إنكار الهوية وخطاب الإقصاء: قراءة قانونية في تصريحات مني أركو مناوي
إنكار الهوية وخطاب الإقصاء: قراءة قانونية في تصريحات مني أركو مناوي
يعقوب التجاني المحامي
لم تكن التصريحات التي أدلى بها مني أركو مناوي، والمنكرة لوجود المنتسبين إلى جنيد، مجرد زلة لسان عابرة، بل تمثل – في تقدير قانوني موضوعي – تعبيرًا واضحًا عن أحد أخطر أنماط الخطاب السياسي، ذلك الذي يقوم على الإقصاء الرمزي ونزع الاعتراف عن جماعة بشرية بعينها.
إن القانون الدولي الجنائي، وعلى وجه الخصوص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لا ينظر إلى الجرائم الكبرى بوصفها أفعالًا مادية تبدأ بالعنف المباشر، بل يقرّ بأن بداياتها كثيرًا ما تكون بالكلمة، وبخطاب الكراهية الذي يمهد الطريق لانتهاكات جسيمة لاحقة. فالكلمة التي تنكر وجود جماعة، أو تسعى إلى تجريدها من هويتها، تفتح الباب عمليًا لنزع حقوقها الأساسية، بما في ذلك الحق في الحياة.
وبموجب المادة (7) من نظام روما الأساسي، يُعد الاضطهاد ضد أية جماعة محددة أو مجموعة من السكان لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو إثنية أو ثقافية أو دينية جريمة ضد الإنسانية، متى ما ارتكب في سياق واسع أو منهجي. ويُعرّف الاضطهاد بأنه حرمان متعمد وشديد من الحقوق الأساسية بسبب الهوية، وهو تعريف يتسع ليشمل الأفعال والخطابات التي تمهد لهذا الحرمان أو تبرره.
وقد أرست السوابق القضائية الدولية، سواء في المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة أو المحكمة الخاصة برواندا، مبدأً مهمًا مفاده أن الخطاب يمكن أن يشكل جريمة قائمة بذاته، إذا ساهم في نزع الشرعية عن وجود جماعة بشرية أو خلق مناخ عدائي ضدها. ففي قضية “أكايسو”، أكدت المحكمة أن التحريض لا يشترط أن يكون مباشرًا وصريحًا، بل يكفي أن يخلق بيئة نفسية واجتماعية تمهد لاستهداف جماعة بعينها. كما شددت أحكام أخرى على أن القصد التمييزي والإقصائي يمثل جوهر الركن المعنوي في مثل هذه الجرائم.
وفي السياق السوداني، لا يمكن فصل هذا النوع من الخطاب عن تاريخ طويل من توظيف الهويات في الصراع السياسي، حيث سعت بعض الأطراف إلى تفكيك النسيج الاجتماعي عبر تغذية الانقسامات
وتحويل الانتماءات إلى أدوات للصراع. وتأتي تصريحات مني أركو مناوي في هذا السياق لتعيد إنتاج خطاب خطير يقوم على نفي الآخر وتجريده من الاعتراف، وهو ما يهدد السلم المجتمعي ويعمّق الانقسام.
إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يقف عند حدود اللغة، بل يتجاوزها ليصبح تمهيدًا فعليًا لانتهاكات أوسع. فحين يُمحى وجود جماعة في الخطاب العام، يصبح من الأسهل تبرير إقصائها أو استهدافها على الأرض. وقد أثبتت تجارب التاريخ، وفي مقدمتها رواندا، أن الإبادة لا تبدأ بالسلاح، بل تبدأ بالكلمات التي تُشيطن الآخر وتنزع عنه صفته الإنسانية.
وعليه، فإن التعامل مع مثل هذه التصريحات – بما في ذلك ما صدر عن مني أركو مناوي – يجب ألا يُحصر في إطار الجدل السياسي، بل ينبغي أن يُقرأ في ضوء قواعد القانون الدولي التي تُجرّم خطاب الإقصاء والاضطهاد، خاصة عندما يصدر عن شخصيات عامة ويُحتمل أن يساهم في خلق مناخ عدائي ضد جماعة بعينها.
إن حماية السلم الاجتماعي في السودان تقتضي التصدي الحازم لكل خطاب ينطوي على نزع الاعتراف أو التمييز، والعمل على ترسيخ قيم المواطنة المتساوية والاعتراف بالتنوع، باعتبارها الضمانة الحقيقية لبناء دولة عادلة ومستقرة.