذا ناقش اللقاء؟
وفقاً لمعلومات حصرية تحصلت عليها “صحيح السودان” فإن البرهان عقد لقاءات مع الإسلاميين في مسقط (بتنسيق من السفير السوداني هناك عصام عوض متولي – وهو مدير مكتب عوض الجاز السابق ومكتب علي عثمان محمد طه) ناقشت قضايا تتجاوز السودان إلى اليمن. فقد ناقشوا التنسيق مع الحوثيين، أي آليات التعاون مع جماعة الحوثي المدعومة من إيران، ما يعيد صياغة التحالفات الإقليمية، فالجيش السوداني كان جزءاً من التحالف العربي ضد الحوثيين، لكن يبدو أن الإسلاميين يسعون الآن لقلب الطاولة بناءً على أجندة طهران.

ووفقاً للمعلومات ناقش اللقاء إعادة تموضع الإسلاميين، حيث تشير تحليلات صادرة عن تشاتام هاوس (Chatham House) ومركز كارنيغي للشرق الأوسط (Carnegie Middle East Center) إلى أن الحرب في السودان خلقت فراغاً سمح بعودة شبكات الإسلاميين إلى مؤسسات الدولة، ليس عبر إعلان سياسي مباشر، بل من خلال إعادة التمكين التدريجي داخل الأجهزة، وتأتي زيارة مسقط كجزء من هذا النمط، إعادة تشغيل الشبكات القديمة في بيئة خارجية هادئة.

الإدانة الأمريكية

في أمريكا تواجه الإيرانية “شميم مافي” عقوبة تصل إلى 20 عاماً في السجن الفيدرالي، بينما في عمان البرهان يُستقبل بريبة لمناقشة كيفية استمرار عمل شركة “أطلس” أو تفعيل بدائلها. ما يجري هو إعادة إنتاج لنموذج “العقوبات مقابل الحماية”، فالسودان الذي يئن تحت وطأة حرب مدمرة دخلت عامها الرابع يتحول إلى ساحة لتجارب الأسلحة الإيرانية، واستمرار محاولات تنظيم الإسلاميين لاستغلال عمان لتوفر الغطاء الجغرافي والدبلوماسي.

لا تكمن خطورة هذه الزيارة في ما أُعلن عنها، بل في ما لم يُعلن. زيارة البرهان إلى مسقط ليست زيارة دولة؛ إنه اجتماع أشبه بالاجتماعات الطارئة لمجلس إدارة شركة.

وكان جدول الأعمال هو كيفية تأمين شحنات السلاح الإيراني (“مهاجر-6” والصواعق) بعد سقوط شبكة “شميم مافي”، والمنفذون هم فريق من المخابرات وأعضاء الحركة الإسلامية المعروفين بعملهم ضمن صفقات السلاح من خلال تواجدهم في مواقع قيادية في مؤسسات الدولة والجيش.

صحيح السودان

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.