الجيش ينهار ميدانيًا ويتعنّت سياسيًا: قراءة في التناقض الكارثي بين الواقع ورفض الهدنة
الجيش ينهار ميدانيًا ويتعنّت سياسيًا: قراءة في التناقض الكارثي بين الواقع ورفض الهدنة
مجاهد بشرى يكتب
منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تحوّل المشهد العسكري في السودان من مواجهة مسلّحة إلى انهيار منظّم واضح في بنية الجيش وحلفائه.
المشهد الميداني لا يحتاج إلى أوصاف بلاغية: سقوط الفاشر، حصار وحدات كبيرة مثل الفرقة 22 بابنوسة لأكثر من عامين، انهيار محاور في كردفان ودارفور، واستنزاف لوجستي متواصل، كل ذلك يثبت أن الجيش لا يملك بعد الآن القدرة على ضبط إيقاع المعركة، ومع ذلك، نواجه اليوم تناقضًا خطيرًا: قيادة عسكرية حسرت شرفها منذ أن اختبأ قادتها في أقبية القيادة العامة، و هرب البقية من الحرب في بداياتها، إلى فرارها و ترك المدنيين خلفها في الفاشر كما حدث في الجزيرة و نيالا، لكنها ترفض الهدن وتصرّ على خيار الحرب، وتتحوّل بالمقابل إلى بائع لفرص السلام أمام المجتمع الدولي.
من دارفور إلى كردفان: سقوط العمود الفقري للجيش
دارفور التي كانت تُعد “العمق العسكري الغربي” للجيش، أصبحت بالكامل تحت سيطرة الدعم السريع بعد سقوط الفاشر، المدينة التي صمدت 500 يوم تحت الحصار دون أن يرسل الجيش إليها أي إمداد أو دعم حقيقي.
الجنود والضباط تُركوا ليواجهوا مصيرهم بينما كانت القيادة تواصل الظهور في المنابر الخارجية بخطابات دعائية عن “الصمود” و”المعنويات المرتفعة”.
وفي الصحراء، خسر الجيش كل قواعده الممتدة بين العطرون وكرب التوم ،أم بعر ومدّو ودريشقا، وهي مواقع كانت تُعتبر ضمن شبكة الإمداد الإستراتيجي من الشمال الغربي. قوات الRS دمّرت تلك القواعد في سلسلة عمليات دقيقة، لأنها أنهت فعليًا وجود أي قوة نظامية في غرب السودان.
أما في كردفان، فقد تحولت المواجهات إلى حرب استنزاف دامية.
القوات المشتركة، وميليشيا البراء بن مالك، ودرع السودان، فقدت معظم قادتها ومقاتليها في محاور الأبيض وشمال كردفان.
أُبيدت متحركات الجيش مثل الصياد 1 والصياد 2، وتحوّل وجوده في الأبيض إلى حصار خانق.
مسحت مسيرات الRS الاستراتيجية غرف تحكم و قيادة للجيش في عدة محاور.
باتت المدينة محاطة من كل الاتجاهات، ولم يبقَ للجيش سوى طريق واحد مفتوح عبر الرهد وأم روابة، يتعرض هو الآخر للاستهداف اليومي.
انهيار قوام القوة: مؤشرات لا تقبل التأويل
- فقدان السيطرة الميدانية: سقوط الفاشر لم يكن حادثًا تكتيكيًا عابرًا، بل فصلا فارقًا أزاح توازن القوى في دارفور لصالح الRS. المدن والمحاور التي كانت تُعدّ خطوط دفاعية للجيش تهاوت، أو تراجعت أهميتها عمليًا أمام حرية حركة الخصم.
- عزل وحدات كاملة: وجود فرقة محاصرة لـفترة زمنية ممتدة، مع انقطاع الإمداد البري، والقيادة والاتصال، يعني عمليًا أن هذه الوحدة لم تعد قوة قتال فعّالة بل عبء لوجستي وسياسي.
- قوة ضاربة تكتيكيًا لدى الخصم: الRS أثبت تفوقًا تكتيكيًا عبر استغلال المساحات الصحراوية، توظيف المسيرات لقتل نقاط الإمداد والخبراءو كبار الضباط، واستهداف مخازن وقوافل إمداد الجيش بدقة عالية، ما أفقد الجيش قدرة التعويض.
- تفكيك شبكات الدعم: استهداف خبراء أجانب ومخازن أسلحة وقطع لوجستية أضعف قدرة الجيش على إعادة تموضع سريع أو إطلاق هجمات مضادة محكمة.
هذه الحقائق الميدانية لا مجال فيها للإنكار: الجيش ينسحب أو يُصاب بالشلل أمام معالم حرب إستراتيجية جديدة — حرب تُدار بالضرب على الأعصاب واللوجستيات، لا بالمعارك التقليدية فقط.
الرفض السياسي للهدنة: عندما يصبح العناد سلاحًا أخطر من السلاح
في المقابل، تصرّ قيادات عسكرية وسياسية على رفض الهدن والصفقات التي تَعرضها الرباعية، وتتحجّج بمبررات أيديولوجية أو أمنية، رغم أن الطرف الآخر ( الRS) أعلن قبوله لهدنة إنسانية وفق إطار الرباعية بقيادة الولايات المتحدة. هنا يتجلّى السؤال البسيط: لماذا يرفض من بات يخسر الأرض كل فرصة لوقف نزيف الدم، ويستبدلها بعناد سياسي يكلّف البلاد والمواطنين حياتهم ومستقبلهم؟
الإجابة ليست أخلاقية فحسب، بل عملية ومادية:
- شبكات تمويل الحرب: عناصر داخل المؤسسة الحاكمة تستفيد من استمرار الحرب عبر موارد تُهرّب وتُسوّق (الذهب مثالًا) لتمويل مشتريات سلاح وخدمات ميدانية. إيقاف الحرب يعني قطع منابع تمويلية قد تسقط مشاريع شخصية كاملة.
- الرهان على الزمن: قناعة لدى بعض القيادات أن استمرار الحرب يوفّر فرصة لإعادة التموضع السياسي أو فرض شروط لاحقة، فالموقف اليوم هو مقامرة بمصائر الملايين لقاء مكاسب مؤجلة.
- التبعية الإقليمية والدولية: تفاهمات مع قوى إقليمية تحاول استغلال الانقسام السوداني لتثبيت نفوذ جيوسياسي أو اقتصادي، فتدفع باتجاه إطالة أمد الصراع لصالح شبكات المصالح.
النتيجة: رفض هدنة إنسانية يُقابله خطاب تعبوي كاذب عن «الكرامة» و«الصمود» فيهرب الجيش دون أن يصمد، بينما المواطن وحده يدفع الثمن.
التاجر والمواطن: استثمار الحرب بمقابل إنساني
التحوّل الأخطر أن مواطنين يُتركون في محاور القصف والحصار، بينما تُعرض موارد البلد وحقوقه كسلعة في أروقة التفاوض البديلة (ذهب، سواحل، امتيازات). هذا السلوك لا يختلف عن تحويل الإنسان إلى قيمة تبادلية: حماية لمواقع السلطة تُقابل استثمارًا بالثروات الوطنية. ومن ثم لا يستغرب أن يرفض طرف أو قائد التهدئة إن كان ثمنها فقدان مصدر دخل أو نفوذ.
الجيش ينسحب… ويترك المدنيين خلفه
ما حدث في الفاشر، وما تكرر في مواقع عديدة من الجزيرة إلى كردفان، يُظهر نمطًا ثابتًا:
الجيش يقاتل حتى يفقد السيطرة، ثم ينسحب تاركًا المدنيين في مرمى النيران.
المدنيون هم وقود المعارك التي أشعلها الإسلاميون منذ اليوم الأول.
وكل مرة، يُعاد تكرار الرواية ذاتها: “انسحاب تكتيكي” و”إعادة تموضع”، لكن الحقيقة أن هذه الانسحابات لم تكن سوى هزائم متكررة مغلفة بالكذب.
بعد انسحابه من الفاشر، استخدم الجيش مآسي المدنيين هناك كورقة ضغط سياسية أمام المجتمع الدولي، وراح يحمّل مسؤولية المعاناة للطرف الذي انتصر ميدانيًا، رغم أنه هو من ترك المدينة تنهار جوعًا وحصارًا دون تدخل.
حرب من أجل لا شيء
الجيش السوداني اليوم لا يقاتل من أجل الوطن، بل من أجل استمرار طبقة صغيرة من المنتفعين داخل المؤسسة العسكرية والسياسية، الذين يخشون السلام لأنه سيُجردهم من سلطتهم وثرواتهم.
بينما البلاد تحترق، والمواطنون يُهجّرون، والمدن تُقصف، يظل قادة الجيش يتاجرون بالدماء أمام المجتمع الدولي، يلوّحون بمعاناة المدنيين في بياناتهم ثم يرفضون كل هدنة تفتح باب الإغاثة.
ماذا يعني هذا للمشهد السياسي والإنساني؟
- أزمة شرعية داخلية: الجيش الذي يُفترض أنه حامٍ للوطن تحول إلى طرف يسوّق مصالحه الخاصة. هذا يفاقم فقدان الثقة في المؤسسة العسكرية ويعزّز شرعية البحث عن حلول أخرى.
- ضغوط دولية متزايدة: رفض هدنة من طرفٍ في وضع هزائم يمنح الوسطاء أمثلة واضحة على تهرّب من الحل، ويجذب ضغطًا دوليًا على من يعرقل السلام.
- خطر تفكك الدولة: استمرار الحرب وسياسة المقايضة بسيادة الموارد يمدّد انهيار مؤسسات الدولة ويقوّض أي إمكانية لإعادة بناء مقومات الدولة لاحقًا.
كارثة إنسانية متصاعدة: حصار مدن ومناطق لسنوات يعني مستويات معاناة متزايدة، لا تُحتمل ولا تُغتفر سياسياً أو أخلاقياً.
السؤال الآن لم يعد سياسيًا، بل أخلاقيًا:
كيف يمكن لقيادة فقدت السيطرة على أكثر من 80٪ من الأرض أن ترفض الهدنة؟
كيف يمكن لجيش ينسحب من دارفور وكردفان أن يتحدث عن “النصر” وهو يبيع معاناة شعبه في المنابر الدولية؟
وإلى متى سيظل المواطن السوداني هو الرهينة الوحيدة في حرب لا تخصه؟
الRS، رغم كل الجدل، أصبح الطرف الوحيد الذي يُظهر إرادة واضحة للسلام.
أما الجيش، فقد تحوّل إلى آلة حرب بلا قضية، يخسر كل يوم أرضًا وجنودًا وكرامة، ومع ذلك يُصرّ على المضي في طريق نهايته واضحة.
الحقيقة المرّة أن من يرفض السلام بعد كل هذا الخراب لا يمكن أن يُسمى جيشًا، بل مشروع خراب دائم، ومهددا لوحدة السودان و كرامة شعبه، و خطراً على الإقليم.
#لاللحرب .