النور القُبة من شرف نضال الهامش إلى صفّ المتاعيس
النور القُبة من شرف نضال الهامش إلى صفّ المتاعيس
بقلم: فاطمة لقاوة
لم يكن سقوط النور القُبة حدثًا مفاجئًا بقدر ما كان حلقة جديدة في مسلسلٍ طويل من إعادة تدوير الخيبة،فالرجل الذي خرج من رحم الهامش، حاملاً—ولو نظريًا—قضية المظلومين، إنتهى به المطاف في ذات الخندق الذي طالما أنتج المأساة.
إنضمامه إلى معسكر بورتسودان لم يكن “موقفًا سياسيًا” عابرًا، بل إنحيازًا واضحًا إلى سلطةٍ لم تعرف يومًا سوى إدارة البلاد بمنطق الإقصاء والحرب.
ما فعله النور القُبة ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو إنخراطٌ صريح في معسكر المتاعيس-حسين جودات و موسى هلال ومن معهم من التُبع-أولئك الذين سبقوه إلى بيع الوهم لأنفسهم قبل أن يبيعوه للناس، والذين إختاروا أن يكونوا أدواتٍ في يد المركز، بدل أن يكونوا صوتًا في وجهه.
المأساة هنا لا تكمن فقط في الشخص، بل في الرمزية التي يمثلها،فعندما ينحاز أحد أبناء الهامش إلى ذات البنية التي همّشته، فإنه لا يخذل نفسه فقط، بل يطعن في ظهر كل أولئك الذين ما زالوا يقاومون على خطوط النار،في القرى، وفي معسكرات النزوح، وفي شوارع المدن المنسية.
لقد ظلّ المركز، عبر تاريخه، بارعًا في إستقطاب بعض أبناء الأطراف، لا ليمنحهم القوة، بل ليعيد إنتاج سيطرته عبرهم،يضعهم واجهة لتفيذ جرائمه، ويحتفظ لنفسه بالقرار.
هنا تحديدًا يسقط من لا يملكون مناعة الوعي، ولا صلابة الموقف،والنور القُبة، للأسف، لم يكن إستثناءً من هذه القاعدة، بل أصبح مثالًا صارخًا لها.
قد يحاول البعض تبرير ما حدث بضغوط الواقع أو تعقيدات اللحظة السياسية، لكن الحقيقة أبسط من كل ذلك: هناك من يختار أن يقف مع الناس، وهناك من يختار أن يقف مع جلادهم،ولا توجد منطقة رمادية في لحظات الإنحياز الكبرى.
أخطر ما في هذا النوع من السقوط، أنه يُغلف نفسه بخطابٍ مموّه، يحاول أن يقدّم الإنحياز لسلطة الأمر الواقع الباطشة كأنه “واقعية سياسية”، أو “بحث عن الإستقرار”،لكنه في جوهره ليس سوى إستسلامٍ مزيّن، وتخلٍ صريح عن القيم التي يدّعي أصحابها أنهم حملوها يومًا.
النور القُبة لم ينضم فقط إلى معسكر سياسي، بل التحق بسلسلة طويلة من المتاعيس الذين مرّوا من هنا: أولئك الذين بدأوا بشعارات الثورة، وإنتهوا حرّاسًا لبوابات السلطة- جبريل،مناوي ،تمبور ،عقار ،أردول- أسماء تتبدل، لكن النتيجة واحدة: إطالة عمر الأزمة، وتعميق جراح البلاد.
مع ذلك، فإن التاريخ لا يتوقف عند هؤلاء،فكل تجربة خذلان، مهما كانت موجعة، تُنتج في المقابل وعيًا أشد صلابة.،وكل إنحيازٍ زائف، يكشف بوضوح أكبر من يقف حقًا في صف الناس، ومن يختبئ خلفهم،ويتاجر بمأساتهم.
الثورة لا تُقاس بمن إنسحبوا منها، بل بمن بقوا،و لا تُهزم بإنضمام فردٍ إلى معسكر السلطة، بل تتقدم بإصرار أولئك الذين رفضوا أن يكونوا جزءًا من اللعبة.
هؤلاء هم من سيكتبون السودان الجديد، لا أولئك الذين إختاروا أن يكونوا هامشًا داخل الهامش.
سيبقى السؤال معلقًا في وجه كل من سلك هذا الطريق:
ماذا تبقّى منكم بعد أن خسرتم أنفسكم؟
أما الشعب، فلن ينسى، والتاريخ—كما علّمنا—لا يخلّد المتاعيس، بل يلفظهم خارج ذاكرته، ويحتفظ فقط بأسماء الذين،حين كان الإنحياز مكلفًا، إختاروا أن يدفعوا الثمن كاملًا من أجل تحرير مجتمعاتهم دون أن يساوموا.
ولنا عودة بإذن الله
الأحد،١٢أبريل/٢٠٢٦م