السودان وتحالف الإسلاميين مع إيران
السودان وتحالف الإسلاميين مع إيران
العلاقة بين الإسلاميين في السودان وإيران لم تكن مجرد تقارب سياسي بل شبكة عابرة للحدود وظفت التدريب العسكري والتنظيمي لتوسيع نفوذها في المنطقة.
الثلاثاء 2026/03/10
العلاقات التي نشأت بين الإسلاميين في السودان وإيران لم تكن وليدة لحظة سياسية عابرة. هذه العلاقة تعود إلى سنوات سبقت وصول الحركة الإسلامية إلى السلطة، حين بدأت قنوات تواصل فكرية وتنظيمية تتشكل في الخفاء. ومع انقلاب عام 1989 الذي أوصل الإسلاميين إلى الحكم، دخلت تلك العلاقة مرحلة جديدة، حيث تحولت من تواصل محدود إلى تعاون سياسي وأمني أخذ يتوسع مع مرور الوقت.
في تلك المرحلة كانت إيران تبحث عن منافذ حضور في العالم العربي وإفريقيا، وكان السودان يمثل موقعًا مهمًا في هذا السياق. موقعه الجغرافي يربط بين المشرق العربي والقرن الإفريقي ومنطقة الساحل، وهو ما يمنحه وزنًا في الحسابات السياسية والأمنية في المنطقة. هذا الموقع جعل السودان أرضًا مناسبة لتمدد علاقات تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي.
الحركة الإسلامية في السودان رأت في التقارب مع إيران فرصة لتعزيز قدرتها التنظيمية والعسكرية. التدريب العسكري وتبادل الخبرات في مجالات التنظيم والأمن شكّلا جزءًا من تلك العلاقة. ومع مرور السنوات نشأت روابط بين مجموعات إسلامية في السودان وجماعات أخرى في مناطق مختلفة من العالم العربي.
ضعف مؤسسات الدولة وانتشار السلاح جعل السودان أرضًا خصبة للشبكات المنظمة ما يهدد بتحوله إلى نقطة انطلاق لصراعات إقليمية تتجاوز حدوده الوطنية
أثر هذه الروابط ظهر لاحقًا في ساحات صراع متعددة. بعض العناصر المرتبطة بهذه الشبكات انتقلت إلى نزاعات شهدتها ليبيا وسوريا واليمن، ضمن مسارات معقدة تختلط فيها الدوافع الفكرية بالحسابات السياسية. هذه الظاهرة كشفت أن العلاقة لم تكن مجرد تقارب سياسي بين دولتين، وإنما شبكة أوسع من الاتصالات العابرة للحدود.
في السنوات الأخيرة بدأ يظهر بوضوح بُعد آخر في هذه الشبكات، يتعلق بإمكانية توظيف المقاتلين المرتبطين بالحركة الإسلامية السودانية في عمليات نوعية خارج السودان. فوجود مقاتلين يمتلكون خبرة عسكرية وارتباط بعضهم بشبكات تنظيمية عابرة للحدود، يفتح الباب أمام
سيناريوهات تتعلق بتنفيذ عمليات في القارة الإفريقية، مثل التفجيرات أو الاغتيالات التي قد تستهدف مصالح أو شخصيات مرتبطة بدول مختلفة.
وتشير بعض التحليلات الأمنية إلى احتمال وجود تنسيق بين هذه المجموعات وبين وحدات عسكرية إيرانية معروفة بدورها في إدارة العمليات الخارجية. مثل هذا التنسيق قد يتيح تنفيذ عمليات محدودة في مناطق مختلفة من إفريقيا. هذه العمليات قد تُستخدم وسيلة لتوسيع دائرة التوتر في أكثر من ساحة، بما يؤدي إلى توزيع الضغط السياسي والأمني على عدة دول في الوقت نفسه.
بهذه الطريقة يمكن نقل جزء من الصراع إلى مناطق بعيدة عن مركزه الأصلي، حيث تتحول إفريقيا إلى ساحة نشاط لعمليات عنف تستهدف المصالح الإقليمية والدولية. توسيع دائرة الاضطراب في أكثر من منطقة قد يصبح أداة لخلق بيئة من التهديد المستمر للمصالح السياسية والاقتصادية في القارة.
السودان بلد ذو تاريخ طويل وتنوع اجتماعي وثقافي عميق. هذا البلد يمتلك من المقومات ما يجعله قادرًا على النهوض من أزماته. الطريق إلى ذلك يبدأ بإعادة بناء الدولة على أساس وطني
المشكلة التي تطرحها مثل هذه العلاقات تتعلق بطبيعة الدور الذي قد تتحول إليه الدولة نفسها. عندما تتداخل مصالح التنظيمات الأيديولوجية مع حسابات القوى الإقليمية يصبح من الممكن أن تتحول الدولة إلى ساحة تتحرك فيها صراعات لا علاقة لها بمصالح المجتمع أو استقراره.
السودان خلال السنوات الماضية عاش ظروفًا مضطربة اتسمت بضعف المؤسسات وانتشار السلاح واتساع مساحة الجماعات المسلحة. في بيئة كهذه تزداد قدرة الشبكات المنظمة على الحركة، وتصبح الأرض مفتوحة أمام نشاطات قد تمتد آثارها إلى خارج الحدود.
هذا الواقع يثير قلقًا متزايدًا في الأوساط السياسية. فالدول التي تمر بحروب داخلية تصبح أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية، خاصة عندما تكون على أرضها جماعات تمتلك خبرة قتالية وروابط إقليمية واسعة. في مثل هذه الظروف يمكن أن تتحول البلاد إلى
نقطة انطلاق لنشاطات تمتد إلى مناطق أخرى في إفريقيا والعالم العربي.
السؤال الذي يواجه السودان اليوم يتجاوز مسألة الحرب الدائرة. القضية الأعمق تتعلق بمستقبل الدولة نفسها. هل يستطيع السودان أن يستعيد استقلال قراره السياسي ويعيد بناء مؤسساته بعيدًا عن تأثيرات التنظيمات الفكرية والتحالفات الخارجية؟
الإجابة عن هذا السؤال تحدد شكل السودان في السنوات القادمة. الدولة التي تستعيد توازنها تصبح قادرة على حماية حدودها ومجتمعها من التحول إلى ساحة لصراعات الآخرين. أما الدولة التي تظل أسيرة شبكات التنظيمات والتحالفات الخارجية فإنها تبقى معرضة لأن تكون جزءًا من معادلات صراع لا تنتهي.
السودان بلد ذو تاريخ طويل وتنوع اجتماعي وثقافي عميق. هذا البلد يمتلك من المقومات ما يجعله قادرًا على النهوض من أزماته. الطريق إلى ذلك يبدأ بإعادة بناء الدولة على أساس وطني واضح، حيث تكون مصلحة المجتمع فوق مصالح التنظيمات والتحالفات التي تتشكل خارج حدود الوطن.