استراتيجية التلاعب بالعقول.. حرب السودان الكبرى!
استراتيجية التلاعب بالعقول.. حرب السودان الكبرى!
فايز الشيخ السليك
لم أعثر على وصفٍ ساخرٍ من الحرب أقسى من عبارة ((كل شيء هادئ في الميدان الغربي)) التي انهى بها الروائي الألماني أريك ماريا مارك، روايته (كل شيء هادئ في الجبهة الغربية)، والتي نُشرت في عام 1930 كأقوى شهادة إدانة للحرب العالمية الأولى، وكأنه لم تحدث كوارث!.
يْذكر أنَٓ الكاتب كان قد التحق مقاتلاً ضمن المقاتلين الذين شاركوا طوعاً مع جيش بلاده خلال تلك الحرب بسبب الدعاية القوية التي صوَٓرت الحرب على أساس أـَها حربٌ من أجل الوطن، و بقيت هذه الرواية مطبوعةً في ذهني منذ أن قرأتها عندما كنتُ تلميذاً في المدرسة المتوسطة قبل اكثر من أربعين عاماً.
أهمَٓ ما ميز الرواية أنٓها سبحت ضد التيار الشعبوي الجارف حينها في ألمانيا، ونزعت غطاء النفاق عن “السرديات الكذوبة” للحروب، وفضحت زيف الشعارات البراقة، وبيَّنت خطل الدعاية المبنية على تغييب العقول؛ إذ أرسل كاتب التقرير داخل النص الروائي رسالته المشفَّرة للقيادة كاذباً بأن ” كل شيء هادئ في الميدان الغربي، في وقتٍ كان فيه بطل القصة وساردها يلفظ أنفاسه الأخيرة في ذات جبهة القتال الهادئة!
كمقاربةٍ بين النص الروائي وحربنا التي طوَّت عامها الثالث، نجد أن الحروب لا تُقتصر على المواجهات المسلحة، بل تمتد إلى حروبٍ فكرية وإعلامية تُستخدم فيها الكلمات والأفكار للتأثير على الرأي العام وتشكيل السرديات.
ويقول الكاتب الفرنسي ديفيد كولون، في كتابه “حرب المعلومات.. كيف تسيطر الدول على عقولنا” إلى عالمٍ مخيف تُدار فيه المعارك بوسائل غير مرئية، من صور مصمَّمة لتزرع الشكّ، إلى خبر كاذب أكثر إقناعا من الحقيقة، ثم خوارزميات تصوغ المشاعر السياسية على مقياس المصالح القومية”.
وقال الكاتب وفقاً لموقع قناة الجزيرة “صرنا نخوض حربا لم نحسب لها حسابا، بلا إعلان ولا جبهات ولا أعداء واضحين”. وهي حرب بلا نهاية، لأن سلاحها هو المعلومة ذاتها، ولأن ميدانها الأوسع هو الإنسان -أنت وأنا- حين نصبح الهدف والوسيلة في آن واحد”.
في رواية ” كل شيئ هادئ في الجبهة الغربية، انضم البطل مع سبعة شبابٍ لم تتجاوز أعمارهم العشرين عاماً إلى حرب المحاور والحلفاء، استجابةً للدعاية الألمانية وشعاراتها الطنانة وخطب ساستها الرنانة، وما احتوته من سرديات تدليس وقصص تضليل وتدبيج الكلام.
أو كما قال الشاعر:
أرى تحتَ الرمادِ وميضَ جمرٍ ..
ويوشكُ أن يكونَ له ضِرام
فإن النار بالعودين تُذكى..
وإن الحرب مَبدؤها كلامُ.
وكلام ْالحربِ في السودان بدأ منذ ْسقوط رأس نظام الانقاذ المخلوع عمر البشير، عبر استهداف الفترة الانتقالية؛ حيث نظَٓم الفلول حملاتٍ منظمة عبر وسائط التواصل الاجتماعي هدفت إلى تخريب عملية الانتقال السلمي، التحوَٓل الديموقراطي، الحكم المدني، ونشطت حملات تحطيم الروح المعنوية للثوار، فقدان الثقة، اشعال نيران الخلافات، اثارة الفتنة، وخلق بلبلة وسط معسكر التيار الديموقراطي.
وما فتئت ماكينة اعلام الفلول تضخ حملاتها الكذوبة، والتي وصلت قمتها بتجمعات افطارات شهر رمضان الكريم، والتي لم تخف أجندتها في الانقضاض على الفترة الانتقالية ولو كان ثمن ذلك احراق كل البلادّ.
كانت تلك أولى مؤشرات الحرب اللعينة، بل مثَّلت شرر نارٍ ظلَّت مخبوءًة تحت رماد داخل نفوسٍ مشحونة، وبرزت تلك المؤشٓـرات من ذات الجماعة التي مارست الاسقاط النفسي، كآليات دفاعية بغرض الهروب من تحمل نتيجة التورط في اضرام نار الحرب، فسعت إلى “تجريم جهات أخرى وتحميل المسؤولية للقوى المدنية عبر خلق أكاذيب والنفخ في روحها فتسري سريان النار في الهشيم، وتصبح سرديتهم الكذوبة حقائق.
استخدم الإسلاميون استراتيجية “التلاعب بالعقول”، وهي عملية معقدة تتضمن استخدام تقنيات نفسية واجتماعية وتكنولوجية بهدف التأثير على وعي جمهور المستهدفين، والسيطرة على مشاعرهم وسلوكهم؛ وبالتالي تشكيل مواقفهم السياسية والاجتماعية.
وتتبع الاستراتيجية وسائل تقنية حديثة مثل وسائط التواصل الاجتماعي لنشر وتكرار أخبار وفيديوهات وصور معينة، وإطلاق شائعات بعد تهيئة النفوس، وتجهيزها لتصديق أي إشاعة؛ استناداً على التفكير الرغائبي خلال أزمنة الكوارث الطبيعية والبشرية والحروب، حيث تبحث النفس خلال هذه السياقات الظرفية عن كل ما يشبع حاجتها النفسية.
وتخلقْ الشائعات عوالم موازيةً للحقائق، ومع أنَٓ الشائعات تْبنى على معلومة واحدة قد تكون صحيحة؛ إلا أنَٓها قد تقدم ست معلومات خاطئة، او احداثاً مفبركة؛ بهدف ترسيخ السردية المعنية داخل النفوس.
وتستخدم الاستراتيجية في سردياتها مؤثرات نفسية لاثارة مشاعر الخوف، ورفع درجات الغضب في نفوس الجماهير المستهدفة حتى تكون مهيأةً للانخراط في الحرب، وتستغل هذه الاستراتيجية “قيم اجتماعية معيارية معينة تشكل مبادئ عامة للمجتمع مثل قيِٓم “الشرف والعرض والكرامة”.
وتمارسْ الجهات التي تصنع الشائعات، او تكرر الأخبار الحقيقية ضغوطاً مجتمعية على المستهدفين وحصارهم لقبول سردية الطرف مرسل الرسائل المكررة، وتبلغ هذه الضغوط ذروتها بممارسة الابتزاز العاطفي، ودمغ المخالفين بوصمات “الخيانة، والعمالة والارتزاق”.
تهدف استراتيجية “التلاعب بالعقول” إلى ارهاق العقل حتى يفقد التركيز، ولا يفرق بين الزيف والحقيقة، الخيال والواقع؛ ثم يذوب عقل الفرد داخل عقل الجماعة، وما يعرف بعقلية القطيع، وبالتالي تسهل عملية السيطرة فيصاب عقل الفرد حينئذٍ بما يمكن أن نسميه متلازمة “قصور التفكير الجدلي” فيتعامل مع المسائل بثنائية (أسود وأبيض) والعزل والفصل بين المقدمات والنتائج، أو بين الأحداث والأسباب.
استدل هنا بكيفية التعامل مع تحذيرات صدرت من القيادي بالتجمع الاتحادي بابكر فيصل، من الفشل في التوصل إلى تسوية عبر الاتفاق الاطاري، وبدلاً من فهم التصريح في سياقه الموضوعي مثلما أراد فيصل، نشطت آلية الدعاية الإسلامية في اخراج التصريح من سياقه الصحيح، ونشطت مواقعهم الاسفيرية في نشر حديث الرجل على صيغة تهديد “الاطاري أو الحرب” بدلاً عن التحذير!
المؤكد أن كل من سمع حديث فيصل، كاملاً أدرك أنَّ القصد كان “التحذير من وقوع الواقعة، وليس التهديد بها”، هذا مثل أن تحذر أنت أهل منطقة تشهد تردياً بيئياً يتوالد ويتكاثر فيه الناموس؛ فتقول لهم “إما أن تجففوا المستنقعات أو ستهلككم الملاريا”، أو مثل أن تحث الدولة على دعم المزارعين؛ فتقول “الزراعة أو المجاعة”.
لا يخفى على بصيرة أحدٍ أن اخراج الحديث عن سياقه لم يكن فعلاً بريئاً، بل كان عملاً مدروساً قُصد به التلاعب بعقول المواطنين، لشيطنة القوى المدنية ووصمها بالخيانة والعمالة من جهة، ولذر الرماد على العيون بتبرئة الجهة ذات المصلحة في اشعال وقود الحرب.
وظلَٓ مثيرو خطاب الكراهية ضد القوى المدنية يعزفون على أوتار المشاعر الجياشة، مستغلين عواطف الجماهير وانفعالاتها، وخصائصها حسب تعريف الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون، في كتابه “سيكولوجية الجماهير” وذكر أن خصائص الجماهير هي سرعة الانفعال، النزق، والعجز عن المحاكمة العقلية وذوبان الرأي الشخصي في رأي المجموع، وغياب الروح النقدية والمبالغة في اظهار العواطف والمشاعر.
وتظل الجماهير على الدوام عرضةً للتحريض، ولدغدغة المشاعر والتخطيط لعملية التلاعب على عدادات “العقل الجمعي، بغرض التعبئة والحشد، ويستغل المخططون عدة عناصر في عملية الحشود، وتشكيل ما يعرف بالكتلة الحرجة، ويأتي عنصرا الدين والعرق في السودان على رأس عناصر التحشيد، ورأينا محاولات استعادة التاريخ ومقاربة الحاضر مع ما يتواتر عن الثورة “المهدية”، وأحاديث الفتنة العنصرية عن “عربان الشتات” حتى ينجح مخطط “الانقسام المجتمعي”، وبالتالي التمهيد للقفز إلى الخطة (ب)، وهي فصل غرب السودان حال الفشل في حسم الحرب عسكرياً.
تزداد قوة فاعلية هذه العناصر حال ربطها بمؤامرة أجنبية، وخطر وجودي يهدد الأمة، وسبق أن استخدم زعيم النازية أدولف هتلر في دعايته الحربية قاعدة تقول “إذا أردت السيطرة على الناس أخبرهم أنهم في خطر، وحذرهم من أن أمنهم تحت التهديد، وأن المعارضين خونة وعملاء.
وفي حرب السودان نجح الإسلاميون في بناء سردية محكمة مستغلين سلوك قوات الدعــ م السـ.ريع، وهي القوة التي خرجت من رحم جيشهم، وكي تكون “السردية” جاذبة ومؤثرة أعدوا مسرح الجـ ريمة لها، ثم استدرجوا القوات الشريرة جنوباً من الجزيرة حتى سنار، وتركوها تفعل ما تريد، وتعبثُ بكل شيئ؛ ليظهروا هم بمظهر “الحمل الوديع” وأنهم القوى الوطنية المنقذة، الخائفة على الوطن، والمدافعة عن كرامة إنسانه. لم يهمهم ثمن ذلك؛ فليس مهماً لديهم التضحية بإنسان الجزيرة لفك حصار الحاميات العسكرية في الخرطوم، ولتسجيل نقاط سياسية عبر الحديث عن حقوق الانسان، وانتهاكـ ـات الجنـ جويد، ودعم القوى المدنية لذلك.
قبيل خروج الطلقة الأولى من مأسورة بندقية جندي، ظَّلت آلة الدعاية الضخمة تبعث برسائلها عبر وسائط التواصل الاجتماعي لنشر العنصرية وخطاب الكراهية، وخلق الفوضى، وعسكرة الفضاء العام، والعمل على تطبيع المواطنين مع ثقافة العنف المعنوي والجسدي.
وسط هذا الهياج كان من الطبيعي أن تبهت حبال الأصوات العاقلة، وفي المقابل طفو “سرديات التدليس والتضليل” على السطح، وتتراجع الأسئلة الباحثة عن الحقيقة، مثل لماذا كانت الحرب؟ ومن أشعل حريقها؟ وهل بدأت الحـ رب في صبيحة الخامس عشر من أبريل 2023 وهل بدأت الحرب بانتشار قوات الدعـ ــم السريع وانفتاحها شمالاً ومحاصرتها لقاعدة مروي؟ أم بذهاب قائد الدعــ م السريع إلى دارفور؟، وما هي أسباب تعبئة الإسلاميين بقيادة أنس عمر، ناجي عبد الله، محمد علي الجزولي، الحاج آدم، إبراهيم محمود؟ وما هو تأثير تلك الحملات على رفع وتيرة التوتر؟ ثم ماذا عن خطابات دعاة الفتنة و”حمالات الحطب قبل الخامس عشر من أبريل؟
من أطلق الرصاصة الأولى في المدينة الرياضية؟، وما الذي أوصل قوات الجيش إلى معسكر الدعــ ــم السريع هناك في فجر ذاك اليوم المشؤوم؟؟ هل ثمة طرفٍ ثالث كان يدرك أن بإطلاقه الطلقة الأولى سوف تتدحرج كرة اللهب بتلك السرعة؟ وكيف برزت قوات الظَّل وكتائب “البراء” منذ أول يومً من انفجار القتال؟ أين كانت؟ ولماذا يمتلك تنظيمٌ سياسيٌ مليشيا مسلحة؟ وفي الحديث عن العوامل الخارجية يبقى السؤال ما هو حجم التأثير الإقليمي والدولي على الحرب سلباً وايجاباً؟.
ثُمَّ ما هي علاقة “الاتفاق الإطاري” بانفجار الحرب؟ ماذا كان يحوي الاتفاق؟؛ وهنا لا يخالجني أدنى مقدارٍ من الشك أن نسبةً كبيرة من الذين يعادونه لم يعرفوا تفاصيله، أو اطلعوا مجرد الاطلاع عليه، ولا يزالون يجهلون بنوده بعد أن صرعتهم الدعاية وجعلتهم ضحايا لعملية سطو منظم، وجريمة ممنهجة.
هناك المئات من الأسئلة التي لا يجرؤ مروجو دعاية الحرب ونافخو كيرها على إثارتها مثل ماذا تحقق من الحرب خلال ثلاث سنوات؟ كم يبلغ عدد الضحايا المدنيين؟ وكم يبلغ عدد القتلى من الجانبين؟ متى يعود اللاجئون والنازحون إلى مناطقهم؟ كيف عانى الملايين من السودانيين وامتهنت كرامتهم بسبب الحرب؟.
وبما أنَّ للحرب تأثيراتها على حياة الناس ومعاشهم، فلا يمكن تجاهل الأسئلة المرتبطة بحجم الكلفة الاقتصادية، ويشمل ذلك تحطيم البنى التحتية، تدمير المصانع، فرص الاستثمار الضائعة، نهب الموارد بما في ذلك “الذهب الدامي”، التسليح والامداد؛ لكن بدلاً من طرح مثل هذه التساؤلات يستغل دعاة الحرب ومثيرو الكراهية “استراتيجية التلاعب بالعقول” والسيطرة عليها لصالح الأجندة الحربية؛ ومن ثَمَّ تمرير سرديتهم وكتابة تقارير على مستوى”كل شيء هادئ في هذا البلد المفجوع”.