كيف أصبح السودان ملاذاً للإرهاب تحت حكم “الإخوان”؟

 

كيف أصبح السودان ملاذاً للإرهاب تحت حكم “الإخوان”؟

«الكيزان»..30 عاماً في دعم التنظيمات المتطرفة محلياً ودولياً

 

 

د. أيمن سمير

«الفشل» هو العنوان العريض لكل «تجارب الحكم الإخوانية» في العالم العربي، وخير مثال على ذلك هو طرد الشعب المصري لهم بعد أقل من عام على وصولهم إلى منصب الرئاسة، وتكرر نفس الأمر في تونس بعد عشر سنوات من الفشل أطلق عليها التونسيون «العشرية السوداء»، وعندما فشلوا في انتخابات 2014 في ليبيا ذهبوا إلى ما يعرفونه جيداً، وهو العنف وتقسيم الأوطان، وذلك بتشكيل حكومة خاصة بهم في غربي ليبيا، ورغم أن فشلهم في السودان «كان الأكثر وضوحاً» بسبب انهيار الاقتصاد، ونشوب الحروب في الأطراف، في دارفور وكردفان وجبال النوبة وحتى الشرق والشمال، رغم هذا الفشل الواضح لم نرَ هذا الربيع المزعوم يقترب من حكم الإخوان طوال 30 عاماً، وذلك بعد أن أنهى الإخوان تجربة الحكم المدنية بقيادة الصادق المهدي والتي انتهت بانقلابهم على الصادق المهدي عام 1989.

هنا تطرح الأسئلة الكبيرة.. لماذا بقي الإخوان في الحكم في السودان 30 عاماً؟ ولماذا عندما اندلعت ثورات أو انتفاضات ما يسمى ب«الربيع العربي» لم يقترب هذا الربيع المزعوم من السودان؟ وما هي الدول والجماعات والتنظيمات التي استثمرت ودعمت الإخوان في السودان طوال 30 عاماً منذ 1989 وحتى 2019؟ ولماذا يتكرر اليوم دعم هذه الأطراف لعودة الإخوان للحكم عبر دعم أهدافهم في إطالة الحرب، ورفض كل مبادرات السلام بما فيها مبادرة «اللجنة الرباعية» التي طرحتها الإمارات والسعودية ومصر والولايات المتحدة.. منذ 12سبتمبر الماضي؟

قاعدة لدعم الإرهاب

منذ وصول «حزب الجبهة القومية» وتحالفها السياسي والأيديولوجي مع «حزب المؤتمر الوطني» كان السودان شبه معزول عالمياً، وذلك لعدد من الأسباب أبرزها استضافة الخرطوم لأسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة في الفترة من عام 1991 وحتى عام 1996، وتوفير النظام الإخواني كل الدعم للجماعات الإرهابية والتكفيرية على مستوى العالم، وهو ما دفع الولايات المتحدة وغيرها من دول العالم لوضع السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب على مستوى العالم، ورغم هذه العزلة الممزوجة بكل أشكال الفشل السياسي والاقتصادي والاجتماعي استمر حكم الإخوان في السودان ليشكل وجودهم في الحكم أطول فترة حكم «مسجلة للإخوان» على مستوى تجارب الحكم الإخوانية في العالم العربي والإسلامي، ويعود ذلك عملياً إلى تلقي الإخوان دعماً خارجياً سواء من التنظيم الدولي للإخوان أو دول وأنظمة حكم وجدت مصالح لها في بقاء حكم الإخوان 30 عاماً في السودان.

المفارقة الثانية أن ما يسمى ب«الربيع العربي» لحق بكل الدول العربية المجاورة والقريبة للسودان عام 2011 مثل مصر وليبيا وتونس، لكنه لم يقترب من السودان، لأن هذا الربيع المزعوم كان يقوم على عناصر وقيادات إخوانية، ونظراً لأن طبيعة الحكم في السودان كان إخوانياً بالفعل، لهذا استمر حكم الإخوان بعد اندلاع هذا الخريف بنحو 9 سنوات حتى خروج الشارع السوداني على حكم الإخوان نهاية عام 2018 وحتى أبريل 2019، لكن حتى قبل عام 2011 استمر حكم الإخوان 22 عاماً أخرى، ويعود ذلك إلى سلسلة من الأسباب وهي:

أولاً: القمع منهج

منذ اليوم الأول لسيطرة الإخوان على السلطة في السودان كان لديهم رغبة وشهوة انتقام غير عادية، ونظراً لأنهم وصلوا للحكم عبر «انقلاب» وليس صندوق الانتخابات وضعوا «نظاماً قمعياً» يمكّنهم من السيطرة الكاملة على مفاصل الدولة الأمنية والعسكرية لضمان عدم وجود أي تهديد داخلي أو وقوع «انقلاب مضاد»، وبدأ الإخوان «حملة تمكين» واسعة النطاق حيث تم إقصاء آلاف الضباط من الجيش والشرطة والأمن والقضاء والخدمة المدنية ممن لم يكونوا موالين لما يسمى بالحركة الإسلامية، وجرى استبدال كل هؤلاء بعناصر موالية تماماً للإخوان في جميع المؤسسات والهيئات، وهذا التمكين لم يكن مجرد تغيير شخصيات، بل كان «إعادة هندسة كاملة» للبنية المدنية

 

والعسكرية للدولة السودانية، وترافق كل ذلك مع تأسيس أجهزة أمنية موازية مثل جهاز الأمن والمخابرات الوطني، ومليشيات الدفاع الشعبي، وقوات الأمن الشعبي، وعن طريق هذه الأجسام الأمنية قمع الإخوان المعارضين السياسيين، وأبطلوا عمل النقابات والقوى المدنية، وسجن وتعذيب الآلاف، وحظر الأحزاب السياسية، وإغلاق الصحف المستقلة، وكل هذا خلق مناخاً من الخوف الشديد، جعل التعبئة أو قيام ثورة أو انتفاضة ضد الإخوان أمراً بالغ الصعوبة إلى أن تحقق ذلك في إبريل 2019.

ثانياً: التعبئة الأيديولوجية

 

بجانب القمع استخدم الإخوان التعبئة الأيديولوجية كأداة قوية لحشد الدعم الشعبي، وتبرير سياساته القمعية وفشله الاقتصادي عن طريق الادعاء بأن هدفه «تطبيق الشريعة» لكن الشعب السوداني اكتشف في النهاية أن هذا الخطاب تم استغلاله لحشد الشباب للحرب في الجنوب ودارفور عبر تصوير الصراع وكأنه صراع ديني رغم أن جميع أبناء دارفور وكردفان والشرق مسلمين، وكانت أدوات الإخوان لتحقيق هذه التعبئة هي السيطرة على المساجد والجامعات ووسائل الإعلام، فعلى سبيل المثال حول الإخوان الجامعات إلى ساحات للتعبئة السياسية والأمنية، فجميع أساتذة الجامعات كان يجب اعتمادهم من الإخوان قبل أن تقوم هذه الجامعة أو تلك بتعيينهم.

 

ثالثاً: الأنانية السياسية

 

مارس الإخوان سياسة قائمة على «الأنانية السياسية» تحقق فقط بقاءهم في الحكم حتى لو أدى ذلك لضياع البلاد، وذلك عبر عدد من الوسائل منها تطبيق سياسة «فرّق تسُد» في مناطق النزاع، وهو ما أضعف النسيج الاجتماعي للمناطق المتأثرة بالنزاعات، كما مارس الإخوان ألاعيب ومناورات سياسية بهدف الحفاظ على بقائهم في السلطة مثل «صفقات كسب الوقت» و«المفاوضات الطويلة»، وخير مثال على ذلك «اتفاقيات نيفاشا» عام 2005، وهذه الاتفاقيات منحت الإخوان كثيراً من الوقت، لكنها قادت في النهاية لانفصال الجنوب.

رابعاً: الاقتصاد

كانت السودان قبل وبعد انفصال الجنوب فرصة اقتصادية واستثمارية للعديد من الدول العربية والإسلامية، وحتى القوى الكبرى العسكرية والاقتصادية خاصة في المعسكر الشرقي مثل روسيا والصين والهند وماليزيا، فالسودان قبل انفصال الجنوب عام 2011 كانت مساحته تزيد على 2.5 مليون كلم مربع، وبعد انفصال الجنوب ظلت مساحته عملاقه تزيد على 1.86 مليون كلم مربع، وهو ما منح السودان ثروة حيوانية وزراعية ضخمة شكلت دافعاً قوياً لجذب الدعم والاستثمار من دول مختلفة، وبعد سنوات من وصول الإخوان إلى الحكم زاد إنتاج البلاد من النفط بسبب استثمارات الشركات النفطية «غير الغربية» خصوصاً من الصين وماليزيا والهند، وكل هذا وفر موارد ضخمة لنظام الحكم في السودان، لأن الدول التي استثمرت في عهد الإخوان تقوم سياستها على الحسابات التجارية والاستثمارية «البراجماتية» دون النظر إلى طبيعة النظام السياسي، وهو ما استغله نظام الإخوان لتوفير أموال وموارد ضخمة ضاعت كلها في حرب الجنوب التي انتهت بانفصال الجنوب عام 2011، كما أنفق النظام مليارات الدولارات على حروبه في دارفور التي بدأت عام 2002، وراح ضحيتها نحو 300 ألف قتيل، وفق بيانات الأمم المتحدة، كما أنفق الإخوان باقي الأموال على إقصاء المجموعات الدينية والعرقية الأخرى«البجا» في الشرق والشمال الشرقي في ولايات البحر الأحمر وكسلا والقضارف، كما قاتل الإخوان في ولايات الجنوب الغربي مثل ولاية كردفان وألانجسنا «جبال النوبة» وولاية شمال بحر الغزال، وهو ما جعل سنوات حكم الإخوان الثلاثين سلسلة من سنوات القتل والدمار بسبب إصرار نظام الإخوان على فرض «الأيديولوجية الإخوانية» على الجميع، ورفض الاعتراف بالتنوع الذي تتميز به السودان، وكان يمكن للسودان بدون حروب ومعارك الإخوان أن تصبح «سلة الغذاء» للعالم العربي، حيث حاولت دول عربية عدة مساعدة الشعب السوداني عبر استثمارات ضخمة في المجال الزراعي والحيواني، لكن كان للإخوان اتجاه آخر، وهو إنفاق كل تلك الأموال على الحروب ومشروعات الجماعة الإرهابية الأيديولوجية.

خامساً: الأمن

يجاور السودان 7 دول هي مصر وليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى وجنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا، ولهذا اضطرت هذه الدول أن تتعاون مع ما تسمى ب«حكومة الإنقاذ» الإخوانية من أجل الحفاظ على مصالح هذه الدول، وضبط حدودها مع السودان، وتجنب المشاكل التي صدّرها نظام الإخوان طوال 30 عاماً، حيث أفرزت الحرب في الجنوب ملايين اللاجئين الذين فروا إلى دول الجوار، كما أن الحرب في دارفور تركت آثارها على العلاقة مع تشاد وإفريقيا الوسطى، ومن هذا المنطلق أقامت العديد من الدول بما فيها دول الجوار «علاقات مصالح أمنية» تركز على قضايا مثل إدارة الحدود، واللاجئين، والهجرة غير الشرعية.

 

سادساً: دعم التنظيم الدولي

 

عندما سيطر الإخوان على الحكم عام 1989 كانت السودان هي أول دولة يحكمها الإخوان بلا شريك، ولهذا خصص التنظيم الدولي للإخوان كل موارده وجمعياته وأدواته لدعم تجربة الحكم في السودان، بهدف أن يتحول السودان إلى «قاعدة» لإطلاق «المشروع الإخواني إلى كل دول المنطقة، ولهذا تعاون التنظيم الدولي مع الدول التي دعمت حكم الإخوان في السودان، ووجّه سهامه وأكاذيبه إلى أي دولة أخرى عارضت مشروع«التمكين والأخونة السوداني»، ولهذا تمتع النظام الإخواني السوداني بقيادة حسن الترابي بعلاقات وثيقة مع التنظيم العالمي للإخوان، ومع صعود تيار الإخوان وارتباطه بما يسمى«تيار الإسلام السياسي» زادت قيمة إخوان السودان في حسابات التنظيم الدولي للإخوان، حيث حاول الإخوان في مصر وتونس وليبيا وسوريا وغيرها الاستفادة من وجود«قاعدة دعم لوجستي» في السودان، وحتى بعد فشل التجارب الإخوانية في مصر وتونس زادت أهمية «قاعدة الإخوان في السودان» لاستيعاب القتلة والهاربين وبقايا أنظمة الإخوان في الدول التي فشل فيها ما يسمى بالربيع العربي.

سابعاً: الشعارات والتحالفات

رغم العزلة الدولية التي جلبها بنفسة نظام الإخوان إلا أن عدداً من الدول بالعالمين العربي والإسلامي رأت في أيديولوجية وأفكار الإخوان أيديولوجية قريبة منها، وقامت هذه الدول بتسخير كل ما لديها من أدوات دبلوماسية وسياسية واقتصادية وحتى عسكرية وأمنية من أجل بقاء نظام الإخوان طوال 3 عقود كاملة في السودان، وهو ما يؤكد أن هذا النظام لم يكن معزولاً تماماً على الساحة الدولية، بل حظي بدعم من عدد من الدول القريبة والبعيدة، وقدمت هذه الدول دعماً قوياً لنظام الإخوان، خصوصاً في السنوات العشر الأولى، وفي أحيان كثيرة كان الدافع لهذا الدعم هو التقارب الأيديولوجي الثوري المشترك القائم على خطاب عنوانه وشكله الخارجي معارض للدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة حيث رأى نظام الإخوان في هذه الأيديولوجية بمثابة مشروع يمكن تسويقه كغطاء سياسي يتخفى ويستظل بظله هرباً من الفشل الاقتصادي والفساد الكامل، وإقصاء غالبية أبناء الشعب السوداني لأنهم ليسوا من «الأهل والعشيرة» الإخوانية، وما يؤكد أنها كانت مجرد شعارات، أن نظام الحكم في السودان كان يتلقى الدعم من دول ذات أيديولوجيات دينية وسياسية متباينة، وأسهم هذا الدعم ليس في استقرار السودان بل في بناء القدرات الدفاعية للنظام الإخواني في مواجهة التمردات الداخلية خصوصاً في دارفور والغرب والجنوب، وحاول الإخوان من خلال هذا «التموضع» الادّعاء بأنهم ضلع رئيسي في «محور الرفض» للسياسات الغربية، ومن يراجع سياسات حكومة بورتسودان في الوقت الراهن يراها تعود إلى ذات السيرة الأولى لحكم الجماعة بالسعي للحصول على الطائرات المسيرة والسلاح والذخيرة من نفس الدولة التي تحالفت معها الجبهة القومية للإنقاذ صبيحة انقلاب 1989، وذات الدول التي دعمت الإخوان في آخر عقدين من حكم الجماعة الإرهابية لا تزال اليوم تراهن مرة أخرى على دعم الإخوان وحكومة بورتسودان للسيطرة على كل أراضي السودان، رغم أن الوقائع على الأرض تؤكد العكس بعد سيطرة الدعم السريع على منطقة هجليج النفطية في غرب كردفان، وإحكام سيطرته الكاملة على كل غرب كردفان ومدينة باينوسة حيث تنتج منطقة هجليج وحدها نحو 600 ألف برميل نفط يومياً، وبها خطوط سكك حديدية تربط ليس فقط غرب السودان، بل تربط السودان بدولة جنوب السودان، وصولاً إلى الحدود الليبية والتشادية عبر مدينة نيالا.

 

وطن على الحافة

النتيجة الوحيدة لتجربة 30 عاماً من حكم الإخوان أن تحول السودان إلى «وطن على حافة الهاوية»، فالجنوب جرى انفصاله، والتهميش بات ينهش في جميع أقاليم الجسد السوداني، والإصرار على مواصلة الحرب قد يؤدي ليس فقط إلى «تقسيم السودان» بل إلى «تفتيت» البلاد، ولهذا كانت المبادرة الرباعية «مبدعة» بمعنى الكلمة لأنها وضعت التفتت إلى أصل مشكلة السودان عندما قالت إن مستقبل السودان ينبغي أن يكون «بلا إخوان».

[email protected]

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.