1200 قتيل .. التطهير والتهجير في مواجهة “سكان الكنابي” بالسودان

 1200 قتيل .. التطهير والتهجير في مواجهة “سكان الكنابي” بالسودان

 

دروب 19 مارس 2025 – أحصت مركزية مؤتمر الكنابي بالسودان، مقتل 1200 شخص على يد مليشيات متحالفة مع الجيش السوداني في ولاية الجزيرة وسط البلاد، في وقت يواجه فيه الآف المواطنين من سكان “الكنابي” مصيرا مجهولاً بعد حرق مساكنهم وتهجيرهم قسرياً إلى الولايات المجاورة.

الكنابي” هي تجمعات سكنية على أطراف المدن والقرى بولاية الجزيرة وسط السودان يقطنها العمال الذين يعملون في المشروع الزراعي بالولاية الوسطية.

كانت قد تعرضت هذه التجمعات إلى موجة انتهاكات بعد انتقال الحرب إلى منطقة الجزيرة لكن أشدها وقع بعد استعادة الجيش السوداني لمدينة ودمدني في يناير الماضي، وتواصلت مع تقدمه في مناطق الولاية التي كانت تحت سيطرة قوات الدعم السريع لنحو عام.

شملت الانتهاكات ضد سكان الكنابي القتل والنهب والتهجير القسري بعد حرق منازلهم، وفق الأمين العام لمؤتمر مركزية الكنابي، جعفر محمدين.

تطهير عرقي

وأكد محمدين في تصريح لـ”دروب” مقتل 1200 شخص من سكان الكنابي، على يد مسلحين متحالفين مع الجيش السوداني، منها قوات درع السودان والعمل الخاص وكتيبة الزبير بن العوام، تحت اشراف القوات المسلحة السودانية.

وأشار إلى أن هنالك مفقودين من سكان الكنابي لم يُعرف مصريهم حتى الآن، كما أن الانتهاكات لا زالت مستمرة ما يجعل اعداد القتلى في تزايد، وفق قوله.

ويصف محمدين ما جرى لسكان الكنابي بأنه “تطهيرا عرقيا وتهجير قسري”، مؤكداً حصر عدد 160 كمبو في ولاية الجزيرة تم حرقها وتهجير سكانها بالكامل.

وأشار إلى أن معظم سكان الكنابي المهجرين فروا الى مُدن وقرى “الفاو والقضارف وسنار وكوستي” وبعض منهم الى مدينة الانقاذ شرق ودمدني وآخرين الى المناقل وشمال الجزيرة.

تواصلت “دروب” مع ناجيين من انتهاكات الكنابي في ولاية الجزيرة، لكنهم رفضوا الحديث لمخاوفهم من الملاحقات الأمنية التي قد تطالهم في أماكن النزوح الجديدة بولايات سنار والنيل الأبيض والقضارف وكسلا.

ولم تبدأ الانتهاكات بحق سكان الكنابي بعد دخول الجيش السوداني إلى الجزيرة، فقد سبق وطالتهم صنوفا منها على يد قوات الدعم السريع، خلال سيطرتها على الولاية.

وحسب أحد المواطنين رفض ذكر اسمه لدواع أمنية فإن “كمبو السكة حديد” غرب ودمدني، تعرض في العاشر من يناير الماضي، لهجوم من قبل مجموعة تابعة لقوات الدعم السريع، اعتدت بالضرب على السكان قبل أن تنهب نحو 70 رأسًا من الأبقار إضافة إلى المحاصيل الزراعية.

 

نهب مستمر

أكد الأمين العام لمؤتمر المركزية أن الأضرار المادية التي لحقت بسكان الكنابي “كبيرة جدا” تقدر بترليونات الجنهيات، وفق قوله. مشيرًا إلى أن هنالك نهب مستمر للماشية في مناطق الكنابي من أبقار وماعز، ويقدر ما نُهب بحوالي 5000 ألف رأس من الماشية.

وتابع “يواجه الفارون من الكنابي مستقبل مجهول وللأسف لا زالت المطاردة مستمرة حتى في أماكن النزوح الجديدة وفق ما يعرف بـ”قانون الوجوه الغريبة”.

ودعا محمدين أبناء الكنابي في القوات النظامية المختلفة، إلى حماية أهاليهم من خلال إقامة ارتكازات باسم القوات التي يتبعون لها لحماية السكان من الهجمات التي يتعرضون لها.

وأشار إلى أن مركزية مؤتمر الكنابي اطلقت نداءًا عاجلًا لكل المنظمات الدولية والإقليمية للضغط على قيادة الجيش لوقف الانتهاكات التي يتعرض لها سكان وقوميات الكنابي حيث يتم استهدافهم على أساس عنصري، مبينا أن ما يحدث شبيه بما حدث في دولة رواندا في وقت سابق.

وأوضح محمدين أن عدد سكان الكنابي بولاية الجزيرة يبلغ نحو 2 مليون نسمة، مبينا أن مركزية المؤتمر تحصر عدد 2195 كمبو، بخلاف الامتداد الغربي في ابوقوتة وتمبول بشرق الجزيرة.

مطالب بتحقيق دولي

وقلل محمدين من جدوى لجنة التحقيق التي كان قد شكلها قائد الجيش ، الفريق عبد الفتاح البرهان، حول أحداث كمبو طيبة بالجزيرة، قائلاً “لا يمكن أن تكون أنت الحكم والجلاد، للأسف هؤلاء هم من ارتكبوا الجرائم في كمبو طيبة”.

وتابع “أين نتائج اللجنة؟ التي كان يفترض أن تنهي عملها في أسبوع وفق القرار، الآن مضى أكثر من شهرين، في وقت كل العالم عرف من هم الذين ارتكبوا المجازر والانتهاكات الخطيرة والتهجير القسري في كمبو طيبة وكمبو دارالسلام الحديبة”.

وأكد مطالبة مركزية مؤتمر الكنابي بلجنة دولية لتقصي الحقائق من أجل انصاف المظلومين، مردفاً “بيننا وبينهم المحاكم الدولية والإقليمية”.

وكان البرهان، أصدر في 15 فبراير الماضي قرارًا بتشكيل لجنة للتحقيق في الأحداث التي وقعت بكمبو طيبة بولاية الجزيرة، برئاسة ياسر بشير البخاري مساعد أول النائب العام وعضوية آخرين.

وجاء تشكيل اللجنة بعد نشر مقاطع فيديو تُظهر عناصر بزي الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه وهي تنفذ عمليات اعدام وتعذيب واعتقالات لمئات الأشخاص في مدينة ودمدني والقرى التابعة لها، بذريعة التعاون مع قوات الدعم السريع.

كارثة إنسانية

يواجه سكان الكنابي كارثة إنسانية غير مسبوقة نتيجة الاستهداف العرقي والتهجير القسري”، يقول أمير يعقوب مسؤول الشؤون الإنسانية بمركزية مؤتمر الكنابي.

وأكد يعقوب لـ”دروب” نزوح آلاف الأسر نحو “الفاو، القضارف، سنار، كوستي”، ومدن أخرى، يعيشون هناك تحت ظروف قاسية وسط انعدام الأمن وتدهور الأوضاع المعيشية، دون مأوى كافٍ أو مساعدات إنسانية تلبي احتياجاتهم الأساسية.

يعتمد معظم سكان الكنابي على الزراعة كمصدر دخل رئيسي، لكن بعد تهجيرهم وفقدان أراضيهم، أصبحوا بلا مصدر دخل، مما أدى إلى تفشي الجوع والفقر، وفق يعقوب.

إلى جانب التهجير والنهب، لا يزال السكان يواجهون تهديدات وانتهاكات مستمرة، حتى في أماكن نزوحهم، حيث لا تتوفر أي ضمانات لسلامتهم، وسط غياب أي حلول ملموسة أو جهود حقيقية لحمايتهم وتأمين سبل العيش لهم.

وناشد يعقوب المنظمات المحلية والإقليمية والدولية بالتدخل العاجل لتقديم المساعدات الإنسانية لسكان الكنابي، وتوفير الحماية ووقف الانتهاكات المستمرة، وضمان حقهم في العودة الآمنة إلى مناطقهم.

تطهير عرقي وجرائم ضد الإنسانية

يرى عثمان جامع، الخبير القانوني ومدير منظمة إنهاء الإفلات من العقاب، إن ما حدث لسكان الكنابي في ولاية الجزيرة من انتهاكات جسيمة تندرج تحت وصف التطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية وفق القانون الدولي الإنساني وحقوق الانسان.

وقال جامع لـ”دروب” إن سكان الكنابي هم مدنيون تعرضوا للقتل والاعتقال التعسفي بصورة عنصرية، بعد اتهامهم بالتعاون مع قوات الدعم السريع الأمر الذي جرّ عليهم كافة أشكال الانتهاكات.

وأضاف أن “الفظاعات التي جرى توثيقها بواسطة لجان حقوق الانسان الدولية، بحق سكان الكنابي ارتكبت من قبل مليشيات متحالفة مع الجيش السوداني، مثل القوات التي يقودها ابوعاقلة كيكل، مما يجعل المسؤولية تطال قيادة الجيش”.

وأشار عثمان جامع، إلى أن هذه المليشيات هاجمت “كمبو خمسة” شرق ام القرى بالجزيرة يناير الماضي، وقتلت عدد من المواطنين بينهم أطفال واختطفت 13 امرأة ونهبت ممتلكات السكان من محاصيل ومواشي، فضلًا عن تشريدهم قسريا، وفق ما هو موثق لدى المنظمات الحقوقية الدولية.

وأضاف أن “ذلك يندرج تحت جرائم التطهير العرقي وفق التكييف القانوني، لأن الانتهاك وقع بحق أناس محددين استهدفوا بناءًا على أعراقهم، كما أنها جرائم ضد الإنسانية، لأنها شملت القتل والتعذيب والإخفاء القسري”.

وأكد أن هذه الجرائم لن تسقط بالتقادم وسيحصل الضحايا على الانصاف والتعويض والحماية في المستقبل القريب، مبينا أن المحكمة الجنائية الدولية تعمل على أن تشمل ولايتها كل السودان لتكون معنية بمثل هذه القضايا.

وأوضح جامع، أن المحكمة الجنائية الدولية لا تحاكم الدول وإنما تعاقب الأشخاص الذين ينتهكون حقوق الانسان وفق القوانين المحلية والدولية، مبينا أن قيادات الجيش السوداني وقائد درع السودان ابوعاقلة كيكل مسؤولين عن الانتهاكات التي وقعت بحق سكان الكنابي.

وأكد مدير منظمة “إنهاء الإفلات من العقاب” أن المحاكم الوطنية لن تحقق عدالة، وأن لجنة التحقيق في أحداث الكنابي التي شكلها البرهان في وقت سابق لن تأتي بنتائج لأن الحكومة حاليا غير جادة وغير قادرة على السيطرة على المليشيات التي ترتكب الانتهاكات بصورة ممنهجة لأنها أصبحت أقوى من الدولة ولا تنصاع إلى الجيش، وفق قوله.

وأضاف أن “اللجان الحقيقة التي يمكنها العمل على تحقيق العدالة هي اللجان الدولية، وهذه ستكون بعد وقف الحرب ووقتها ستتم المحاسبة على كل الانتهاكات التي وقعت في السابق”، حسب قوله.

محاسبة وتعويض

وقال جامع إن “الدولة التي تتقاضى عن انتهاكات حقوق الانسان تتحمل المسؤولية وسيخضع المسؤولين فيها للمحاسبة مستقبلا وستقوم بتعويض الضحايا”.

وذكر أن الانتهاكات بحق سكان الكنابي لا زالت مستمرة، مؤكداً أنه في 12 مارس الجاري أحرقت مليشيات المستنفرين بصفوف الجيش السوداني 5 قرى بمحلية الكاملين ونهبوا كل أملاك السكان بتهمة التعاون مع الدعم السريع، مبيناً أن الانتهاكات قد تستمر في ظل عجز الدولة عن توفير الحماية للمدنيين.

في 25 فبراير الماضي قالت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير إن قوات “درع السودان” التي يقودها ابوعاقلة كيكل، تعمّدت استهداف المدنيين في هجوم شنته يوم 10 يناير 2025، على قرية “كمبو طيبة” بولاية الجزيرة أسفر عن مقتل 26 شخصا على الأقل، بينهم طفل، وجرح آخرين. كما نهبت الممتلكات المدنية بشكل منهجي، بما يشمل المؤن الغذائية، وأحرقت المنازل، فضلا عن جرائم قتل أخرى في مدينة ودمدني التي دخلها الجيش في يناير الماضي.

ونوه التقرير إلى أن هذه الأفعال تشكل جرائم حرب، وبعضها، مثل قتل المدنيين عمدا، قد يشكّل أيضا جرائم محتملة ضد الإنسانية.

وأضاف أنه “بموجب مبدأ مسؤولية القيادة، قد يكون القادة العسكريون مسؤولين عن جرائم الحرب التي يرتكبها أفراد تابعون للقوات المسلحة، أو مقاتلون آخرون خاضعون لسيطرتهم”.

وتبعد قرية كمبو طيبة 30 كيلومتر شرق ود مدني في محلية أم القرى، وسكانها من عرقيات “التاما والبرقو والمراريت”، وهم أصلا من غرب السودان.

وشكّل كيكل قوات درع السودان في العام 2022، وجنّد عناصرها بشكل أساسي من المجتمعات العربية في ولاية الجزيرة. قاتلت المجموعة إلى جانب الجيش السوداني من أبريل 2023 إلى أغسطس 2023، لكنها انشقّت بعد ذلك وانضمت إلى الدعم السريع، ثم عادت مرة أخرى وانضمت إلى الجيش في أكتوبر 2024.

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.