الكباشي احمد يكتب .. عبد الله علي إبراهيم والتضليل في زمن الحرب

عبد الله علي إبراهيم والتضليل في زمن الحرب

الكباشي احمد عبد الوهاب

 

قتل امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تُغتفرْ

وقتْلُ شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظرْ

نزار قباني

في مقابلة أجرتها قناة الجزيرة مع البروفيسور عبد الله علي إبراهيم، أُثير سؤال مباشر حول موقفه من استمرار الحرب في السودان، في ظل ما وصفته التقارير الدولية بأنه أكبر أزمة نزوح وجوع وتشرد في العالم. غير أن إجابته لم تكن مباشرة، بل انحرفت نحو نقاش قانوني حول شرعية استهداف الأعيان المدنية في النزاعات المسلحة، مما أثار تساؤلات حول دوافعه الحقيقية في هذا التوجيه للسردية.

وفي عملية تحريف واضحة للقانون الدولي لتبرير العنف، قال عبد الله علي إبراهيم إن القانون الدولي يسمح بضرب الأعيان المدنية حال تم استخدامها عسكريًا من قبل أحد أطراف النزاع، وهي عبارة مضللة جزئيًا لأنها تفتقر إلى التوضيح القانوني الكامل.

فبينما ينص القانون الدولي الإنساني على حظر استهداف الأعيان المدنية، فإنه يضع استثناءات مشروطة للغاية إذا تم تحويلها إلى أهداف عسكرية فعلية. لكن حتى في هذه الحالات، يجب مراعاة مبدأ التناسب والضرورة العسكرية، مع التحذير المسبق إن أمكن، وإلا قد يُعد الاستهداف جريمة حرب. لم يذكر إبراهيم هذه القيود، مما يجعله يقدم مبررًا غير دقيق لاستهداف المدنيين والبنية التحتية، وهو ما يعكس نهجًا تبريريًا خطيرًا في ظل حرب دمرت المدن وقتلت وشردت الملايين.

الأخطر من ذلك أن هذه الإجابة لم تكن ردًا على السؤال الأساسي حول الأزمة الإنسانية الناجمة عن الحرب، بل كانت تحريفًا للسياق وهروبًا من الحديث عن المسؤولية السياسية والأخلاقية لأطراف النزاع في خلق هذه الكارثة. فعوضًا عن مناقشة الدمار الذي لحق بالسودانيين، أو ضرورة إنهاء الحرب، انصرف عبد الله علي إبراهيم إلى التنظير القانوني الذي يخدم مواقف محددة في الصراع. هذا الأسلوب ليس جديدًا في تاريخ الخطاب الدعائي، حيث يعتمد بعض المثقفين على التلاعب بالمفاهيم القانونية والتاريخية لإضفاء الشرعية على مواقفهم، بدلًا من مواجهة الحقائق المجردة.

لكن الواقع الإنساني في السودان لا يحتاج إلى تنظير بقدر ما يحتاج إلى حلول فورية لإنقاذ الأرواح وإيقاف دوامة الموت والمعاناة. تُظهر هذه المقابلة كيف يمكن استخدام التكتيكات البلاغية لصرف الانتباه عن المآسي الحقيقية.

فعندما يتم الحديث عن إباحة استهداف الأعيان المدنية بدلًا من الحديث عن وقف الحرب وإنقاذ المدنيين، يصبح الهدف توجيه النقاش بعيدًا عن جوهر الأزمة، وربما تبرير استمرار الحرب بشكل غير مباشر. في النهاية، تظل الحقيقة الثابتة أن كل يوم يمر في هذه الحرب يعني المزيد من القتلى والجوعى والنازحين، وأن كل محاولة لتبرير استمرارها، سواء عبر الخطاب القانوني أو السياسي، ما هي إلا تضليل يخدم أجندات الحرب أكثر مما يخدم السودان وأهله.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.