مؤتمر برلين… إنسانية على طاولة تجار الحرب
مكين حامد تيراب
نتابع التطورات الإقليمية والدولية، وبصورة خاصة ترتيبات مؤتمر برلين المعني بالقضايا الإنسانية المزمع انعقاده في 15 أبريل 2026، لنجد أنفسنا مرة أخرى أمام ذات المشهد القديم بثوب جديد: مبادرات تُصاغ بعيدًا عن أصحاب الألم الحقيقيين، وتُدار بذات العقلية التي صنعت الأزمة وتغذت عليها.
ما يحدث ليس مجرد خلل في التمثيل، بل هو إعادة إنتاج ممنهجة لإقصاء الضحايا الحقيقيين، واستبدالهم بواجهات مصنوعة بعناية، لا تمثل إلا نفسها، ولا تعكس شيئًا من واقع المعاناة على الأرض. أسماء تتكرر، كيانات تدور في نفس الفلك، ومنظمات مجتمع مدني بلا جذور في الشارع، تحولت إلى أدوات لتجميل قرارات جاهزة سلفًا.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لمؤتمر إنساني أن ينجح، بينما يجلس على طاولته داعمو الحرب أنفسهم؟ كيف يُعقل أن يُمنح من أشعلوا النيران دور “رجال الإطفاء”؟ إنها مفارقة فجة تكشف أن القضية لم تعد إنسانية بقدر ما هي إدارة مصالح، وتقاسم أدوار، وإعادة ترتيب نفوذ.
الأخطر من ذلك، أن بعض القوى التي ظلت تمثل العمود الفقري لدولة العنف، لا تزال تجد طريقها إلى هذه المنصات، عبر واجهات سياسية ومدنية، في تجاهل تام لحقائق التاريخ القريب. هذه القوى لم تكن يومًا جزءًا من الحل، بل كانت أصل الأزمة، وعنوانًا لاستدامة الحرب، وتعطيل أي تحول ديمقراطي حقيقي في السودان.
إن أي مسار جاد لمعالجة الأزمة السودانية، لا يمكن أن يُبنى على هذا الأساس المختل. بل يجب أن ينطلق من مرجعية واضحة، وفي مقدمتها خارطة الطريق التي نص عليها بيان الرباعية في 12 سبتمبر 2025، والذي وضع النقاط على الحروف، وأكد ضرورة استبعاد الإسلاميين من أي عملية سياسية مستقبلية، باعتبارهم جزءًا أصيلًا من منظومة العنف التي أنهكت البلاد.
المطلوب اليوم ليس مؤتمرات شكلية، ولا بيانات إنشائية، بل مراجعة شجاعة للنهج بأكمله. على المجتمعين الإقليمي والدولي أن يدركوا أن استمرارهم في نفس السياسات، يعني ببساطة استمرار الأزمة. وأن الاتكاء على نفس الأدوات، لن ينتج إلا نفس الفشل.
إرادة الشعوب لا تُدار من الخارج، ولا تُختطف عبر وكلاء. ومن يريد حلًا حقيقيًا للسودان، فعليه أن يبدأ من حيث يجب: من صوت الضحايا، لا من حسابات الفاعلين في الظل.
أما غير ذلك… فليس سوى إعادة تدوير للأزمة، تحت لافتة إنسانية زائفة.