على خلفية بيان “الخارجية”.. دبلوماسية “اتحاد الطلاب” لا تحقق المصالح المنشودة..!

على خلفية بيان «الخارجية»..دبلوماسية «اتحاد الطلاب» لا تحقق المصالح المنشودة..!‏

خالد أبو أحمد

النص الصادر عن وزارة الخارجية السودانية حول ادانتها للعدوان الإيراني يثير ملاحظة مهنية تتعلق ‏بصياغة الموقف أكثر مما تتعلق بمضمونه المعلن، فالبيان أدان الاعتداء الإيراني على “دول الخليج”، وسمّى ‏المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين، ودولة الكويت، ودولة قطر، والأردن، لكنه لم يذكر دولة الإمارات ‏العربية المتحدة، رغم أنها جزء أصيل من المنظومة الخليجية وعضو في مجلس التعاون، في العمل ‏الدبلوماسي لا تُعد مثل هذه التفاصيل هامشية، لأن البيانات الرسمية تُقرأ بدقة، ويُفترض أن تعكس اتساقًا ‏كاملًا بين اللغة والموقف السياسي‎.‎

في الأعراف الدبلوماسية المستقرة، عندما يُتخذ موقف تضامني تجاه تكتل إقليمي، تكون الصياغة إما شاملة ‏بصيغة جامعة لا تستثني أحدًا، أو دقيقة بذكر جميع الدول المعنية دون انتقائية، أي صياغة غير مكتملة قد ‏تُفسَّر على أنها رسالة سياسية ضمنية، حتى لو لم يكن ذلك مقصودًا، ولهذا تحرص المؤسسات الدبلوماسية ‏الراسخة على مراجعة بياناتها بعناية، خصوصًا في القضايا ذات الحساسية الإقليمية.‏

الأمر الأكثر أهمية أن دول الخليج، بحكم طبيعة مجلس التعاون وبنية التنسيق السياسي والأمني بينها، تتعامل ‏مع القضايا الإقليمية بوصفها منظومة مترابطة لا كيانات منفصلة. وأي خطاب يتناول أمن الخليج أو يتضامن ‏مع دوله يُفترض أن يراعي هذه الحقيقة المؤسسية. فمجلس التعاون ليس إطارًا شكليًا، بل تكتلًا قائمًا على ‏مبدأ التضامن الجماعي، خاصة في القضايا المرتبطة بالأمن والاستقرار‎.‎

ومهما يكن من أمر العلاقة بين السودان والإمارات، فإن الأعراف الدبلوماسية تقضي بأن الدول، في كثير من ‏المواقف، تتجاوز ما بينها من خلافات أو صراعات عندما يتعلق الأمر بقضايا تمس التكتلات الإقليمية أو ‏المكانة الدولية. وفي اعتقادي الشخصي، فإن مجلس التعاون الخليجي يمثل “كتلة واحدة” لا يمكن تجزئتها. ‏ومن هذا المنظور، فإن تجاهل دولة ضمن هذه المنظومة في بيان تضامني لا يُعد تفصيلًا لغويًا بسيطًا، بل ‏خللًا في قراءة طبيعة الكتلة الإقليمية نفسها‎.‎

إن القارئ والمتابع للشأن السوداني عندما يقرأ البيان من الوهلة الأولى يدرك أن استبعاد دولة الامارات ‏العربية المتحدة من الإدانة هو أمر مقصود وفيه رسالة واضحة لا تحتاج لكثير جدل فالمسألة ليس سهوا أو ‏ضعف التحرير، فإن ما حدث هو خيار سياسي منه وليس خطاءا مهنيا، في البيانات الدبلوماسية لا تُحذف ‏الأسماء اعتباطًا، ولا تُذكر الدول انتقائيًا دون قصد، وعندما تتكرر أنماط مشابهة في الخطاب، يصبح من ‏المشروع قراءة ذلك باعتباره تعبيرًا عن توجه أيديولوجي حاد يطغى على الحسابات البراغماتية التقليدية ‏للسياسة الخارجية. هذا النهج، إن كان مقصودًا، لا يعكس فقط خللًا في التقدير، بل يعكس فلسفة في إدارة ‏العلاقات تقوم على الاصطفاف الضيق لا على بناء التوازنات‎.‎

المفارقة أن السودان عُرف في عهود سابقة بمدرسة دبلوماسية ذاع صيتها بين العالمين اتسمت بالاتزان ‏والقدرة على قراءة السياقات الإقليمية بدقة، كانت تلك الدبلوماسية تدرك أن الخليج يُخاطَب كوحدة سياسية ‏متماسكة، وأن أي رسالة موجهة إليه ينبغي أن تراعي هذا البُعد الجماعي. كما كانت تُقدّر أن الكلمة في البيان ‏الرسمي قد تحمل وزنًا يعادل قرارًا سياسيًا، وأن الصياغة المُحكّمة جزء من صيانة المصالح لا مجرد إجراء ‏شكلي‎.‎

أما اليوم، فيبدو أن هذا الإرث المهني، بطبيعة الحال، غائب تمامًا لأننا نعيش عصر اللادولة؛ لذلك حضرت ‏اللغة الحادة والتشدد في اتخاذ المواقف في إدارة الخطاب الخارجي. وهذا في مجمله يعكس انقطاعًا عن تقاليد ‏دبلوماسية كانت تقوم على المرونة والبراغماتية وحساب التوازنات بدقة. فالسياسة الخارجية ليست ساحة ‏لتسجيل المواقف الأيديولوجية، بل أداة لإدارة شبكة معقدة من العلاقات والمصالح، خاصة في بيئة إقليمية ‏شديدة الحساسية. مع العلم أن منظومة دول مجلس التعاون الخليجي، مهما يحدث بينها من اختلافات في ‏وجهات النظر، تظل كتلة واحدة، ولا ترضى أبدًا أي انتقاص من مكانة دولة ضمن منظومتها‎.‎

في المحصلة، القضية لا تتعلق بإدانة العدوان من عدمها، بل بكيفية التعبير عنه وبمدى الاتساق بين الخطاب ‏والواقع الإقليمي الذي يُوجَّه إليه، فإن وزارة الخارجية وهي تصدر البيان تغافلت تماما عن وجود جالية ‏سودانية ضخمة وعريقة في دولة الامارات العربية المتحدة، إذن فالدبلوماسية الفاعلة تقوم على الشمول، ‏والدقة، والوعي بطبيعة التكتلات الإقليمية، وأي خروج عن هذه القواعد، سواء بدافع التشدد أو الحسابات ‏الضيقة، يترك أثرًا يتجاوز حدود البيان ذاته إلى صورة الدولة ومصداقية سياستها الخارجية. أما دبلوماسية ‏‏”اتحاد الطلاب” التي رأيناها فيهم من زمان تعبّر عن التشدد وقلة النضج السياسي، فلا يمكن أن تقود دولة ‏إلى بر الأمان، ولا أن تحقق لها المصالح المنشودة‎.‎

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.