نحنُ لسنا هُم..فلماذا تريدون تغييرنا: “الكُومَة”..ملّيط..كبكابيّة..فى أىّ قارّةٍ هى؟

عبد الحفيظ مريود

بدون زعل

 

نحنُ لسنا هُم..فلماذا تريدون تغييرنا:

“الكُومَة”..ملّيط..كبكابيّة..فى أىّ قارّةٍ هى؟

 

على طريق الإنقاذ الغربىّ، بين مدينتىْ الفاشر وأم كدّادة، تقعُ مدينة “الكُومَة”. تبعدُ بضعاً وسبعين كيلومتراً شرق الفاشر. ليستْ كبيرة. ليستْ مميّزة، تماماً. لنْ تسحركَ بشيئ. هى عاصمةُ قبيلة الزّياديّة. وهم قومٌ وسيمون، كرماء، شجعان، ويميلون إلى التعليم. تحتضنُ الكُومة نظارة الزياديّة.

نالتْ مدينة الكُومة النّصيب الأكبر من زيارات طيران جيش الإسلاميين.

لماذا فعل الطّيرانُ ذلك؟

فالكُومة لم تجدْ حظّها من رئاسات الفِرَق العسكريّة. ليستْ لواءً من ألوية الفرقة السّادسة فى الفاشر. ليستْ مقرّاً للشرطة، لجهاز الأمن، للإحتياطىّ المركزىّ، كما أنّها ليستْ منطقة جغرافيّة حاكمة، استراتيجيّة، أو شيئاً من هذا القبيل.

فى دفاتر ومحاضر لجنة طوارئ الكُومة، ستجدُ توثيقاً مذهلاً: 176 غارةً جوّية. و300 قذيفة، تشملُ الصّواريخ والبراميل المتفجّرة. لقد تجاوز عددُ القتلى المائتين. الخسائرُ فى الماشية، الممتلكات، الدكاكين فى السّوق شيئٌ لا يصدّقه المرء. فلماذا فعل الطّيرانُ ذلك؟

ينحدرُ من مدينة الكومة واحدٌ من ألمع رموز الجيش. الفريق أوّل آدم حامد موسى. إذْ كان قائداً للإستوائيّة، نائباً لرئيس هيئة الأركان/تدريب، والياً على ولاية كسلا، والياً على ولاية جنوب دارفور، وقياديّاً بمجلس الولايات. هل يجهلُ الجيش – وهو يذيقُ الكُومة اللّظى – المعلومات الأوليّة عن المدينة؟

الكُومة لم تكنْ مركز قيادةٍ للدّعم السّريع خلال هذه الحرب. وحين دارت رحاها فى مدينة الفاشر، فى أعقاب رفض المشتركة محاولات تجنيب الفاشر الحرب، نزح 54 ألفاً من سكّان الفاشر إلى الكُومة. لكنَّ بعضهم، كسكّان المدينة ذاتها، آثر أنْ يغادرها إلى مكان آمن. لم تدُر معركة فى الكُومة، تجبرُ النّاس على مغادرتها. لكنَّ سماءها كانتْ غير آمنة.

ولم تكنْ مدينة ملّيط أقلَّ حظّاً من الكُومة. وهى أيضاً ليستْ مقرّاً من مقرّات الفرقة السّادسة، ولم تكنْ مركزاً للدّعم السّريع. لكنَّ معارك جرتْ فيها بين الدّعم السّريع والقوّات المشتركة التى كانتْ تسيطرُ عليها، انتهتْ بدحر المشتركة وسيطرة الدّعم السّريع. على مستوى الدّمار، شهدتْ ملّيط فى يومٍ واحدٍ نفوق 400 رأس من الإبل، على حافّة واديها الذى غنّى له الشّاعر محمّد سعيد العبّاسى، فى قصيدة الشّهيرة، المقرّرة فى المنهج المدرسىّ “ملّيط”. أعدادُ القتلى والدمارُ فى الممتلكات شيئُ يندى له الجبين.

لقيتْ مدنٌ مثل “كُتُم”، “كبكابيّة”، “سَرَفْ عُمْرَة”، وقرىً صغيرة حظوظاً متفاوتة من غارات الطّيران. لكنّها جميعاً فقدتْ بشراً، ماشيةً، وتمَّ تدميرُ مرافقها، أسواقها، الآبار التى تشربُ منها، محاصيلها.

هل فعلَ الطّيرانُ ذلك ليفكَّ الحصار عن مدينة الفاشر؟

وهل نجحتْ خُطّتُه؟ أمْ كان العقل الذى يفكّرُ للجيش يرمى إلى أهداف أخرى، أبعدَ من فكّ الحصار الخانق عن مدينة الفاشر؟

تكرّرتْ نداءتُ طبّالى الحرب، الواقفين إلى صفّ جيش الإسلاميين، بضرورة إبادة “حواضن الجنجويد”. على أساس أنَّ الجنجويد – كما هو شائعٌ – ينحدرون من المكوّنات العربيّة لدارفور وكردفان. وعلى افتراض صحّة هذا الزّعم، فإنّه باستثناء “الكُومَة”، ومنطقة “الزُّرق” فى أقصى شمال دارفور، فإنَّ المدن والبلدات التى جرى قصفها لا تُعتبرُ “حواضن” لعناصر الدّعم السّريع. بل أبعد من ذلك، فإنَّ مدينة “سَرَفْ عُمْرَة”، مثلاً، عاصمة قبيلة البنى حسين، يتمُّ تصنيفها على أنّها موالية للجيش. ذلك أنَّ نّاظر القبيلة نفسه، كان مقاتلاً، ولقىَ حتفه أثناء مطاردة العناصر الفارّة عقب تحرير الفاشر.

فماذا، إذن؟

العقل الذى يسيطرُ على الجيش السُّودانىّ عقلٌ مأزوم، لا شكَّ فى ذلك. والسّلوك الإجرامىّ الذى ينتهجه تجاه المدنيين، طوال حروبه ضدَّ السُّودانيين، لا جديد فيه. فعل ذلك فى حرب الجنوب، جبال النُّوبة، النّيل الأزرق، ودارفور الأولى 2003م. فهو يعتقدُ أنَّ إبادة الحواضن فقهٌ عسكرىٌّ يجبرُ – بالاستمرار فيه – “المتمرّدين” على الاستسلام، أو يضطرُ الحواضن للتبرؤ منهم، وتسليمهم، حين تفشل الإغراءات المادّية.

ولأنَّ الإغراءات المادّية لم تعُدْ تؤتى أُكُلَها، من أيّام عثمان دقنة وعبد القادر ود حبُّوبة، فقد اعتمد الجيش، الذى هو امتدادٌ للبنية الاستعماريّة، حرفيّاً، على الأسلوب الثانى، وهو سحل المجتمعات التى أنتجتِ “التمرُّد”. وهو ما يزال يسمّيه “تمرُّد”.

الذى أقحم اسم أحمد هارون فى لائحة المطلوبين للمحكمة الجنائيّة، كان هو إصراره وتنفيذه لعمليات إبادة وتدميرٍ لمجتمعات الزّغاوة فى أعقاب 2003م، فى “كرنوى”، “أمبرو”، و”الطّينة”. وقد فعل الطّيرانُ فعلاته المستقبحة فيها، كما فعلها، قبلاً، فى الجنوب وجبال النّوبة.

مع فشل أسلوب إبادة الحواضن، محاولات تركيعها، لماذا يتمسّكُ الجيش بذات الأسلوب المجرَّب؟

ببساطة شديدة، لأنَّ الذى يتّخذُ قرار مواصلة المُضىّ قُدُما فى الأسلوب الفاشل، هو أجنبىٌّ عن هذه المجتمعات، لا ينتمى أليها، لا يستعشر ارتباطاً بها، على أىّ درجةٍ أو مستوىً. لذلك فهى لا تعنيه فى شيئ. مثله مثل الإنجليزىّ الذى سبقه، أو التركىّ الأسبق. “إنّهم ليسوا نحن”.

شايف كيف؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.