الدولة الإخوانية في السودان: امتداد لصراع كوني متخيّل

 

دكتور الوليد مادبو يكتب: الدولة الإخوانية في السودان: امتداد لصراع كوني متخيّل

 

“إذا سقط الرأس، فلا يُغني الذيلُ ارتعاشُه.” — حكمة عربية قديمة

 

دكتور الوليد آدم مادبو

 

ليست أزمة السودان أزمة موارد، ولا جغرافيا، ولا حتى تعدد إثني أو ديني؛ إنها – في جوهرها – أزمة دولة اختُطفت طويلًا باسم العقيدة، وأُديرت بعقلية الثكنة، ووجّهتها أوهام الرسالة العابرة للحدود. لقد أُنهك الشعب بين عسكرٍ لا يرون في السياسة إلا أمرًا عسكريًا مؤجلاً (نظرية الحفر بالإبرة)، وتنظيمٍ أيديولوجي لا يرى في الوطن إلا محطة في مشروع أكبر منه.

 

لم يكتفِ نظام الإنقاذ بإعلان الجهاد على جزءٍ من شعب السودان، في حربٍ انتهت بانفصال الجنوب، بل جعل من الاصطفاف الإقليمي جزءًا من تعريفه لذاته. حين غزا العراق الكويت عام 1990، اصطفّ النظام السوداني مع بغداد، لا بوصف ذلك حسابًا وطنيًا دقيقًا، بل نكايةً في “الإمبريالية” وتمشيًا مع خطاب أيديولوجي عابر للحدود. كان السودان يومها يدفع ثمن معركة لا تخص أمنه القومي المباشر، ولا تمس مصالح مواطنيه اليومية، لكنه كان أسير تصورٍ يرى السياسة امتدادًا لصراع كوني متخيَّل.

 

ثم انفتح الباب على محورٍ آخر: علاقة عضوية مع إيران، واحتضان سياسي ومالي لتنظيمات مثل حماس وحزب الله، ضمن ما سُمّي لاحقًا بـ“محور المقاومة”. لم يكن السؤال: ماذا يجني السودان من هذا التموضع؟ بل: كيف نثبت التزامنا العقائدي؟ وهكذا تحوّل البلد إلى ساحة مناورة في صراعٍ خليجي–إيراني لا يملك أدواته ولا يتحكم في مساراته.

 

إن المشكلة في جوهرها ليست خطأً تكتيكيًا هنا أو هناك، بل طبيعة المشروع نفسه. فالنظام الذي حكم باسم الإسلام لم تحركه نوازع وطنية صافية، ولا التزامات عقائدية ثابتة؛ بل كان – في بنيته العميقة – مشروعًا طفيليًا يوظّف اللافتات الأيديولوجية والعواطف الدينية لتحقيق مصالح ذاتية محضة. ولهذا فإن تحرير القرار السوداني من أسر التنظيمات العابرة للحدود شرطٌ أوليّ لكي يتمكن شعب السودان من التفكير في مصالحه الاستراتيجية بواقعية وبراغماتية، بعيدًا عن الشعوبية التي أرهقته، والأوهام الماورائية التي أضاعت بوصلته.

 

اليوم، وفي ظلّ الحرب المشتعلة في الخليج وتبدّل موازين القوى، يبدو المشهد أقرب إلى ارتباكٍ وجودي. لا يعرف “الكيزان” كيف يتبرأون من “محور المقاومة” وهم يرونه يترنح اليوم تحت ضرباتٍ متلاحقة، وفي الوقت ذاته، لا يريدون خسارة الدول الخليجية التي تمثل رئة مالية وسياسية، وبعضها ظلّ داعمًا لهم في حرب الداخل. إنهم أسرى تاريخهم الأيديولوجي، وسجناء حاجتهم البراغماتية في آنٍ واحد.

 

هذا التناقض ليس مجرد حرج دبلوماسي؛ إنه يكشف غياب تعريف واضح للمصلحة الوطنية. الدولة التي تتحرك وفق شعار “المحور” لا وفق حساب “المصلحة”، ستجد نفسها دائمًا في موقع التابع، مهما رفعت من شعارات السيادة.

 

وإذا كانت أنظمة استبدادية سابقة قد ألحقت أضرارًا بالغة بالبنية الاجتماعية والسياسية، فإن نظام الإنقاذ اختطف السودان اختطافًا كاملًا، ووظّفه لخدمة طموحات عابرة للحدود تتصل بمشروع جماعة الإخوان المسلمين الذي يدّعي مناهضة الصهيونية والإمبريالية العالمية. والمفارقة المريرة أن السودان لم تصبه أضرار مباشرة من هاتين القوتين بقدر ما أصابته أضرار من ارتهان قراره لجيرانه، ومن تحوّله إلى ورقة في صراعات عربية–عربية، حيث اشترت بعض الدول سلامتها الخاصة على حساب هشاشة الآخرين.

 

لقد استُخدم السودان ساحةً: ساحة لتصفية حسابات، وساحة لغسل أموال، وساحة لتمرير رسائل إقليمية. وحين تتبدل التحالفات، يُترك البلد عاريًا أمام نتائج خيارات لم يصنعها شعبه، بل صاغتها شبكات تنظيمية مغلقة. المشكلة إذن ليست في التعاطف مع القضايا العادلة للشعوب المستضعفة (وقد رأينا قادة “كتائب البراء” يتوشحون بالكوفية الفلسطينية)، بل في تحويل السياسة إلى ملحقٍ بعقيدة تنظيمية. النظام الذي يرفع لافتات كبرى باسم الدين أو المقاومة، ثم يبدّل تحالفاته وفق مقتضيات البقاء، يكشف أن الأيديولوجيا لم تكن إلا أداة تعبئة، وأن المصلحة الذاتية كانت هي الثابت الوحيد.

 

لهذا فإن المطلوب اليوم ليس استبدال محورٍ بمحور، ولا رفع رايةٍ جديدة، بل تفكيك البنية التي سمحت أصلًا بتحويل السودان إلى منصة لصراعات غيره. المطلوب إعادة تعريف الأمن القومي السوداني خارج قاموس “المحاور”، وبناء استراتيجية مستمدة من الجغرافيا السياسية للقرن الإفريقي، ومن حاجات الاقتصاد، ومن كرامة المواطن قبل أي شعار كوني.

 

لا ينبغي أن نظل في حالة تنازعٍ بين عقيدتنا ورغبتنا في العيش الكريم. العقيدة – أي عقيدة – وُجدت لخدمة الإنسان، لا لتحويله إلى وقود في معارك رمزية. وما بدا لنا يومًا تضحيةً في سبيل رايات عليا، كان – في كثير من الأحيان – تمويهًا لرغبات دنيا تتصل بالسلطة والتمكين.

 

ختامًا، إن تفكيك مشروع “الدولة المؤدلجة” في السودان والقضاء على الكيزان قضاءً مُبرمًا لم يعد شأنًا داخليًا فحسب؛ إنه ضرورة إقليمية أيضًا. فالدولة التي تُدار بمنطق التنظيم السري، يمكن أن تُصدّر أزماتها إلى جوارها. أما الدولة التي تُدار بمنطق المصلحة الواضحة والمؤسسة الرشيدة، فهي وحدها القادرة على أن تكون عنصر استقرار في القرن الإفريقي، لا بؤرة ارتباك جديدة.

 

‏March 2, 2026

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.