الانذار الاخير لجنرالات السودان.. واشنطن ترفع الكرت الأحمر من القاهرة.
الانذار الاخير لجنرالات السودان..
واشنطن ترفع الكرت الأحمر من القاهرة.
✍🏼احمد عثمان محمد المبارك-
على وقع طبول الحرب التي لم تهدأ في السودان، جاءت تصريحات مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي، من قلب القاهرة لترسم ملامح مرحلة جديدة من الحزم، متجاوزة لغة الدبلوماسية الناعمة إلى فضاء الإنذار الأخير. إن خطاب مسعد بولس الصارم في القاهرة لا يعكس فقط تحولاً في نبرة واشنطن، بل يشير إلى استعداد استراتيجي لتفعيل البدائل الأخرى التي وضعت طرفي النزاع أمام خيارين أحلاهما مر، فإما الانصياع لمسار سياسي مدني، أو مواجهة تدخلات دولية تتدرج في شرعيتها وقسوتها.
ومن هنا، يبرز التساؤل حول ماهية هذه الخيارات التي تلوح بها الإدارة الأمريكية، والتي تتأرجح بين التدخل الجبري تحت مظلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وبين التدخل الإنساني المسلح بصورة منفردة. إن الفارق الجوهري بين هذين المسارين يكمن في الغطاء القانوني ومصدر الشرعية، فالتدخل تحت الفصل السابع هو الخيار الذي تسعى واشنطن لتمريره عبر مجلس الأمن، حيث يعتبر السودان بموجبه تهديداً للسلم والأمن الدوليين، مما يمنح المجتمع الدولي تفويضاً قانونياً كاملاً لاستخدام القوة القسرية والعقوبات الملزمة لإعادة الاستقرار. أما في حال استمر الشلل الدبلوماسي في اروقة الأمم المتحدة نتيجة الفيتو الروسي الصيني، فإن تصريحات بولس تفتح الباب أمام سيناريو (التدخل الإنساني المسلح). هذا النوع من التدخل ينطلق من مرجعية أخلاقية ترى أن حماية الأرواح من الإبادة أو الجوع تسمو فوق قدسية سيادة الدولة، وهو تحرك قد تقوده واشنطن بشكل منفرد أو عبر (تحالف الراغبين) خارج أروقة الأمم المتحدة، مبررة ذلك بمسؤولية حماية المدنيين التي لم تعد تحتمل الانتظار.
وفي قلب هذه التجاذبات، يبرز الموقف المصري كلاعب محوري ومعقد في آن واحد؛ فمن المعروف تاريخياً وإستراتيجياً دعم القاهرة لمؤسسة الجيش السوداني باعتبارها حائط الأمان صد ضد الفوضى التي قد تهدد أمن مصر القومي. إلا أن استضافة القاهرة لتصريحات مسعد بولس الحادة تشير إلى براغماتية مصرية جديدة، فبينما تظل القاهرة حريصة على تماسك الجيش السوداني، إلا أنها باتت تدرك أن استمرار الحرب بلا أفق يمثل تهديداً وجودياً أكبر من أي تسوية سياسية مفروضة. هذا التوازن الدقيق يعني أن مصر قد توفر الشرعية الإقليمية لأي تحرك أمريكي محتمل بشرط أن يضمن هذا التحرك استقرار مؤسسات الدولة وعدم انهيارها، وهذا سيجعل الضغط الأمريكي وسيلة مصرية غير مباشرة لدفع حليفها في الخرطوم نحو قبول تسوية تنهي النزاع قبل أن يخرج عن السيطرة تماماً ويفرض تدخلاً دولياً لا تملك أي جهة التحكم في نتائجه.
هذا التحول الأمريكي تجاه الأزمة في السودان لا يتحرك في معزل عن التعقيدات الإقليمية، فبرغم التساؤلات حول مدى قدرة واشنطن على الانخراط في السودان وهي تخوض مواجهة معقدة مع إيران، إلا أن الواقع يشير إلى أن السودان يمثل الجناح الخلفي لتأمين البحر الأحمر؛ مما يجعل حسم الفوضى فيه ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن ملفات الشرق الأوسط الأخرى. اذن نحن أمام مشهد يتشكل فيه الضغط الأقصى، حيث أصبح جاءت تصريحات مسعد بولس من القاهرة بمثابة رسالة مفادها أن الغطاء الإقليمي والدولي بات متاحاً لفرض حلول قد تتجاوز القنوات التقليدية، واضعة الجميع أمام حقيقة واحدة هي إن ثمن العناد العسكري قد يكون زوال الدولة أو وضعها تحت الوصاية الدولية القسرية.