محمد صالح محمد في اللحظة التي تشتعل فيها الجبهات الإقليمية وتنكشف فيها التوازنات القلقة بين القوى العظمى واللاعبين المحليين يبرز تساؤل بنيوي يتجاوز السطح السياسي المباشر لماذا يجد تنظيم “الإخوان المسلمون” نفسه دائماً في المربع الإيراني حين تشتد الأزمات مع المحيط العربي والخليجي؟ إن الإجابة لا تكمن فقط في “المصالح الآنية” بل في وحدة “الجينوم السياسي” الذي يربط بين مشروع المرشد في طهران ومشروع المرشد في أدبيات الجماعة. وحدة النموذج “المرشد” كمرجعية عابرة للحدود إن التقاطع بين الإخوان وإيران ليس وليد الصدفة الجيوسياسية بل هو نتاج تلاقٍ فكري عميق حول مفهوم “السلطة المطلقة” فكما ترجم علي خامنئي في شبابه أدبيات سيد قطب رأى في “الحاكمية” القطبية وجهاً سنياً لـ “ولاية الفقيه” الشيعية فكلاهما لا يؤمن بالدولة الوطنية بحدودها السيادية بل يراها مجرد “وعاء مؤقت” لخدمة المشروع الأممي. هذا التوافق الذهني يجعل من “الإمامة” أو “الخلافة” أصلاً من أصول الدين لدى الطرفين مما يشرعن القفز فوق المصالح القومية للدول (كما حدث في الموقف من أمن دول الخليج) لصالح ما يسمونه “بيضة الإسلام” أو “الاستقلال عن الغرب”. المقامرة بـ “الأرض” من أجل “المحور” تتجلى ذروة هذا الالتباس في موقف حركة “حماس” الذراع الإخواني الأبرز التي اختارت في ذروة التصعيد عام 2026 الانحياز الكامل لطهران رغم وجود قياداتها في عواصم خليجية تتعرض لتهديدات مباشرة هذا السلوك يعيد للأذهان “الخطيئة السياسية” للجماعة إبان غزو الكويت عام 1990؛ حيث غلبت النزعة الانتهازية والمراهنة على القوى الإقليمية الصاعدة (آنذاك صدام حسين، واليوم إيران) على حساب الوفاء للدول الحاضنة. إن “وحدة الساحات” التي تروج لها إيران لم تكن بالنسبة للإخوان مجرد استراتيجية عسكرية بل كانت محاولة لإعادة إنتاج شرعيتهم المتآكلة في الشارع العربي عبر بوابة “المقاومة” حتى لو كان الثمن هو التفريط في أمن الخليج واستقراره. التشظي الداخلي صراع السلفية والقطبية رغم هذا التحالف المرئي يعيش التنظيم حالة من “الانفصام الهيكلي”. فالتيار السلفي داخل الإخوان الذي ينظر لإيران كعدو مذهبي وقومي فارسي يجد نفسه في صدام صامت مع القيادات “القطبية” التي ترى في طهران النموذج الناجح الوحيد لـ “الدولة الإسلامية الثورية”. هذا التشظي معطوفاً على فشل السردية الإخوانية في دول الثقل العربي (مصر، السعودية، الإمارات) أدى إلى تراجع قدرة الجماعة على التجنيد وتحولها من “حركة جماهيرية” إلى “أداة وظيفية” في يد المحور الإيراني. مآلات الانهيار التنظيمي إن لجوء بعض عناصر الإخوان مؤخراً لمبايعة تنظيمات أكثر راديكالية مثل “داعش” أو “القاعدة” هو النتيجة الطبيعية لانهيار التنظيم المركزي وفشله في موازنة ولائه بين الدولة والأيديولوجيا. إن دعم الإخوان لإيران في مواجهة دول الخليج ليس مجرد “موقف سياسي” بل هو “شهادة وفاة” لمشروع حاول لعقود تسويق نفسه كبديل وطني فإذا به ينتهي كظهير سياسي لمشروع توسعي إقليمي لا يرى في العرب سوى ساحات لتصفية الحسابات. إن المنطقة اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة رسم خرائط النفوذ بعيداً عن التنظيمات التي تقتات على الأزمات وتبيع الولاء لمن يدفع الثمن الأيديولوجي الأعلى.

براغماتية الأيديولوجيا تفكيك التحالف الهيكلي بين “الإخوان” ومشروع “ولاية الفقيه

 

محمد صالح محمد
في اللحظة التي تشتعل فيها الجبهات الإقليمية وتنكشف فيها التوازنات القلقة بين القوى العظمى واللاعبين المحليين يبرز تساؤل بنيوي يتجاوز السطح السياسي المباشر لماذا يجد تنظيم “الإخوان المسلمون” نفسه دائماً في المربع الإيراني حين تشتد الأزمات مع المحيط العربي والخليجي؟
إن الإجابة لا تكمن فقط في “المصالح الآنية” بل في وحدة “الجينوم السياسي” الذي يربط بين مشروع المرشد في طهران ومشروع المرشد في أدبيات الجماعة.
وحدة النموذج “المرشد” كمرجعية عابرة للحدود
إن التقاطع بين الإخوان وإيران ليس وليد الصدفة الجيوسياسية بل هو نتاج تلاقٍ فكري عميق حول مفهوم “السلطة المطلقة” فكما ترجم علي خامنئي في شبابه أدبيات سيد قطب رأى في “الحاكمية” القطبية وجهاً سنياً لـ “ولاية الفقيه” الشيعية فكلاهما لا يؤمن بالدولة الوطنية بحدودها السيادية بل يراها مجرد “وعاء مؤقت” لخدمة المشروع الأممي.
هذا التوافق الذهني يجعل من “الإمامة” أو “الخلافة” أصلاً من أصول الدين لدى الطرفين مما يشرعن القفز فوق المصالح القومية للدول (كما حدث في الموقف من أمن دول الخليج) لصالح ما يسمونه “بيضة الإسلام” أو “الاستقلال عن الغرب”.
المقامرة بـ “الأرض” من أجل “المحور
تتجلى ذروة هذا الالتباس في موقف حركة “حماس” الذراع الإخواني الأبرز التي اختارت في ذروة التصعيد عام 2026 الانحياز الكامل لطهران رغم وجود قياداتها في عواصم خليجية تتعرض لتهديدات مباشرة هذا السلوك يعيد للأذهان “الخطيئة السياسية” للجماعة إبان غزو الكويت عام 1990؛ حيث غلبت النزعة الانتهازية والمراهنة على القوى الإقليمية الصاعدة (آنذاك صدام حسين، واليوم إيران) على حساب الوفاء للدول الحاضنة.
إن “وحدة الساحات” التي تروج لها إيران لم تكن بالنسبة للإخوان مجرد استراتيجية عسكرية بل كانت محاولة لإعادة إنتاج شرعيتهم المتآكلة في الشارع العربي عبر بوابة “المقاومة” حتى لو كان الثمن هو التفريط في أمن الخليج واستقراره.
التشظي الداخلي صراع السلفية والقطبية
رغم هذا التحالف المرئي يعيش التنظيم حالة من “الانفصام الهيكلي”.
فالتيار السلفي داخل الإخوان الذي ينظر لإيران كعدو مذهبي وقومي فارسي يجد نفسه في صدام صامت مع القيادات “القطبية” التي ترى في طهران النموذج الناجح الوحيد لـ “الدولة الإسلامية الثورية”.
هذا التشظي معطوفاً على فشل السردية الإخوانية في دول الثقل العربي (مصر، السعودية، الإمارات) أدى إلى تراجع قدرة الجماعة على التجنيد وتحولها من “حركة جماهيرية” إلى “أداة وظيفية” في يد المحور الإيراني.
مآلات الانهيار التنظيمي
إن لجوء بعض عناصر الإخوان مؤخراً لمبايعة تنظيمات أكثر راديكالية مثل “داعش” أو “القاعدة” هو النتيجة الطبيعية لانهيار التنظيم المركزي وفشله في موازنة ولائه بين الدولة والأيديولوجيا.
إن دعم الإخوان لإيران في مواجهة دول الخليج ليس مجرد “موقف سياسي” بل هو “شهادة وفاة” لمشروع حاول لعقود تسويق نفسه كبديل وطني فإذا به ينتهي كظهير سياسي لمشروع توسعي إقليمي لا يرى في العرب سوى ساحات لتصفية الحسابات.
إن المنطقة اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة رسم خرائط النفوذ بعيداً عن التنظيمات التي تقتات على الأزمات وتبيع الولاء لمن يدفع الثمن الأيديولوجي الأعلى.

الراكوبة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.