آفة الشعوب بين القيادة والوعي في فكر الاستاذ محمود محمد طه
آفة الشعوب بين القيادة والوعي في فكر الاستاذ محمود محمد طه
عوض الكريم فضل المولى جادالله الشيخ
من أقوال الأستاذ محمود محمد طه أن خذلان الشعوب يأتي من زعمائها، وأن الشعب السوداني لم يفسد بطبيعته، وإنما أفسدته قياداته. وكان يستدل على ذلك بثورة ثورة أكتوبر 1964، إذ يرى أنها انتصرت حين تقدمتها الجماهير لا الزعامات، ولو كانت بيد الزعماء لما كتب لها النجاح.
ويذهب إلى أن الشعوب العربية يمكن أن تنتصر متى ما أزالت عنها طبقة الزعماء الذين جعلوا منها أتباعًا، وساقوها خلف شعارات لا تصنع نهضة ولا تؤسس لحرية. ويؤكد أن الحروب عمل الأحرار الكرماء، لا عمل العبيد المستضعفين، وأن الزعامة حين تقوم على إذلال الشعوب، ثم تطالبها بالنصر، إنما تمارس تضليلًا مضاعفًا: تُضعف الإرادة أولًا، ثم تطلب المستحيل ثانيًا.
هذا الطرح يفتح الباب واسعًا أمام سؤال مؤلم: هل أزمتنا في الشعوب أم في القيادات؟ وهل العطب في الوعي الجمعي أم في البنية السياسية التي تعيد إنتاج الفشل؟
بين الزعامة والوصاية
عبر عقود طويلة، تشكلت في السودان وفي غيره من البلدان العربية أنماط من القيادة تقوم على الوصاية لا الشراكة، وعلى صناعة التبعية لا تمكين المواطن. فالزعيم يُصوَّر باعتباره المنقذ، بينما يُختزل الشعب في دور المصفق أو المتلقي. وهنا تكمن المفارقة: تُسلب الجماهير حق المبادرة، ثم تُلام على العجز.
إن فكرة أن «الشعب لم يبلغ الوعي الكافي ليملك مصيره» كثيرًا ما استُخدمت لتبرير استمرار الهيمنة السياسية. غير أن من عطّل هذا الوعي هي الأنظمة التي ضيّقت مساحات الحرية، وأضعفت التعليم، وأفسدت مؤسسات الدولة.
حين قال الأستاذ إن الحروب عمل الأحرار لا العبيد، لم يكن يمجّد الحرب بقدر ما كان يشير إلى أن التحرر الحقيقي لا يصنعه شعب مكسور الإرادة. فالحرب، إن كانت دفاعًا عن الكرامة، تحتاج إلى وعي ومسؤولية، لا إلى تعبئة عاطفية تقودها زعامات تبحث عن بقائها.
واقعنا السياسي اليوم، في الداخل والخارج، يعكس هشاشة في الرؤية وتخبطًا في المواقف. والسبب أن الجهل لا يزال يحكم، وأن القيادة حين تنفصل عن المعرفة والأخلاق تتحول إلى عبء على شعبها.
التاريخ السوداني يثبت أن الجماهير قادرة على الفعل متى ما توفرت لها فرصة حقيقية للتعبير. من انتفاضات شعبية إلى حراك مدني واسع، ظل الشعب يتحرك حين تضيق به السبل. لكن الأزمة تتجدد حين تُختطف تضحياته بواسطة نخب تعيد إنتاج الأزمة نفسها.
إن إصلاح حال الأمة لا يبدأ بإدانة الشعوب، ولا بتقديس الزعماء، بل بإعادة تعريف العلاقة بين القيادة والمجتمع. قيادة تستمد شرعيتها من وعي الناس، لا من جهلهم؛ ومن تمكينهم، لا من تهميشهم.
آفة الشعوب ليست في ضعفها الفطري، بل في قيادات تستثمر في هذا الضعف. وإذا كان الجهل هو الحاكم اليوم، فإن العلاج ليس في انتظار زعيم جديد، بل في بناء وعي جديد. وعي يجعل من الشعب شريكًا في القرار، لا تابعًا له؛ فالشعوب حين تملك وعيها، تملك مصيرها.