أمين محمد يونس: ماتت على أعتاب القصور النضالات
امين محمد يونس: ماتت على أعتاب القصور النضالات
جلس كبير القوم على كرسيه المخصص المخضب بلون السحر والهيبة، خَلَف ساقه اليمنى على اليسرى وأبرم شواربه الخفيفة ليستمع إلى الوفود المتباينة
تقدم أحدهم مرتدياً بدلة سوداء مثل يوم سجنه وعلى عنقه قماشة حمراء تنتهى بفم معدته ثم قال: لقد ضاق بنا الحال يا مولاي ضمُرت الخصور وتجعدت الوجوه وقُدت الجلابيب من الدبر وأنت مخلصنا وسيدنا ونحن جندك المُطيع.
وماذا عن الذين قضوا نحبهم في الطرقات؟
قالوا أولئك شباب طائش خربوا الطرقات ولوثوا قصر جلالتكم بالدخان وقد نالوا عقابهم ونتهعد بأن لن يسأل أحد عنهم.
أخذ السلطان يمحلق بعينيه الحادة في وجوههم الغابرة الغادرة، رأى أعينهم الزائقة ويقدمون أنفسهم كما فعلت امرأة العزيز، تنحنح وقال لهم كم عددكم؟ أجاب شيخ عجوز نحن سبعة يا مولاي
وأين البقية؟ قالوا بصوت واحد في الطرف الآخر سيدي
ثم قام حكيمهم وعرابهم مبرراً عدّل نظارته وبدأ بكلمات شعرية وأردف قائلاً نحن القلة ولكننا أصحاب الرأي وأهل الشارع ونحن أصحاب المطبخ و(ناس الرصة والمنصة)
إذا قبلت بنا عفونا عنك ما مضى وبعناك رقابنا وإرادتنا وإذا اخترتهم فإنهم كثيرو العدد ولكنهم مثل أصوات النخيل في مهب الريح، لا يزعجون الراعي ولا يطردون الرعية ثم أكمل حديثه بجملة أحدثت الفارق “ولن نقول لا، لا، لا بعد اليوم”
صافحهم بكبرياء وحددوا موعد العرس للخامس من الشهر الأخير…
جلست الزعيمة كأنها أم العروس في المقدمة والتي إكتفت بوضع القليل من الكحل على عينيها الذابلتين، خلعت عنها رداء الوطن وعدسات الحياء وأخذت تتأمل الحضور وتبتسم راجية إعطاءها قطعة معقولة من الكيكة المغمورة بالشكلاته … بعد أن طبخت كل ما لزّ وطاب في بُرمتها الكبيرة البرمة في بادية غرب السودان تطلق على (الحَلّة أو القِدر)
بدأت المراسم …جاء أحدهم بهياً يرتدي ثوباً تراثياً بلمسات حضارية وأضاف القليل من العطر الباريسي على كتفيه وتحت إبطيه ومسح به شواربه المُشبعة بدخان سيجارته البرنجي ثم قال فأحسن القول
ثم قام الذي يليه تحدث فأحسن القول وهكذا إلى أن جاء دور السلاطين الذين ختموا اللقاء بالوعود الطيبة التي ستصب في مصلحتة السبعة الحاضرة والسبعون الذين يتابعون العرس من خلف الخيام
انفض الناس ودخل الأطراف إلى حيث خرجوا يتبادلون الضحكات وكأنهم أضافوا اللاءات الثلاث في البرمة الكبيرة التي طبخوا فيها وجبة اللقاء المثير
عندنا في بادية غرب السودان أمثال وحكم تتعلق بالزواج فيُقال أن المرأة وليان أي لا تتزوج من فتاة ليس لها ولي أمر أو ولي أمرها .. ما شادي حيلو..
و قالوا لا تتزوج المرأه الزَّرقة أي التي وليتها أمها أو خالتها وبالمختصر لا يوجد رجل يقف على ولايتها
وهنا نخشى أن تكون المحتفى بها من غير ولي من أهل البيت أعني أهل البيت، لأننا شهدنا ذات العرس سابقاً ففسخوه ولما شارف القطار على الفوات عادوا للمغازلة وجددوا العقد ولا ندري ماذا تخبئ جعوبهم والأيام…
وفي الجانب الآخر تمسك أهل العرس الأول وجمعوا معهم الجيران وأبناء السبيل وسنّوا سهاهم منتظرين صباح الأسبوع الثاني للدخلة لينقضّوا على أهل الضّرة ..الجديدة.. ويبعدونهم عن الضروع التي أغرقتهم بلبان الأم المنهكة غير آبهين بما سؤول إليه حال الوطن
ظللت أتابع المراسم من بعيد وبقلق وقلت: ربنا يتمم على خير وسألت الله المودة والرحمة للطرفين وثالثهم معهم حتى لا يحترق البيت الكبير