“بابنوسة” خلو المدينة من السكان… كيف غيّر الطيران العسكري ملامح الحياة اليومية؟

“بابنوسة” خلو المدينة من السكان… كيف غيّر الطيران العسكري ملامح الحياة اليومية؟

بقلم/ الأمين حميدان قادم

لم يكن يخطر على بال أحدٍ من سكان مدينة بابنوسة «القميرة»، أن تأتي لحظة يرحلون فيها جميعًا، تاركين خلفهم منازلهم وأسواقهم وذكرياتهم، لتتحول شوارعهم المزدحمة إلى مساحات صامتة لا يتحرك فيها سوى الغبار.

في بداية الحرب ومع بدء تحليق طيران جيش المؤتمر الوطني فوق المدينة وإسقاطه البراميل المنفجرة على رؤوس المدنيين، تغيّر كل شيء بسرعة لم يمنح الناس وقتًا للتفكير. ارتفعت المخاوف، وتكاثرت الشائعات، وأصبحت السماء مصدر تهديد دائم يدفع الجميع إلى البحث عن مكان آمن خارج حدود المدينة.

 

خوف يحوّل الحياة اليومية إلى سباق مع الزمن

كان صوت الطائرات كافيًا ليقلب الطمأنينة إلى قلق. المحال التجارية أغلقت أبوابها، المدارس علّقت الدوام، والمستشفيات عملت بالحد الأدنى. ومع كل تحليق جديد، كانت الشوارع تفرغ أكثر فأكثر، وكأن الناس يدركون أن البقاء ليس خيارًا مطروحًا.

 

شاهدت بعيناي كيف الأهالي بدأوا يتجمعون في مداخل الأحياء قلقين من أي قصف، ومع الأيام، صار المشهد مألوفًا: منازل مغلقة، نوافذ محصنة، وطرقات لا يمر فيها سوى سيارات الإسعاف أو عربات النازحين.

 

النزوح… بحثٌ قاسٍ عن الأمان

لم يكن الخروج من المدينة سهلًا. كثير من العائلات غادرت على عجل تركت كل شيء ، تحمل ما يمكن حمله فقط. امتلأت الطرق بالمغادرين، بعضهم توجه نحو القرى القريبة، وآخرون قصدوا مدنًا أبعد أو مراكز إيواء مؤقتة داخل ولاية غرب كردفان.

تحديات الطريق كانت كثيرة: ساعات طويلة من الانتظار، ازدحام خانق، أطفال يبكون، كبار سن لا يحتملون طول السفر. ومع ذلك، ظل الهدف واحدًا: الابتعاد عن الخطر قدر الإمكان.

 

مدينة بلا سكان… صمتٌ أثقل من الدخان

بعد خروج آخر دفعات المدنيين، بدت المدينة وكأنها فقدت روحها، حيث لم يتبقي غير جيش الفلول المحاصر داخل الفرقة22، الشوارع التي كانت تضج بالحياة باتت فارغة، المحال التجارية بدون أبواب مفتوحة، والمنازل بلا ضوء في نوافذها. حتى الحيوانات الضالة بدت مرتبكة من هذا السكون غير المألوف.

اقتصاديًا، تلقت المدينة ضربة قاسية: توقف التجارة، غياب اليد العاملة، شلل كامل للمرافق. وعلى المستوى الاجتماعي، تشتت العائلات بين مدن مختلفة، وباتت الروابط اليومية التي كانت تجمعهم معلّقة إلى أجل غير معلوم.

مدن بلا بشر… وصورة الحرب الأوضح

تثبت هذه التجربة المؤلمة أن المدنيين هم دائمًا الحلقة الأضعف في أي تصعيد عسكري، وأن تأثير الطيران لا يقتصر على العمليات الميدانية بل يمتد إلى حياة الناس بأكملها. ورغم قسوة المشهد، يبقى الأمل قائمًا بعودة الحياة إلى المدينة، وعودة ضحكات الأطفال وصوت المارة وضجيج الأسواق، عندما تتوقف الطائرات عن التحليق وتعود السماء آمنة مرة أخرى.

عوداً حميداً

بعد تحريرها ستعود القميرة كما يحلو لأهلها وستفتح الأزهار وسيعود الأمن والسلام والمواطنين سيتوافدون إلى مدينتهم الجميلة، وقطعا التخلص من دواعش الجيش المجرمين سينعكس ايجاباً على المدينة وأهلها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.