النور القبة الذي سرق أباه ليطعم اللصوص
النور القبة الذي سرق أباه ليطعم اللصوص
اسماعيل عبدالله
قال جيفارا: (الذي باع وطنه وخان بلاده مثل الذي يسرق من بيت أبيه ليطعم اللصوص، فلا أبوه يسامحه ولا اللص يكافئه)، هذا هو النور القبة الذي احتفى به لصوص بورتسودان، بعد أن باع الوطن وخان الرفاق، وهذه سنة الحياة أن يكون دائماً هنالك خائن محتمل في المجتمعات البشرية، والعبرة هنا بسد الثغرات حتى لا يأتي منها الخونة والأرزقية والانتهازيون والوصوليون ومنعدمو الضمير، وقال الفتى اللاتيني الذي وضع النجمة الحمراء على جبهته وهو ينفث السيجار الكوبي الفاخر أيضاً: (إذا أردت تحرير وطنك ضع عشر رصاصات في مسدسك تسع للخونة في الداخل وواحدة للعدو)، هذا هو إرث النضال من أعلى هرم الإنسانية إلى أدنى الهرم الذي يرقد تحت ركامه النور القبة، فلولا خونة الداخل لما استطاع العدو اختراق الصف، وتجربتنا المحلية تقول أن خليل إبراهيم تم قتله بطائرة موجهة بعد أن وضع القرص المحدد للموقع أحد أقاربه تحت لحافه هذا بعد أن دس له السم في طعامه أحدهم الآخر المؤتمن على سر الزعيم وفشل في انهاء حياته، وتم كشف مخبأ داؤود يحي بولاد بواسطة واحد من عشيرته مقابل 500 ألف جنيه سوداني في ذلك الوقت – المكافأة التي رصدها النظام الإرهابي لكل من يدلي بمعلومة عن (المتمرد)، فالتمرد عند دولة 56 ليس بالضرورة أن يكون مقروناً بالمطالب المشروعة، فهو في الحقيقة أي نزعة تحررية تغشى روح وعقل المهمش المقهور، هذه النزعة وحدها كفيلة بأن ترسله إلى الدار الآخرة.
صدام حسين خانه حسين كامل ابن أخيه ونسيبه زوج كريمته الكبرى رغد، وحينما لفظه اللصوص عاد إلى العراق مكسور الجناح ذليل النفس فقامت العشيرة بغسل العار ومحوه ولم يشفع له قربه من المهيب، السلطان علي دينار عندما قتله الانجليز وسقط من حصانه رفع رأسه فإذا به يرى مستشاره المقرب يقف جنباً إلى جنب مع الضابط البريطاني الذي اطلق عليه الرصاص وقيل أن السلطان عض سبابته غيظاً من المستشار الخائن حتى فاضت روحه ولم يستطع مشيعوه أن يفكوا قبضة الأسنان على الأصبع فدفنوه بنفس الحال المعبر عن مرارة ظلم ذوي القربى، والتاريخ القديم والحديث ملئ بقصص الخونة والمارقين، ودوائهم الكي بالنار لا جرعات من العسل مثل تلك التي سقى بها الخائن الأشهر كيكل، ما كان للأشاوس أن يسقوه العسل وهو يغادرهم خائناً بل كان الأشفى للصدر و أن يُسقى من العلقم ويُكوى بالنار، فهل استوعب ثوار 15 أبريل الدرس أم أننا موعودون بكيكل ونور قبة آخرين؟، فالتحذر المؤسسة من مغبة ترك الحبل على غارب القادة الكبار، وعليها تفعيل دور الشرطة العسكرية والاستخبارات، وعدم الاستهانة بالتقارير التي ترد بخصوص التحركات المشبوهة لبعض عظام الضباط، وليس خروج الخونة سالمين واحتضان العدو لهم دائماً يأتي بالخير كما يرى ذلك بعض الحريصين على المصلحة الجامعة، بالخلاص من البصلة المتعفنة، لا، إنَّ حصول العدو على قادة نافذين ضرره أكثر من نفع التخلص منهم.
رُوي عن الزعيم جون قرنق أنه زار المناضل فيدل كاسترو رئيس كوبا وقائد ثورة تحريرها هو وشقيقه راؤول، زاره بعد انشقاق لام أكول ورياك مشار عن الحركة وذهابهم لحضن الوحش قاتل الثوار، فطمأنه كاسترو بأن قال له أنك الآن على الطريق الصحيح والأكثر صحة مما مضى، وذكّره بأن قطار ثورة التحرر الوطني يصعد إليه في المحطة الأولى الجميع – الصادقون والانتهازيون وأصحاب المصالح الضيّقة والباحثون عن الأضواء والبهرج الشخصي – لكن بعد طول أمد يتساقطون ويبقى معك الصادقون، أو كما قال، في تلك الانتكاسة التي منيت بها الحركة الشعبية بداية تسعينيات القرن الماضي، لم يجد قرنق سوى زعيم شعب النوبة النبيل الأستاذ المناضل يوسف كوة مكي، لقد طعنه أهله الدينكا في الظهر – كاربينو كوانين دينق وآخرون، وذهب الشلك مع لام أكول والنوير ناصروا المنشق والانفصالي رياك مشار، الشاهد في الأمر أن التجربة البشرية واحدة، لذلك يجب أن لا تبتئس القيادة بخروج زيد أو ذهاب عبيد، فسوف يخرج كثيرون ويذهب لحضن عصابة بورتسودان الأكثر، لكن تظل الراية عالية خفاقة لن يسقطها المتخاذلون والخونة والمارقون، لأن أرواح الشهداء ودعوات الثكالى والأرامل كفيلة بمباركة مسيرة الكفاح الوطني التحرري الذي ينشد الحرية والانعتاق وبين ظهرانينا أشاوس يأكلون النار ويجندلون العدو جندلة كأن جنوده حبات سبحة بيد درويش متبتل.