بيان بورتسودان… دفاع سياسي بعد تصنيف الحركة الإسلامية إرهابية
مجاهد بشرى
البيان الصادر عن سلطة بورتسودان لا يمكن قراءته فقط كمطالبة بتصنيف الدعم السريع تنظيماً إرهابياً، بل يمكن فهمه أيضاً كوثيقة تكشف حالة دفاع سياسي تعيشها السلطة بعد قرار الولايات المتحدة تصنيف الحركة الاسلامية في السودان تنظيماً إرهابياً.
فلو كانت السلطة الحالية في بورتسودان منفصلة فعلاً عن الحركة الإسلامية التي حكمت السودان لعقود، لكان ردها الطبيعي هو الترحيب بالقرار باعتباره خطوة نحو تفكيك إرث النظام السابق. لكن البيان لم يفعل ذلك، بل حاول تحويل النقاش فوراً إلى خصمها العسكري، وهو ما يؤكد بأن القرار أصاب بنية سياسية لا تزال مؤثرة داخل السلطة، ويثبّت صحة السردية حول سيطرة الاسلاميين على الجيش .
هذا التحول السريع في الخطاب يكشف أن القضية بالنسبة لسلطة بورتسودان ليست مبدئية بقدر ما هي محاولة لتغيير مسار النقاش الدولي، فبدلاً من التعامل مع السؤال الذي أثاره القرار الأمريكي حول نفوذ الإسلاميين داخل مؤسسات الدولة، حاول البيان إعادة صياغة القضية باعتبارها صراعاً بين الدولة وخصم “إرهابي”.
لكن هذه الاستراتيجية ستنقلب على أصحابها، لأنها ستفتح الباب أمام التدقيق في طبيعة السلطة نفسها وتركيبتها السياسية والأمنية.
وعند النظر إلى تركيبة السلطة الحالية في بورتسودان تظهر مفارقة واضحة، فوزير المالية جبريل ابراهيم يخضع بالفعل لعقوبات أمريكية مرتبطة بانتمائه للحركة الإسلامية وبقضايا تتعلق بتمويل وتسليح النظام، واستيراد الاسلحة من الحرس الثوري الإيراني، كما أن مدير جهاز المخابرات، الفريق أول احمد ابراهيم مفضل ارتبط تاريخياً بالحركة الإسلامية وبنظام عمر البشير الذي حكم السودان لثلاثة عقود.
وجود هذه الشخصيات في مواقع القرار يجعل من الصعب إقناع المجتمع الدولي بأن السلطة الحالية منفصلة عن الشبكة السياسية التي بنتها الحركة الإسلامية داخل الدولة.
الأمر لا يتوقف عند المؤسسات المدنية والأمنية،فالقائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان نفسه يواجه عقوبات أمريكية مرتبطة بالحرب الدائرة في السودان.
وفي ظل اتهامات متزايدة بأن عناصر الحركة الإسلامية لعبت دوراً أساسياً في الدفع نحو المواجهة العسكرية، و إشعال هذه الحرب ، فإن تصوير الحرب باعتبارها مجرد معركة ضد “تمرد إرهابي” يصبح تفسيراً مبسطاً لا يقنع كثيراً من الفاعلين الدوليين.
من هذا المنظور، سيتحول البيان نفسه إلى عنصر يضعف موقف سلطة بورتسودان بدلاً من أن يعززه، فبدلاً من إبعاد شبهة الارتباط بالحركة الإسلامية، أعاد البيان تسليط الضوء على السؤال المركزي: كيف يمكن لسلطة تضم شخصيات ارتبطت تاريخياً بالإسلاميين أن تطالب المجتمع الدولي بتصنيف خصمها بالإرهاب دون أن تقدم في الوقت نفسه دليلاً واضحاً على أنها تخلت فعلاً عن إرث النظام السابق؟
في النهاية، يكشف البيان عن معركة أوسع من مجرد تصنيف قانوني لجماعة أو قوة عسكرية. إنها معركة على تعريف طبيعة السلطة في السودان بعد سقوط نظام البشير. فإذا كانت الدولة قد تغيرت فعلاً، فإن ذلك يتطلب تفكيك الشبكات السياسية والأمنية التي صنعت النظام القديم، أما إذا بقيت تلك الشبكات في مواقع القرار، فإن أي خطاب رسمي عن مكافحة الإرهاب سيظل عرضة للتشكيك من قبل المجتمع الدولي، وهدف في مرمى الانقلابي البرهان وزبانيته الإرهابيين.