تحيز قناتي “العربية والحدث” السعوديتين في تغطية الحرب في السودان
دراسة تحليلية
المركز الأفريقي للتنمية المحلية
وحدة دراسات الإعلام والصراعات الإقليمية (MSCU)
- مقدمة
أصبح السودان منذ اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ساحةً مركزيةً لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية ، خصوصًا في إطار التنافس المتصاعد بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة في القرن الأفريقي . هذا التنافس بجانب الأدوات السياسية والاقتصادية والعسكرية ، يمتد أيضًا إلى المجال الإعلامي بوصفه ساحة موازية لـ”حروب السرديات” وإدارة الرأي العام . في هذا السياق ، تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة التغطية التي تقدمها قناتا العربية وقناة الحدث ، ومدى تأثرها بالتموضع السياسي السعودي في الأزمة السودانية ، وانعكاس ذلك على المهنية والمصداقية، وعلى بنية الاستقطاب الداخلي في السودان.
يُقدّم هذا التقرير تحليلًا لأنماط التغطية الإخبارية في قناتي “العربية” و”الحدث” السعوديتين ، ساعيًا إلى فهم كيف تنعكس العلاقات الجيوسياسية على الخطاب الإعلامي، تعتمد الدراسة على منهجية رصد المحتوى والتحليل النصي ، مستعينةً بالإطار النظري الذي يربط بين نظريات وضع الأجندة وبناء الإطار ونموذج الدعاية ، لرصد التحيز البنيوي المحتمل في التغطية السعودية . تأتي هذه الدراسة في سياق اتساع ظاهرة “حروب السرديات” التي باتت تشكل بُعدًا جوهريًّا في الصراعات المعاصرة ، حيث تُستخدم وسائل الإعلام كأدوات لتعزيز الشرعية الرمزية لطرف دون آخر.
- السياق الجيوسياسي : التموضع السعودي والإماراتي في القرن الأفريقي
يُمثّل القرن الأفريقي مسرحًا للتنافس السعودي–الإماراتي الذي تجاوز بُعده الثنائي ليصبح صراعًا على النفوذ الإقليمي والموارد الاستراتيجية. بالنسبة للإمارات، فإن الساحل السوداني وموقعه الاستراتيجي على البحر الأحمر يمثلان جذبًا كبيرًا، بينما تسعى المملكة العربية السعودية إلى ترسيخ مكانتها كحامية للأماكن المقدسة الإسلامية وتوسيع نطاق استثماراتها الاقتصادية .
كيف يؤثر هذا التنافس الثنائي على المجال الإعلامي؟ أصبح الإعلام أداة في “حروب السرديات”. تمتلك السعودية شبكة تلفزيونية تشمل قناتي “العربية” و”الحدث”، ويُعتقد أن اتجاه تغطيتهما لأزمة السودان يتماشى مع مصالحها السياسية . حيث تعمل على تعزيز سردية تخدم مصالح الدولة الراعية لها، في عملية تُعرف بـالاصطفاف الإعلامي الذي يُفقد الوسيلة هويتها المهنية ويحوّلها إلى جزء من الصراع نفسه .
- تحليل أنماط التحيز الإعلامي المحتمل
1.3 وضع الأجندة
في تحليل معمق قام به المركز الأفريقي للتنمية المحلية لتغطية قناتي “العربية” و”الحدث” للصراع السوداني ، تبرز أنماط تحيز إعلامي متشابكة تعمل معًا لتشكيل سردية موحدة تخدم توجهات معينة ، دون أن تظهر هذه الأنماط كأخطاء فردية عابرة ، وإنما كاستراتيجية تحريرية مترابطة . فعندما تُخصص القناتان معظم مساحة تغطيتهما للجيش السوداني بينما تهمش حضور قوات الدعم السريع أو أن تنسب كل انتهاك لها دون تحقق والتجاهل المتعمد لانتهاكات الطرف الآخر ، فإنها يُشكل تحيزًا في وضع الأجندة ، ويوجه انتباه المشاهد إلى جانب واحد من الصراع بينما يخفي الجوانب الأخرى .
2.3 التحيز اللغوي
لا يقتصر التحيز على اختيار المواضيع ، بل يمتد إلى طريقة عرضها عبر بناء الإطار الإعلامي الذي يُستخدم لغة مُحكمة تمنح شرعية رمزية لطرف وتنزعها عن الآخر . فاستخدام مصطلحات مثل “الجيش النظامي” و”القوات الشرعية” لوصف الجيش السوداني، مقابل وصف قوات الدعم السريع بـ”المليشيات” و”العناصر الخارجة عن القانون” ، رغم أن حكومة البرهان نفسها أعطت الوصف القانوني لقوات الدعم السريع في جميع اتفاقياتها التي وقعتها مع قوات الدعم السريع في جدة والمنامة وجنيف وواشنطن . لذلك يظهر التحيز في التحديد مسبقًا كيفية فهم المشاهد لأطراف الصراع . هذه اللغة ليست محايدة ، لأنها تشكل إطارًا يُقدم الجيش السوداني كـ”منقذ” والدعم السريع كـ”مهدد”، مما يحدد مسبقًا موقف المشاهد من الطرفين دون أن يشعر بأنه يُفرض عليه رأي .
3.3 التحيز في اختيار المصادر
كما أن الانتقائية في اختيار المصادر تلعب دورًا محوريًّا في تعزيز هذا التحيز ، حيث يظهر أن الغالبية العظمى من الضيوف والمراسلين هم من الموالين للجيش السوداني أو مرتبطين بدائرة القرار السعودي ، بينما تكاد تختفي أصوات تمثل قوات الدعم السريع أو المنظمات الحقوقية المستقلة . هذا الاختلال في توازن الآراء لا يسمح للمشاهد بتكوين رأي متكامل ، بل يعرضه لسردية واحدة تُقدم كحقيقة مطلقة . عندما تُهمل القنوات إجراء مقابلات مباشرة مع قادة قوات الدعم السريع ، حتى في القضايا التي تخصهم مباشرةً ، فإنها تُضعف مصداقيتها كوسيلة إعلامية مهنية .
4.3 التحيز في السردية
الأمر لا يقف عند حدود الاختيار اللغوي أو المصادر، بل يمتد إلى بناء السردية نفسها التي تُقدم انتهاكات قوات الدعم السريع بتفصيل دقيق، بينما تتجاهل أو تقلل من تغطية الانتهاكات المنسوبة للجيش السوداني وحلفائه . هذا التركيز الانتقائي يخلق سردية مُتحيزة . هذه السردية لا تخدم فهم الصراع ، ولكن تُغذي خطاب التخوين وتعمق الانقسام الداخلي . هذا النمط في بناء السردية يمتد إلى طريقة السرد نفسه ، حيث تُقدم قوات الدعم السريع كـ”تهديد وجودي” للسودان، بينما يُقدم الجيش كـ”الحارس الوحيد للدولة”، مما يُعمق الانقسام الداخلي ويعزز خطاب التخوين .
5.3 الدقة والتحقق
في بيئة نزاع معقدة مثل السودان ، تزداد أهمية التحقق من المعلومات ، فإن ضعف الالتزام بالدقة والتحقق يُضعف من مصداقية التغطية ، حيث تظهر حالات عديدة لنشر معلومات غير مؤكدة أو مضللة ، سواء في البيانات العسكرية أو في مقاطع الفيديو التي لا تُتحقق من مصدرها أو سياقها . في بيئة نزاع حيث تكون الدقة مسألة حياة أو موت ، فإن هذا التهاون في التحقق يُعتبر انتهاكًا جسيمًا لأخلاقيات المهنة الإعلامية . بتاريخ 09 فبراير ,2026: 11:20 م GST وجهت مذيعة العربية على مسؤول اليونسيف بالسودان سؤال ( لا علاقة له بموضوع المقابلة ) يحمل تجريم مباشر لقوات الدعم السريع بممارسة اختطاف ومعاملة غير انسانية ، في حين أن المسؤول تم الاتصال به بشإن الحديث عن استمرار الهجمات على القوافل الإنساني ، هذا سؤال تضمن اتهامًا مباشرًا لقوات الدعم السريع بممارسة “اختطاف ومعاملة غير انسانية” ، رغم أن موضوع اللقاء كان يتعلق بالهجمات على القوافل الإنسانية . مهنيًا ، يُصنَّف هذا الأسلوب ضمن “السؤال الموجَّه” أو “الإطار الاتهامي” ، حيث تتضمن صياغة السؤال افتراضًا مسبقًا بالذنب دون إسناد واضح لمصدر مستقل . هذا النمط قد يرسّخ في ذهن الجمهور اتهامًا حتى دون تأكيد الضيف ، فيما يُعرف بتأثير التهيئة الذهنية . في سياقات النزاع المسلح ، يُفترض استخدام صياغات تحفظية ونسبة الاتهامات إلى جهات موثوقة . غياب ذلك يُفهم كاصطفاف سردي يؤثر سلبًا على إدراك الحياد المهني ويضعف الثقة الإعلامية . للتحقق شاهد المقابلة عبر الرابط : https://2u.pw/TWCDh .
- الأثر على المصداقية
1.4 تآكل الثقة لدى الجمهور
كشف استطلاع رأي أجرته المركز الأفريقي للتنمية المحلية في ديسمبر 2024 أن 63% من السودانيين الذين يتابعون القناتين السعوديتين يعتقدون أن تغطيتهما “منحازة لطرف واحد” . هذا التراجع الحاد في الثقة يعكس تحوّل القناتين من وسيلة إعلامية مهنية إلى جزء من الصراع السياسي . يُعزى هذا التآكل إلى وعي الجمهور المتزايد بأساليب التحيز البنيوي في التغطية ، فضلًا عن انتشار منصات التواصل الاجتماعي التي تتيح مقارنة التغطية مع مصادر أخرى .
2.4 تحوّل القناة من وسيط إلى فاعل
بدلا من أن تكون دور القناة الإخبارية المرآة العاكسة للأحداث تحولت إلى الفاعل المشارك في بناء السردية ، لذلك خسرت وظيفتها الأساسية كوسيط مهني . يُلاحظ في تغطيات قناتي “العربية” و”الحدث” للشأن السوداني خاصة في 2025 وألي تاريخ اعداد التقرير أصبحتا جزءًا من الآلة الدعائية التي تُعزز موقف الطرف السعودي في الصراع السوداني . هذا التحوّل يُضعف مصداقيتهما لأنه يُخرجها من الفئة المهنية إلى الفئة السياسية ، مما يجعلها هدفًا للنقد والرفض من قبل شرائح واسعة من الجمهور .
3.4 انتقال الجمهور إلى مصادر بديلة
يدفع انهيار الثقة في القنوات الرئيسية الجمهور السوداني إلى الاعتماد على مصادر بديلة أقل مهنية ، مثل مجموعات واتساب والمنصات الاجتماعية . أظهرت دراسة موازية أن 41% من الشباب السوداني يعتمدون على منصات مثل تيك توك وتويتر كمصدر رئيسي للمعلومات، مقارنة بـ18% في عام 2022 . هذه الظاهرة تُشكل خطرًا مزدوجًا: فهي تُضعف من مكانة الإعلام المهني ، وتعزز انتشار المعلومات المغلوطة في بيئة نزاع حساسة .
- أثر التغطية المضللة على الانقسام الداخلي في السودان
بتاريخ 10 فبراير 2026 ، نشرت قناة قناة العربية تقريرًا بعنوان : « اتهامات جديدة للدعم السريع بانتهاك حقوق البدو ».
عند تحليل محتوى التقرير مقارنةً بعنوانه ، يلاحظ وجود فجوة بين صياغة العنوان ومضمون المادة المعروضة . إذ إن الشهادات المنقولة عن جميع الرعاة المشمولين في التقرير تحدثت عن الأوضاع الأمنية بصورة عامة ، دون توجيه اتهام مباشر إلى جهة محددة . كما أشار مقدم التقرير إلى وجود جهات — لم تُسمَّ — وجهت اتهامات لقوات قوات الدعم السريع ، مع تضمين نفي منسوب لهذه القوات داخل متن التقرير .
أين يظهر التحيّز ؟
من منظور دراسات الإعلام ، يمكن توصيف الحالة ضمن ما يُعرف بـ تحيّز العناوين (Headline Bias) ، حيث يُصاغ العنوان بلغة حاسمة أو اتهامية ، بينما يتسم المحتوى بدرجة أعلى من التحفظ او مغايرة تماما العنوان .
العنوان هنا يوحي بوجود اتهامات مؤكدة ومباشرة ، في حين أن النص يعرض روايات عامة أو غير مسمّاة المصدر ، مع تضمين نفي الطرف المعني . هذا التباين قد يخلق انطباعًا أوليًا حادًا لدى الجمهور قبل قراءة التفاصيل .
في السياق السوداني ، حيث تتسم البنية الاجتماعية بتداخل قبلي ومهني واسع — لا سيما في المجتمعات الرعوية — فإن صياغة عناوين ذات طابع اتهامي قد تؤدي إلى تعزيز مشاعر الاستقطاب بين المكونات القبلية ،وتأجيج مشاعر الريبة أو العداء بين المجتمعات المحلية والقوى المسلحة بالإضافة إلى إعادة إنتاج خطاب تعبوي في بيئات تشهد أصلًا توترات أمنية .
ويزداد التأثير في المجتمعات التي تعتمد على تداول الأخبار شفهيًا أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، حيث ينتشر العنوان أسرع من محتوى التقرير التفصيلي .
عدم الالتزام المعايير المهنية يُعدّ تضليلًا متعمدًا ويؤدي إلى نتائج استقطابية ، خصوصًا في البيئات الهشة سياسيًا واجتماعيًا . للتحقق الاطلاع على التقرير عبر الرابط : https://2u.pw/EDbGDp .
خاتمة تقييمية
تشير المؤشرات إلى أن تغطية قناتي “العربية” و”الحدث” للحرب في السودان تحمل أنماطًا ملحوظة من التحيز البنيوي ، تتجلى في وضع الأجندة ، وبناء الإطار ، واختيار المصادر ، وبنية السردية . هذه الأنماط تعكس تفاعل العوامل البنيوية مع السياق الجيوسياسي المعقد . ومع ذلك، فإن أثرها على المصداقية الإعلامية والانقسام الداخلي في السودان أمر بالغ الخطورة .
ملحوظة :
أُعدّ هذا التقرير بناءً على رصد وتحليل محتوى برمجي وميداني ، مع مراعاة الالتزام بالمنهجية في الطرح . يُنشر لاغراض البحث والنقاش الأكاديمي .
المركز الأفريقي للتنمية المحلية
الراكوبة